مشاهدة النسخة كاملة : لاحل إلا فى العدل والحرية


ام نسيبة
12-21-2010, 03:52 AM
لاحل إلا فى العدل والحرية

أحمد ولد الوديعة

استمرار ممارسات الاسترقاق في موريتانيا أمر مشين لنا جميعا، واعتقال أشخاص يطالبون بالقضاء على هذه الظاهرة يؤكد أننا مع الأسف مصرون على الاستمرار فى سياسة النعامة في مواجهة هذا المشكل الخطير.. لا حل إلا فى العدالة الحقيقية للجميع والمواجهة الصارمة لممارسات الاسترقاق المخجلة، والشروع الحقيقي في بناء موريتانيا لكل مواطنيها لا لاعتقال أصحاب الرأي... لا لاعتقال أصحاب الرأي" .


تلك كلمات تضامنية مبدئية سجلتها قبل أيام على صفحتى على الفيس بوك عندما وصلني خبر اعتقال الشرطة لعدد من النشطاء الحقوقيين على خلفية الكشف عن حالتي استرقاق وما تبع ذلك من مواجهات بين الشرطة والنشطاء.

عندما كتبت التعليق السابق كنت أعرف أنه لن يروق للكثير من رواد الشبكة الاجتماعية التفاعلية التى تعج بآلاف الشباب الموريتاني المغترب والثاوي هنا في موريتانيا فأنا أعرف أن رواد هذه الشبكة يعكسون بشكل أو بآخر المزاج الشعبي المنقسم – بكل أسف – على أساس الانتماء الاجتماعي من قضايا التعايش بين المجموعات الاجتماعية، وفي مقدمتها قضية الرق، لكني بكل صدق فوجئت بل وصدمت بمستوى التعليقات التى كتبت على الحالة فمن بين أكثر من مأئة تعليق كتبت كانت عشرة منها فقط تجد مستوى من التعاطف مع المعتقلين وهم بالتالي يتفهمون أن يتضامن كاتب مثلي معهم، وبطبيعة الحال فقد اختارت أغلبية كبيرة من المعلقين أن تصب جام غضبها على رئيس مبادرة الانعتاق السيد بيرام ولد الداه ولد اعبيدي وعلى كاتب كلمات التضامن فوزع هؤلاء " الشباب" عبارات " الإجرام والعنصرية والتحريض والكراهية علي وعليه وعلى الإسلاميين الذين قال أحد المعلقين إنهم يمتهنون الصيد فى المياه العكرة من خلال تضامنهم المتجدد مع شريحتي " لكور ولحراطين"

وعكسا لماقد يكون بعض المعلقين قصد فقد حفزتني هذه التعليقات أكثر على التعبير عن تضامني الكامل مع النشطاء المعتقلين وتجديد موقفي المنخرط بفعالية فى المجهودات الوطنية الرامية للقضاء النهائي على ممارسات الاسترقاق الخلو من الشرعية ومواجهة القوى المتخلفة التى تريد أن تبقي جزء أساسيا من مجتمعنا فى " غياهيب " الاسترقاق، وتبحث لأفعالها المنكرة عن تشريع من دين الحرية والتحرير ولكن هيهات هيهات، فليست هذه الممارسة شرعية فى أصلها ولم تكن شرعية في تطبيقها، وقد انتهى الزمن الذي يدوس فيه من شاء على حقوق العباد ويزعم ان الشرع قد أذن له بذلك ومتى كان دين الله وسيلة لإشباع رغبات البشر فى التسلط والدوس على الكرامة الإنسانية.

إنه مهما تكن ملاحظات بعضنا على النشطاء المعتقلين أو على بعضهم فإن ذلك لا يمكن أن يمنع بل لايجوز أن يمنعنا من رفع الصوت أمام من يعتقدون أن حل مشاكلنا الوطنية يكون بالقمع واعتقال المطالبين بالحرية، فذلك رهان خاسر وجرم على جرم كما قال بحق وصدق وأدب زميلي ديدي ولد لحبيب فى مقاله الرائع المنشور قبل يومين.



جذور الفتنة



أسس عدد كبير من المعلقين ثورتهم في وجه التعليق التضامني السابق على ما يعتبرونه دعاوي الفتنة التي التي يطلقها نشطاء حقوق الإنسان المعتقلين، والفتنة أشد من القتل، وهي نائمة لعن الله من أيقظها، لكن هؤلاء المعلقين نسوا فى غمرة حماستهم لمهاجمة من يعتبرونهم الخطر الداهم على الوحدة والاستقرار أن يسألوا أنفسهم من يهدد الوحدة الوطنية بشكل أولى وأساسي ومباشر إن لم يكن ممارسات الاسترقاق والتستر عليها وإلجاء شرائح مهمة من ساكنة هذه البلاد إلى العيش على هامش الحياة تحت غطاء دعاوي حرباوية لاتصمد أمام شرع ولاعقل ولامنطق ولاقانون.

