مشاهدة النسخة كاملة : مصر في مواجهة 3 سيناريوهات ...{أحمد أبو المعاطي}


ام خديجة
12-23-2010, 08:16 AM
مصر في مواجهة 3 سيناريوهات




http://img529.imageshack.us/img529/6084/133121.jpg

أحمد أبو المعاطي



تصاعدت في مصر خلال الفترة المنصرمة مظاهر تفتيت واضحة في البنية الرئيسة لنظامها السياسي والاجتماعي القائم، الأمر الذي دفع بكثير من المراقبين إلى التحذير من استمرار مثل هذه المظاهر، ووصول هذا المخطط الذي يستهدف منذ عقود وبخطى حثيثة البلد الأم في المنطقة العربية إلى نهايته .

وتعكس العديد من الأحداث التي شهدتها البلاد على مدى الشهور القليلة الماضية، الملامح الرئيسة لمثل هذا المخطط، الذي لا يرتكز على خلق العديد من بؤر التوتر فحسب، عرقية وطائفية وفئوية، وإنما امتد ليطال ما يمكن وصفه ب “الكتلة الحية” المتمثلة في النخبة المصرية، سواء تلك التي تمارس أدوارها في الأحزاب الشرعية القائمة، أو تلك المنتشرة في العديد من منظمات المجتمع المدني .

يلفت العديد من المراقبين إلى العديد من التطورات التي شهدتها مصر خلال الشهور المنصرمة، سواء على مستوى البناء الاجتماعي أو السياسي للدولة، وما يمكن أن تعكسه تلك التطورات من دلالات سياسية، مشيرين إلى أن المحصلة النهائية لاستمرار مثل هذه المظاهر “قد يفضي في نهاية المطاف إلى حالة من الاضطراب والفوضى”، يتخوف الجميع من أن تعصف بما تبقى من استقرار المجتمع، حيث يرى هؤلاء أن مثل هذه التطورات التي تعيشها البلاد خلال الشهور الأخيرة، تشبه إلى حد كبير جبل الثلج الطافي على سطح البحر، لا تمثل قمته حقيقة حجمه الهائل القابع في الأعماق .

الملف الطائفي

ويعد الملف الطائفي أحد أبرز الملفات الدالة على نشاط مخطط التفتيت الذي تتعرض له مصر خلال الفترة الأخيرة، فأجواء الاحتقان الطائفي التي ظلت حاضرة على مدى العشرين عاماً الأخيرة، تجلت في غضون العامين الماضيين في العديد من الاشتباكات والتظاهرات التي شهدتها العديد من المناطق سواء في القاهرة الكبرى أو الإسكندرية، حتى مدن الصعيد التي شهدت خلال العام المنصرم واحدة من أخطر أحداث العنف الطائفي، عندما قتل ستة من الأقباط وأصيب تسعة آخرون في مدينة نجع حمادي التابعة لمحافظة قنا، على بوابة الكنيسة الرئيسة بالمدينة في ليلة عيد الميلاد .

ورغم جهود أمنية مكثفة بذلت من أجل توقيف الفاعلين، إلا أن الأمر لم يخل من دلالات سياسية واجتماعية عدة، كانت جميعها تشي بفشل التوصل إلى معالجة سياسية حقيقية لملف الاحتقان الطائفي، ولعل أولى هذه الدلالات هي أن الحكومة تعاملت مع الحدث على خطورته، باعتباره حادثاً جنائياً فردياً، لتغض البصر على كونه دليلاً على تنامي الاحتقان الطائفي في مصر منذ سبعينيات القرن المنصرم، على ما ينطوي عليه ذلك من أبعاد سياسية واجتماعية بالغة العمق والخطورة في آن .

