مشاهدة النسخة كاملة : برلمان بديل ونظام بديل .. {عبد الحليم قنديل }


ام خديجة
12-20-2010, 03:58 AM
برلمان بديل ونظام بديل
عبد الحليم قنديل


http://alquds.co.uk/today/19qpt97.1.jpg


في يوم عاصف ممطر مترب، وفي أجواء باردة بأكثر مما يحتمله المصريون في العادة، بدت طلائع الغضب كأنها تعاند الريح السموم، وشارك الآلاف في مظاهرة 12 /12 التي دعت إليها حركة 'كفاية'، وبقدر ما بدت 'كفاية' قوية قادرة في عيد ميلادها السادس، والذكرى الســـــادسة لأولى مظاهــــراتها في 12/ 12/2004، وفي نفس المكان أمام دار القضـــاء العالي، وفي وسط القاهرة المزدحم كيوم الحشر، وبقدر ما بدت عليه حيوية 'كفاية' ومقدرتها الفائقة على المبادرة، بقدر ما بدت الصورة خليطا من رايات وأعلام وألوان سياسية، فقد بدت مشاركة جماعة الاخوان الرمزية مؤثـــــرة، وبدت المشـــاركات لافتة من قيادات في أحزاب معارضة تخرج إلى الشارع لأول مرة، وبدت أطياف حركة التغيــــير مؤتلفة في قبضة يد، وبدت الرغبة طافـــرة في تحدي ظروف طقس غاية في التعاسة، وفي تحدي جيوش النظام الأمنــــية التي احتشدت في الشوارع بعشرات الألوف، وحجزت آلافا آخرين على مخارج المدن الكبرى، ومنعتهم بالقسر من اللحاق بالمظاهرة الوطنية الجامعة، التي رفعت شعارا من كلمة واحدة لا غير هي (باطل).
ومن المعنى الرمزي الإيحائي لما جرى، وإلى المعنى السياسي المحدد بكلمات مباشرة، فقد لا نبالغ في القول التالي، وهو اننا بصدد نقطة تحول فارقة، فقد كانت مظاهرة 'كفاية' الأولى في نهايات 2004 لحنا افتتاحيا لمرحلة احتجاج، فيما بدت مظاهرة 'كفاية' الأخيرة ـ ومعها القوى الوطنية ـ تقدما بالاحتجاج إلى مشارف المقاومة المدنية والعصيان السلمي، كانت كفاية عند ظهورها لونا من المعارضة لم يألفه المصريون، فــــيما تبدو كفاية الآن، وكأن روحها الفــــوارة تحل في بدن أقسام أوسع من المعارضة المصرية، فقد تبددت كل أوهام الإصلاح من داخل النــــظام، ولم يعد من سبيل ـ بالإجبار لا بالاختيار ـ غير الخروج السلمي عن النظام، والاعتصام بأســــفلت الشارع وقوة الناس، ولم يعد ممكنا بعد تــــزوير البرلمان وتزوير النظام بالكامل، أن تعود 'ريمة' إلى عاداتها الاصلاحية القديمة، ولم يعد ممكنا غير ما هو واجب، وهو السعي لتغيير شامل، ورمي النظام الباطل القائم بحجر البرلمان البديل والنظام البديل .
بدت الاستجابة لمبادرة 'كفاية ' مما له مغزى بتغير الظروف، استجابة واسعة رمزيا للخروج والتظاهر، وفي تنظيم حملة متصلة تحت شعار 'باطل'، تبدأ بكشف بطلان البرلمان، ولا تنتهي بفضح بطلان النظام بمؤسساته كلها، وتحل فكرة منازعة النظام في أصل وجوده، وتجعلها محل فكرة معارضة النظام من داخله، وهو ما يفسر الاستجابة العفوية التلقائية لخطة كفاية في طلب التغيير، فقد طرحت كفاية فكرة البرلمان البديل والنظام البديل قبل عشرين شهرا خلت، ولم تلق استجابة كافية وقتها، وبعد صدمة التزوير الجامع المانع، وهو ما توقعته كفاية بالحرف والفاصلة والنقطة، تغير الموقف نوعيا، وصارت كلمتا 'البرلمان البديل' أشهر عناوين السياسة المصرية الآن، وإلى حد أن أكثر من مئة نائب سابق سارعوا لانشاء ما أسموه 'البرلمان الشعبي' كنواة للبرلمان البديل .
