مشاهدة النسخة كاملة : وجه الرق الجميل


أبو فاطمة
12-19-2010, 02:20 PM
وجه الرّقّ الجميل

أحمد يعقوب - أستاذ بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
ما من أحد إلا ويحس بذلك الوقع النفسي المُهين والأثر السلبي المقيت لكلمات رق واسترقاق وعبودية واستعباد ومرادفاتها في كل اللغات التي عرفتها البشرية في القديم في والحديث، وما من أحد إلا ويعرف أن الحرية أعظم مبادئ الإسلام وأهدافه وغاياته، وأن أضدادها أكبر عدو للإسلام وعقيدته وشريعته، غير أن ما يغيب عن أذهان وعقول الكثيرين هو ذلك الوجه الجميل والأثر الإيجابي لهذه الكلمات ومدلولاتها وما ترتب عليها من آثار ونتائج إيجابية في ظل العهود الإسلامية الأول، انقلبت بعد ذلك وانحرفت إلى ممارسات بشعة لا يرضاها عقل ولا يقبلها دين. فليس كل مستقبح قبيحا عند الجميع، وليس كل قبيح قبيحا من جميع الوجوه.
إن كل ما يطلبه الكائن البشري ويطمح إليه وفق ترتيب ما سلو الشهير للحاجات الإنسانية هو الحاجات الفسيولوجية مثل التنفس والماء والطعام أولا، ثم حاجات الأمان على النفس والمال ثانيا، ثم الحاجة للانتماء الاجتماعي من الصداقة للعلاقات الأسرية ثالثا، ثم الحاجة للتقدير والاحترام من الآخرين رابعا، وأخيرا يبدأ الإنسان في الترف الفكري والذهني فيصل للحاجة إلى حل المشاكل المحيطة به وابتكار الحلول للمشاكل التي لم تقع بعد مخافة أن تقع. ومما يلفت الانتباه أن كل هذه الحاجات أو جلها على الأقل يضمنها نظام الرق الذي عرف في صدر الإسلام بشكل مباشر أو غير مباشر.
لا غرابة إذن أن يتمنى المرء أن يكون ذلك العبد المملوك أو الرقيق المسود أو المولى التابع الذي يجد أمامه نظاما متكاملا يضمن له طعامه وشرابه وكسوته بشكل دائم، ويوفر له تأمينا صحيا واجتماعيا شاملا لكل العوائد والطوارئ، ويعفيه من كل الأعباء والالتزامات المادية لنفسه ولذويه، بل ويعفيه من كثر من العبادات والأعمال المفروضة التي تكلف وقتا وجهدا وربما تضحية بالمال والنفس مثل الحج والجهاد. ولولا تلك الضمانة المادية لنفقات الأرقاء وحاجاتهم في ذلك الزمان لعرفنا ما عرفه زماننا هذا من مدن لللاجئين وأحياء للصفيح لم تعرف في العصر الأول ولا الذي يليه، لأن الرق الناتج عن الفتوحات تمتصه المجتمعات بسهولة ويتوزع توزيعا يضمن كرامة ومصالح الأرقاء الجدد ويسهل عليهم عملية الاندماج والانتماء للمجتمع.
ولعل الانتماء هو أهم ميزة للرق في ثوبه القديم؛ فهو يوفر انتسابا ثابتا يجعل النفس البشرية تحس بالارتياح والاطمئنان، ويضمن لها الحماية إن احتاجت إليها في مجتمع قبلي بدوي لم يعتد بعد على سلطة الدولة وهيبة الأمة، ويولي اهتماما كبيرا للانتماء العصبي والعشائري بكل تشكلاته، ومن لا انتماء له إلى قبيلة تحميه مثل حينها من لا انتماء له إلى دولة أو وطن في هذا الزمان. وما حكم العاقلة الذي رسخه الإسلام وأناط به الكثير من الأحكام الشرعية إلا تأكيدا لهذا المعنى وبناء عليه، ولولا أن الرقيق أو المولى ينتمي قبليا إلى قوم معينين بالولاء لضاع حق المولى وحق غيره عند جنايته أو الجناية عليه، وعند إتلافه هو مال الغير أو إتلاف غيره ماله أو ما بحوزته، وعندها يضيع حق الجاني والمجني عليه على السواء. وكلنا قرأنا في التاريخ وفي السيرة حروبا وقعت وأخرى أوشكت أن تندلع دفاعا عن مولى أو حميّة لآخر حتى إن المهاجرين والأنصار ـ وهم من هم ـ أو شكوا أن يحتربوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بسبب نزاع على ماء بين موليين أحدهما هو جهجاه الغفاري وكان مولى لعمر بن الخطاب، والثاني هو سنان بن وبر الجهني وكان حليفا للأنصار.
