مشاهدة النسخة كاملة : في انتظار أمريكا إلى متى؟... {عاطف الغمري}


ام خديجة
12-22-2010, 09:07 AM
في انتظار أمريكا إلى متى؟

http://img63.imageshack.us/img63/5201/129al.jpg

عاطف الغمري

كان ما استمعت إليه في وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن قبل أكثر من عشر سنوات، يفسر بدرجة ما خلفيات ما أعلنه البيت الأبيض أخيراً عن تخلي الولايات المتحدة عن مساعيها لإقناع “إسرائيل” بتجميد الاستيطان . وحتى لا يكون رد الفعل للموقف الأمريكي، كأن ماحدث هو مفاجأة، فإن الأداء السياسي في واشنطن وفي عالمنا العربي، منذ مجيء أوباما، كان يقطع بأن هذه النتيجة هي المتوقعة .

كان ذلك فى أثناء لقاء مع مسؤول أمريكي خلال وجودي في واشنطن، وأنا أطرح عليه سؤالاً افتراضياً ونظرياً هو: ألا ترون أن انحيازكم ل”إسرائيل”، يمكن أن يضر بمصالحكم الهائلة لدى العرب؟

وكان رده: لا يوجد في السياسة مايحفز على مساعدة من لا يساعدون أنفسهم، ونحن لدينا تقليد في رسم السياسة الخارجية، فكلما جاء رئيس جديد إلى البيت الأبيض، فهو يوازن بين تأثير القوى النشطة والضاغطة، في قراره السياسي، وعادة مايجد كل رئيس ضمن الجانب الخاص بالعرب، حالة تسمى السكون العربي، عندئذ تكون أسباب دفعه لتغيير سياسته الخارجية غائبة .

ربما كانت دفقات الأمل في التغيير قوية وهادرة عندما جاء أوباما . لكن أوباما كغيره من الرؤساء، محكوم بخريطة النظام السياسي داخل الولايات المتحدة، وهو يوازن بين مكونات وقدرات الخريطة حين يتحرك فوق أرضيته .

صحيح أن الرئيس يعد صاحب القرار الأول، وواضع استراتيجية، لكنه لا ينفرد بصورة مطلقة بتوجيه السياسة الخارجية، فهناك سبع قوى تشارك في صنع قرار السياسة الخارجية، في مقدمتها قوى الضغط LOABBIES، المعترف لها بالتواجد والنشاط والتأثير، حتى لو كان ذلك لحساب دولة أجنبية، كما هو الحال مع “إسرائيل” . ولهذا، أفاض علماء السياسة وخبراء السياسة الخارجية، في شرح ما أسموه كيف أن أمريكا مختلفة، من حيث إن نظامها السياسي يعمل بطريقة لا يتشابه معها أي نظام آخر، بما في ذلك الدول الأوروبية الديمقراطية .

وهناك مبالغة في الميل إلى تضخيم قدرات القوى اليهودية على الضغط . صحيح أن قوتها مفرطة، لأنها منظمة وتعمل على أساس استراتيجية معروفة، لكن قدرتها لها حدود، لو أن الجانب الآخر في النزاع كانت لديه النية لينفض عن نفسه علة السكون، وأن يمتلك خاصية المبادرة، بأن يكون فاعلاً وليس مجرد متلق، جالس دائماً في انتظار أمريكا، وما ستسفر عنه مساعيها . والنماذج معروفة في ردع رؤساء أمريكيين لحكومات “إسرائيل” حين تتحدى إرادتهم، ابتداء من ايزنهاور، وكنيدي، وفورد، وبوش الأب .

فالقوة اليهودية مؤثرة، لأنها منفردة بالساحة الأمريكية المفتوحة أبوابها لمن يريد أن يدخل ويشارك ويؤثر، وهو ماستسمح به طبيعة النظام السياسي هناك، وإقامة جسور اتصال مع مختلف القوى المعترف لها بأن تكون شريكاً في صناعة السياسة الخارجية .

الشريك هو القادر على الحركة والضغط والتأثير، والذي يدير قواه وإمكاناته وفق استراتيجية متكاملة الأبعاد، تعبر عن مصالح أمنه القومي، وتكسبه القدرة على لعب دور إقليمي يتجاوز حدود بلده . وهو مفهوم نتج أصلاً عن اتفاق مؤسسات الأمن القومي وصناعة السياسة الخارجية، ومن بعدها أوباما كرئيس، بأن أمريكا لم تعد تستطيع وحدها التصدي لتحديات أمنها القومي، أو أن تحل منفردة المشكلات والأزمات الدولية والإقليمية، لكنها تحتاج شركاء يتعاونون معها، والشريك هو الذي تضع أمريكا وجهة نظره ومصالحه في حساباتها، فالعلاقة تبادلية .

للأسف فإن المشهد في الشرق الأوسط تتحرك فيه قوى لها استراتيجيات أمن قومي، إيران وتركيا و”إسرائيل”، فضلاً عن الولايات المتحدة، وبالطبع فإن التأثير هنا يكون لمن يملك آليات الحركة والضغط، وليس من ترك ساحته فراغاً استراتيجياً .

وقبل أن يصل نبأ الأحداث إلى إعلان البيت الأبيض، تخليه عن مساعيه، كان يفترض في السياسة عدم إغفال قانون الاحتمالات، فهو جزء من أداء السياسة الخارجية، وألا يبقى العرب في حالة انتظار منذ عامين لنتيجة مساعي أوباما، لكن المنطقي أن يكون لديهم منذ أول يوم تصور لاحتمالات حدوث هذا التخلي ويكونوا قد جهزوا أنفسهم من يومها ببدائل للتصرف، وتوفير الضمانات لنجاح تنفيذها .

إن أوباما يدير سياسته الخارجية وفق متطلبات الأمن القومي لبلاده أولاً وأخيراً، ويلتزم في الوقت ذاته بقواعد عمل نظام سياسي يعترف بالضغوط . وبالطبع فإن من يضغط، إنما يفعل ذلك تعبيراً عن مصالحه، وهو ليس سلوكاً عدائياً أو غير مرغوب فيه، لكنها طبائع السياسة عندهم .


نقلا عن الخليج