وفي لحظة الاختلاط والمخاض الراهن، وتكسير 'قلل' الأفكار الاصلاحية المتقادمة المتآكلة، وتقدم الأفكار الراديكالية، بدأ حوار جامع، تشارك به حركة 'كفاية' ومبادرة النواب وقيادات الجمعية الوطنية للتغيير، ويدور بالأساس حول استكمال صيغة البرلمان البديل، وبالذات حول تكوين البرلمان وأدواره بالدقة، وحتى لا تتحول فكرة راديكالية بامتــــياز إلى نــــوبة رد فعل، أو إلى خيمة إيواء لنواب مجروحين بسيف التزوير، أو إلى 'ملجأ أيتام برلماني' لنواب محترمين هم عندنا أجل وأكرم .
وللقصة أصولها، فمن معرفة ما تكره إلى معرفة ما تريد، تقدمت 'كفاية' من زخم الأشواق إلى وضوح الخطط، التي كان لي شرف التعبير عنها في مقالات مبكرة تكرمت بنشرها جريدة 'القدس العربي'، فأنا ـ كما تعلمون ـ ممنوع من الكتابة في مصر التي أقيم بها، ما علينا، المهم أن 'البرلمان البديل' خطوة في سيناريو تغيير بلورته وتبنته حركة 'كفاية'، ودعت إليه بإلحاح وثقة بالنصر على مدى عامين كاملين، وانبنى على تحليل أساسي للوضع في مصر، عنوانه أن النظام مات سياسيا، لكن مراسم الدفن تأخرت وتعثرت، وأن تعديلات الانقلاب على الدستور ـ المستفتي عليها صوريا في 26 اذار/مارس 2007 ـ عكست صورة ما جرى، فقد انتهى النظام لنقطة التجمد، انتهى لقبضة اليد المتخشبة، ولم يعد ممكنا فك أصابعه، ولم يعد بوسعه إجراء أي تعديل أو تبديل، وهو وضع انتهت معه قصة الانتخابات في مصر، وإلى أن يتغير نظام كفت مقدرته على التغير، وهو ما يعني، بالضرورة، أننا نحتاج إلى خطة أخرى، صاغتها حركة 'كفاية' في ثلاث خطوات متتابعة، أولها: مقاطعة أي انتخابات، أي تزويرات، يجريها النظام، بما فيها ما يسمى بانتخابات الرئاسة. وثانيها: تنظيم حملة عصيان سلمي في الشارع بقيادة برلمان بديل ونظام بديل. وثالثها: فترة حكم انتقالي تعقب الإنهاء السلمي لإدارة مبارك، تمتد لسنتين، وتتضمن جملة مهام ديمقراطية ووطنية واجتماعية تنتهي بإصدار دستور جديد عبر جمعية تأسيسية منتخبة، وتنتقل بمصر المأزومة من حكم العائلة إلى حكم الشعب .
وفي التفاصيل، تبدو فكرة 'كفاية' عن 'البرلمان البديل' في وضوح الشمس وصفاء البدر، وفي صورة أقرب إلى معنى المجلس التشريعي الجامع لحركة التغيير النامية، وبتصور ناصع عن الموارد والأدوار، في موارد 'البرلمان البديل' تبدو الفكرة محددة تماما، ومن موردين أساسيين، مورد أول من نواب المعارضة الجدية الذين جرى انتخابهم في ظل نظام مبارك عبر الثلاثين سنة المنقضية، وهؤلاء يربطون حركة التغيير بكتلة سكانية واسعة بطول وعرض وعمق الجغرافيا المصرية، والمورد الثاني ممن تصح تسميتهم بالنواب الاعتباريين، من طيف واسع يضم أساتذة القانون الدستوري والشخصيات العامة الراديكالية وقادة الأحزاب وحركات التغيير الاجتماعي والسياسي وقادة الشباب والنساء والمدونين، وبعدد إجمالي تحكمه اعتبارات عملية تيسر اللقاء والتشاور واتخاذ القرارات، وفي الأدوار والوظائف تبدو القصة كلها مرتبطة بسيناريو التغيير، فالبرلمان البديل قيادة ذات مصداقية شعبية لحركة العصيان السلمي، وله أن يختار 'مجلسا رئاسيا بديلا' يتحدى وجود الرئيس الحالي، وأن يقوم بأدوار الجمعية التأسيسية في توفير الإجماع الوطني على دستور جديد وقوانين مكملة للدستور، وأن يتصدى بالفضح والإبطال لقرارات وتشريعات برلمان مبارك المزور بالكامل .
وبالجملة، فقد صارت خـــــطة كفاية مرشحة لنيل إجماع وطني متزايد الأثر ويبقى أن نحذر الشياطين التي في التفاصيل.

' كاتب مصري

نقلا عن القدس العربي