أما معاني التقدير والمكانة والاحترام التي يراها الناس معارضة للرق والعبودية مناقضة الضد للضد فإنها ليست كذلك بإطلاق، فأول ما جاء به الإسلام أن فصل أسباب التقدير والاحترام عن جذور العرق والأرض والمال والجاه، وجعل التفاضل منوطا بالتقوى فقط لا غير، وجعل تلك التقوى مكتسبة وبابها مفتوحا أما الناس أجمعين مسترٍقين ومسترَقين دون استثناء، ومن هنا فليس من الغريب في المجتمع المسلم الأول أن تكون رقيقا وتكون عند الله وعند الناس أعلى مقاما وأعظم شأنا وأرفع مكانة من كثير من الأسياد الذين ورثوا المكانة الأرضية كابرا عن كابر. بل إن من الناس في ذلك الزمان من كان يحصل له الشرف بمجرد الانتماء إلى بيت من البيوت الشريفة عند العرب السابقة إلى الإسلام ولو على سبيل الاسترقاق، وهنا أقسم بالله العظيم إني ـ وأرى أن الكثيرين مثلي ـ يشرفون أن يكونوا عبيدا أو موالي أو خداما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عند الحسن أو الحسين أو عند إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهم وعنهن أجمعين. فقد شرفت مارية القبطية ـ وهي مولاة ـ بأمومتها لإبراهيم عليه السلام، وشرفت صفية بنت حيي وجويرية بنت الحارث ـ وهما سبيتان ـ وشرف قومها من بعدهما يوم أن صبحن أمهات للمؤمنين، وشرف كل موالي رسول الله وخدامه بولائهم له وبقيامهم على خدمته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
من هنا جاء الفقه الإسلامي بنظرة تقدمية في حينها هي حكم أم الولد التي ترتفع بها الأمة من درجة الرق إلى درجة الحرية المشروطة، وهي نوع من توسيع الطرق وتسهيل الإجراءات المؤدية للتحرير. وأذكر في هذا السياق أن طالبة سألتني ذات مرة ـ وهي غضبى حمية للإسلام ـ قائلة هل صحيح أن الإسلام يبيح زواج الأمة المملوكة دون عقد قران ووليمة عرس وغيرها من شروط الزواج العادي ولماذا؟! وكان الجواب أن ذلك التسهيل في التسري الذي فتحه الإسلام هو نوع من فتح أبواب الحرية والمكانة والتقدير أمام الإماء، وكم من أمة رقيقة أصبحت ضرة الملكات وأم الأمراء والملوك بسبب هذا الحكم؟! ولولا هذا التسهيل لما التفت إلى الإماء أحد في ذلك الزمان إذا كانت شروط زواجهن مساوية لشروط زواج الحرائر. ومن هنا نعرف أن هذا الحكم وإن كنا نرى بادي الرأي أن تمييز ضد الإماء فإنه في حقيقته تمييز لصالحهن وتفضيلا لهن على ضرائرهن.
في مثل هذه الظروف ربما يكون الرقيق أو المولى هو الوحيد أو ضمن القليلين المتفرغين للحاجات العليا في سلم ماسلو المتدرج، لأنهم ببساطة وجدوا من يتولى عنهم أعباء الحياة المادية والمعنوية، ومن ثم فمن العادي أن نجد كثيرا من علماء وعباقرة الأمة في الصدر الأول كانوا من موالي، لكن أي موالي؟!! إنهم موال مثل سالم ونافع والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وأبي العالية وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب والليث بن سعد وغيرهم من الأحرار الذين يكفي الواحد شرفا أن يكون مولى لهم أو مولى لمواليهم، رحمهم الله أجمعين.

نقلا عن الأخبار