إنه أمر مطلوب ومشروع أن يحرص جميع النشطاء الحقوقيين على السلمية فى تصريحاتهم وتصرفاتهم فالثورة على الظلم مهما كا نت فداحته لاتجيز ممارسة ظلم آخر على أي كان لكن هذه الحقيقة لايملك المركز الأخلاقي للتذكير بها من لم يتمعر وجهه ولو لحظة واحدة من الممارسات المشينة التى تعرضت وتتعرض لها شرائح مهمة من مواطنينا المسلمين، وعلى هؤلاء الذين يأخذون أقلامهم الحمراء لتصحيح تصريحات ومواقف الرافضين لممارسات الاسترقاق أن يبحثوا عن أقلام ولو رصاصية لتسجيل ملاحظات خفيفة وسريعة على الضالعين فى هذه الممارسة إن كان بودهم أن يستمع مستمع لما يقدمون من " توجيهات نيرة"، أما إن كانوا يصدرون في مواقفهم عن حمية جاهلية صرفة فتلك قصة أخرى بالإمكان تعبئة بعض الغوغاء حولها لكنها ليست قادرة لأن ترتقى إلى مستوى الخطاب الإنساني أحرى الإسلامي.



الإسلام لايصلح غطاء للعنصرية



ومن أغرب ما فى " مدونة التعليقات" التي سجلت على هامش كلمات التضامن أنها تعج بالإحالات الإسلامية المقحمة رغما عنها في المرافعات التحاملية، والحقيقة التى لايمكن التعتيم عليها اللهم إلا إن أمكن تغطية الشمس بغربال هي أن الإسلام العظيم هو الذى وضع أسس المواخاة الإسلامية والإنسانية ،ووضع العصبيات والجاهلية تحت قدميه، وغرس بذور الحرية والتحرير فى نفوس أتباعه ودعاهم إلى نشرها بين العالمين، فعلى من يريد " التغطية" على ممارسة منحرفة أن يبحث عن ما يغطي به فعلته من خارج نصوص الشرع وقيمه وأسسه فما ثمة إلا " تكريم بني آدم" والتأكيد على أن المسلمين كالجسد الواحد الذى إن اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمي والسهر، والجهر في وجه من يريد الانتقاص من أخيه المسلم على أساس اللون " إنك أمرؤ فيك جاهلية"

إنه إذا كان بعض المنبهرين بالنموذج اللاديني يظلمون الإسلام حين يتعسفون فى تحميله مسؤلية بعض الممارسات المنحرفة لمعتنقيه فإن بعض من يعتبرون أنفسهم متدينين أو منطلقين من الدين في مواقفهم يقدمون للأسف أكبر هدية لهؤلاء المتحاملين حين تأتي مواقفهم التى تحاول تأسيس ما بهم من انحراف فى الفهم والسلوك بمثابة التصديق العملي لدعاوي ضحايا الاستلاب الفكري.

إن الحقيقة التي يتعين على كل المؤمنين بمستقبل بلد إسمه موريتانيا أن يواجهوها اليوم قبل الغد هي أن هناك مزاجا شعبيا ميالا إلى العنصرية داخل مختلف المجموعات وهي حقيقة خطيرة تجب مواجهتها لأن الناتج الطبيعي لتفاعل " العنصريات المتقابلة" هو المحق للجميع فلابد إذا من وقفة شجاعة ليس أمام خطابات العنصرية فذلك أمرسهل وسياحة لفظية مفضلة لدى الكثير من ساستنا وصناع الكلام فينا، بل برؤى وبرامج عملية وميدانية تواجه الظروف المؤسسة لهذه العنصريات وتغوص مهما كلفها ذلك فى البرك المزمنة التى فرخت جراثيم العنصرية وفيروساتها وأفاعيها حتى.


التستر الفاضح

لم يختلف تعاطي السلطات الموريتانية مع حادثة عرفات عن " الخط العام" الذى ظل يحكمها تعاطيها مع الظاهرة خلال فترة حكم ولد الطائع فالحادث الذى شغل الرأي العام على مدى أكثر من أسبوع لم يظهر عنه أي خبر ولاتقرير ولاحوار فى أي وسيلة من وسائل الإعلام التي يقولون لنا اليوم إنها عمومية، والحرص واضح منذ اليوم الأول أن الاتجاه يسير إلى صرف النظر عن " المشكل الأصلي" والتركيز على مشكلات ناجمة عنه من قبيل ماحصل من مواجهات بين الشرطة والمناضلين ضد الرق، ونهاية السيناريو اليوم هي نفسها التي عرفناها مع " جابها الل" قبل ثلاث سنوات لافرق إلا فى الأشخاص والديكور وخشبة المسرح.

إن وجود حالة واحدة من الاسترقاق في موريتانيا كاف لنعلن جميعا حالة الاستنفار فكيف إذا كانت الحالات عديدة وفى مختلف الجهات وداخل مختلف المجموعات بما فيها تلك التى كانت يوما تخضع للمارسة نفسها، وعلى السلطة أن تدرك أن سياسة النعامة لاتفيد وإلا لكانت أفادت الأنظمة السابقة، كما أن عليها وعلينا أن ندرك أن أفضل هدية يمكن تقديمها للمتربصين بنا هي فى استمرار مثل هذ النوع من السياسات فالأعداء كما قال نزار يتسللون كالنمل من جراحنا.

أخيرا أقول فى الختام كما قلت فى البدء وكما سجلت منذ أيام وأثار ذلك غضبا عارما على الفيس بوك إن استمرار ممارسات الاسترقاق أمر مشين لنا جميعا وواجب التضامن مع المعتقلين الحقوقيين واجب علينا جميعا مهما كانت خلافاتنا معهم، والحل ببساطة ليس فى وضع حد لحرية بيرام والمعتقلين معه بل إنه في وضع حد لحرية ممارسات الاسترقاق ومخلفاتها .

نقلا عن السراج