ويرى كثير من المراقبين أن خطورة هذا الملف، تكمن في فشل الوصول إلى الأهداف الكامنة التي تقف خلف تعدد الأحداث الطائفية خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن العجز في التعاطي مع الأسباب التي تؤدي لتلك الحال من التوتر الطائفي، وفي مقدمتها هيمنة الثقافة العرفية في الذهنية المصرية كبديل عن اللجوء إلى القانون، باعتباره الوسيلة الأمثل لتأطير العلاقات وحل النزاعات بين المواطنين، وهو أحد أخطر الأسباب التي تستهدف، وعلى نحو مباشر، تقويض الطابع المدني للدولة المصرية، القائم على مبدأي الحرية وسيادة القانون .

ربما تكون المسكنات التي لجأت إليها الدولة في التعاطي مع هذه الأزمات، قد نجحت في أن تحل المعضلة شكلاً، لكنها في حقيقة الأمر لعبت دوراً كبيراً في تعميقها من الناحية الموضوعية، خاصة أن علاقة المسلمين بالأقباط ظلت في حاجة دائمة إلى دفعة، باتجاه تكريس الطابع المدني والحقوقي للدولة، من دون تهميش للهوية الدينية لعنصري الأمة، وقد كان ذلك يتطلب توجهاً رسمياً يغلّب المطلب الديمقراطي والحقوقي، على لعبة التوازنات التي تمارسها الدولة مع التيارات السياسية في البلاد، وهي اللعبة التي أفرزت جملة من المفاهيم الرديئة، مثل “ديمقراطية الهامش” وشيوع ثقافة “العطايا السياسية”، وكلها أمور لا يمكنها حسم إشكالية الطائفية .

الملف العرقي

الثابت إن أجواء الاحتقان الداخلي في مصر لم تتوقف عند حد التوترات الطائفية بين المسلمين والأقباط، وإنما امتدت لتطال سكان المناطق الحدودية في النوبة جنوباً وأبناء البادية في شرق وغرب البلاد على حد سواء، فعلى مدى السنوات العشر الأخيرة انطلقت بعض الدعوات من الجنوب تكرس لوجود النوبيين كعرقية مستقلة لها تراثها وثقافتها ولغتها الخاصة، غير أن مثل هذه الدعوات سرعان ما خبت وإن ظلت تراوح مكانها في العديد من الأوقات، بينما بلغت أجواء الاحتقان مداها في الشرق ممثلة في العديد من الصدامات التي جرت خلال العامين الماضيين بين قوات الشرطة ممثلة للدولة المصرية من جانب، وأبناء قبائل البادية في سيناء على الجانب الآخر .

التوتر في العلاقات بين الشرطة وأبناء البادية في سيناء بدأ منذ العام 2004 في أعقاب اعتقال آلاف من السكان المحليين، بناء على شكوك حول احتمال وجود صلات بينهم وبين جماعات عنف اتهمت بتنفيذ عمليات تفجير لمنتجعات سياحية في سيناء .

والغريب أنه على الرغم من قيام العديد من أبناء البادية بدور ملحوظ في مساعدة أجهزة الأمن المصرية للقضاء على أعضاء هذا التنظيم غير الشرعي الذين لجأوا للاختباء في “جبل الحلال” وسط سيناء، إلا أن حدة التوتر زادت بين الجانبين، مع استمرار قوات الشرطة في عمليات مداهمة المنازل، وتنفيذ العديد من حملات الاعتقال ضد أبرياء من أبناء البادية .

ويقول تقرير التنمية البشرية الصادر في العام 2005 إن أكثر من 21% من بدو شمال سيناء يعيشون بلا مياه نقية أو صرف صحي، وهو وضع يشي بتمييز واضح، إذا ما قورنت الأوضاع في جنوب سيناء، حيث المنتجعات السياحية الشهيرة في شرم الشيخ ودهب والغردقة، ويقول التقرير إن نسبة الوحدات الصحية إلى عدد السكان في الجنوب تصل إلى 21 وحدة صحية لكل 100 ألف مواطن، بينما لا يتجاوز عدد الوحدات لنفس العدد في الشمال 5 .4 وحدة صحية .

كان أول تبنٍ للدولة لمشروع تنموي في سيناء في العام ،1994 أي بعد مرور 12 عاما كاملة على تحريرها، وبحسب ما أعلنته الحكومة في ذلك الوقت، فقد كان من المفترض أن يوفر هذا المشروع الضخم عائداً يقدر بنحو 69 مليار جنيه، وأن يساعد على توطين 3 .2 مليون سيناوي في الشمال، كما كان يتعين على القطاع الخاص أن يتولى مهمة إعمار سيناء وإنعاشها اقتصادياً بتقديم 36 مليار جنيه، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، حيث جرى ضخ مليارات الجنيهات في استثمارات بالجنوب فقط لإقامة مشاريع سياحية، لم يستفد أبناء البادية منها سوى بالعمل كخدم لنزلاء هذه المنتجعات ورعاة للخيل والجمال التي يمتطيها السائحون، بعد تجريد الآلاف منهم من أراضيهم ومصادرتها بهدف بيعها للمستثمرين .

النخبة الضائعة

على مدى السنوات الأخيرة لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للنخبة المصرية، فقد عانت هي الأخرى من مظاهر تفكيك، تجلت في العديد من الأزمات التي تعرضت لها الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، فالأولى تعاني من حالة من الجمود الفكري تتوازى مع سلسلة من الإجراءات الحكومية التي تعيق تواجدها في الشارع وسط الجماهير، ناهيك عن صراعاتها الداخلية التي تنفجر بين حين وآخر، فيما تعاني الثانية ممثلة في العديد من المنظمات المجتمعية والحقوقية من اتهامات تتعلق بالتمويل الخارجي وتنفيذ أجندات أجنبية تتعلق بمنابع تمويلها، وهو الأمر الذي جعل من العلاقة بين الطرفين، علاقة مبنية على الريبة والشك، أكثر منها علاقة متكاملة بين شركاء في تغيير المجتمع إلى الأفضل .

والمؤكد أن أوضاع الأحزاب السياسية القائمة في مصر، والاتهامات التي ظلت تلاحق منظمات المجتمع المدني، لعبت دوراً كبيراً في ظهور العديد من الحركات الاحتجاجية في البلاد، واللافت أن قادة هذه الحركات خلال مرحلتها الأولى التي بدأت في العام 2005 كانوا في حقيقة الأمر عناصر من داخل الأحزاب الرسمية القائمة، لكنها لم تركن إلى حالة الجمود الفكري والحركي الذي تعاني منه أحزابها، فخرجت إلى الشارع تطالب بالإصلاح السياسي، مستفيدة في ذلك الخروج المثير من ظرف دولي بدا ضاغطاً حينذاك لنشر الديمقراطية في العديد من دول العالم الثالث .

ودشن إعلان “الحركة المصرية للتغيير كفاية”، التي شهد الشارع المصري أولى مظاهراتها في الثاني عشر من شهر ديسمبر/ كانون الأول من العام ،2004 بداية عصر الاحتجاج الجماهيري واسع النطاق، الذي كان يمثل حينذاك ظاهرة جديدة على المجتمع المصري .

يقول القيادي القومي البارز أحمد بهاء شعبان: لم تكن حركة “كفاية” وليدة العدم أو الفراغ، وإنما ظهرت كوريثة لكل النضالات الجماهيرية السابقة، فقد شارك كوادرها بدور أساسي، في قيادة الحركات الطلابية الديمقراطية التي عمّت البلاد في أعقاب هزيمة العام 1967 العسكرية، كما ساهموا بدور مرموق في جميع أشكال العمل الوطني والقومي لمواجهة “التطبيع” بعد توقيع اتفاقية “كامب ديفيد”، وفي تأسيس وقيادة لجان دعم الانتفاضات الفلسطينية، وفي كافة التحركات الواسعة التي تفجرت احتجاجاً على العدوان على العراق، كما تمرس أغلب كوادرها رغم اختلاف مشاربهم السياسية، في جميع أشكال العمل المدني التي جرت على امتداد العقود الأخيرة .

ويتفق كثير من المراقبين على أن “حركة كفاية” لعبت دوراً تاريخياً في تلك المرحلة، وربما يكفيها في ذلك أنها فتحت الطريق أمام حركات أخرى، اتفقت معها في الأهداف واختلفت في الوسائل، سرعان ما بدأت تلحق بها أو تظهر إلى جانبها، في أوساط أساتذة الجامعة والقضاة والصحافيين والمحامين .

انتقلت الحركات الاحتجاجية بسرعة كبيرة من تبني العديد من المطالب السياسية والمجتمعية العامة، إلى مطالب اقتصادية واجتماعية لفئات ومهن بعينها، مستغلة في ذلك ما أصاب الأحزاب الرسمية من شلل، وقد تركزت مطالب هذه الحركات مؤخراً في رفع الأجور وتحسين مستوى الأداء والخدمات خاصة الصحية والتعليمية منها، ومكافحة الغلاء والفساد .

جرت أغلب الحركات والتحركات الاحتجاجية التي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة في سياق سعي فئات اجتماعية، تنتمي في الأغلب إلى ما يطلق عليها “الطبقة الوسطى”، إلى الاحتجاج على التدهور الكبير في أوضاعها الاقتصادية، وتراجع دورها الاجتماعي والسياسي التقليدي، وما استتبع ذلك من تهميش لوجودها المادي والمعنوي، وقد فتحت هذه الحركات الطريق أيضاً أمام فئات أخرى في المجتمع إلى الانتفاض، مثل سكان العشوائيات على حدود القاهرة، مثلما كان لها أثر كبير أيضاً في خروج تجمعات أخرى في التخوم الحدودية للتظاهر، مثل تحركات مواطني النوبة في الجنوب، احتجاجاً على ما يعتبرونه إجحافاً تاريخياً وقع عليهم، منذ تهجيرهم في الستينيات من أراضيهم التي غمرها المسار المعدل لمجرى نهر النيل، غداة تنفيذ مشروع بناء السد العالي، فضلاً عن تحركات مواطني سيناء من البدو شرقاً، ضد العسف الأمني وتحركات مواطني “السلوم” غرباً، احتجاجاً على الممارسات الأمنية العنيفة، وقد اتسمت هذه التحركات بقدر كبير من العنف والصدامية، الأمر الذي أدى إلى سقوط العديد من الضحايا، وخلف المئات من الجرحى والمعتقلين .

سيناريوهات المستقبل

كثير من المراقبين يؤكدون أن مستقبل مصر السياسي يتوقف على مدى حيوية تلك الحركات الاحتجاجية، لكنهم يؤكدون في الوقت ذاته صعوبة التنبؤ بما قد تؤول إليه هذه الحركات، ويقول كثيرون إن المشهد السياسي المصري سوف يكون أمام ثلاثة خيارات خلال الفترة المقبلة، الأول هو انخراط الأحزاب الرسمية والتيارات والجماعات الفكرية والسياسية المختلفة في جبهة موحدة، تضطلع بمهمة تشكيل الغطاء السياسي المطلوب لمثل هذه الحركة الاحتجاجية الشعبية، على نحو يسهم في مد الجسور بين مطالب القوى الاجتماعية المختلفة، وبناء إطار تنظيمي لها، قادر على إحداث التغيير السياسي المنشود، أما الخيار الثاني فهو استمرار وضع الأحزاب والقوى السياسية الرسمية على ما هو عليه، وعزوفها عن الانخراط في الحركة الاحتجاجية، وبالتالي ترك هذه الحركات تتحرك وفق منطقها وقدراتها الخاصة، بينما يظل الخيار الثالث، وهو الأسوأ، بمثابة التتويج لهذا المخطط الشرير، لإشاعة “الفوضى” في مصر، متمثلاً في ما قد ينجم عن تفاقم الأزمة الاقتصادية، في ظل غياب الغطاء السياسي والقيادة التنظيمية لهذه الحركات، وما قد يصحب هذا الأمر من تطورات.


نقلا عن الخليج