مشاهدة النسخة كاملة : هذه الصدمة بالإعلان الأمريكي


أبوسمية
12-18-2010, 01:22 PM
هذه الصدمة بالإعلان الأمريكي

عوني فرسخ
بدأ العديد من صناع القرار العرب، وبخاصة أركان السلطة الفلسطينية، وقد صدموا بالإعلان الأمريكي بالتخلي عن المطالبة بوقف الاستيطان في القدس وعموم الضفة المحتلة. إذ تراوحت ردات فعلهم بين التعبير عن خيبة الآمال بالرئيس أوباما، والقول بأنهم خدعوا، وترديد أسطورة سيطرة "اللوبي" اليهودي على صناعة القرارات الأمريكية. وليس في ردات فعل كهذه دلالة فقط على عبثية كل رهان على الخارج، الأمريكي وغير الأمريكي، وإنما أيضاً على عدم واقعية المواقف المؤسسة على جهل تام بحقائق الصراع العربي الصهيوني، وبالذات تجاهل موقع المشروع الصهيوني في استراتيجية القوى المؤثرة في صناعة القرارات الأمريكية والأوروبية، باعتباره أداتها الاستراتيجية في تأمين مصالحها في الوطن العربي. ما يستدعي التذكير بالمواقف الدالة على التبني الأمريكي التاريخي للمشروع الصهيوني التالي بيانها:
في العام 1852، وقبل انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول برئاسة هرتزل سنة 1897 بخمسة وأربعين عاماً، أقام القنصل الأمريكي بالقدس وأردور كريسون أول مستعمرة يهودية في فلسطين معلناً أنها "البداية الأولى لفلسطين الجديدة حيث ستقيم الأمة اليهودية وتزدهر". وعقب صدور وعد بلفور وجه الرئيس ويلسون في 21/8/1918 رسالة للحاخام ستيفن وايز، بصفته رئيس "اللجنة المؤقتة لقضايا الصهيونية" متضمنة تبنيه الوعد البريطاني.
وأثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 بعث ويلسون لجنة "كينج كرين" لتقصي الحقائق في فلسطين. الأمر الذي استقبله العرب بحماس، وكتب له الأمير فيصل في 24/3/1919 معبراً عن امتنانه العميق لفسح المجال للعرب لإسماع صوتهم. وبعد أن جالت اللجنة في فلسطين وسوريا وضعت تقريراً تضمن القول: إذا كانت رغبات سكان فلسطين سيعُمل بها فيجب الاعتراف بأن غير اليهود، وهم تسعة أعشار السكان، كلهم تقريباً يرفضون البرنامج اليهودي رفضاً باتاً. وقد اتضح أن الشعور العدائي ضد الصهيونية غير قاصر على فلسطين بل يشمل سكان سوريا بوجه عام. وفي تحذير مؤتمر الصلح ورد القول: "لا ينبغي لمؤتمر الصلح تجاهل أن الشعور العام ضد الصهيونية بالغاً أشده، وليس من السهل الاستخفاف به". وختمت تقريرها قائلة: "تشعر اللجنة، مع عطفها على مسألة اليهود، أن الواجب يقضي عليها أن تشير على مؤتمر الصلح بألا يؤيد غير برنامج صهيوني معتدل، يجب العمل فيه بالتدريج، وبعبارة أخرى يجب تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والعدول بتاتاً عن الخطة التي ترمي إلى جعل فلسطين دولة يهودية".
غير أن ويلسون لم يعرض التقرير على مؤتمر الصلح، إذ اعتمد بدلاً عنه توصية لجنة الاستخبارات في الوفد الأمريكي للمؤتمر، القائلة بأن المصلحة الأمريكية تقتضي أن يتبنى الوفد الأمريكي إقامة دولة يهودية في فلسطين، منفصلة عن جوارها العربي، وبأن تكون بريطانيا هي المنتدبة على فلسطين تحت إشراف عصبة الأمم. وفي إبريل / نيسان 1922 تقدم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي باقتراح تأكيد ما جاء في وعد بلفور، وقد أقرت اللجنة الاقتراح في 31 مايو/ أيار مضمنة قرارها القول بأن تصورها لمفهوم الوطن القومي يعني إنشاء دولة يهودية في نهاية الأمر.
ولقد عرف الرئيس روزفلت بتحفظه على "الكتاب الأبيض"، الذي أصدرته بريطانيا سنة 1939 لتحديده الهجرة الصهيونية. وفي 9/3/1944، وبعد اتضاح نتيجة الحرب العالمية الثانية، خول الحاخمين: ستيفن وايز ود. اباهليل سلفر الإعلان بأن الإدارة الأمريكية لم توافق على "الكتاب الأبيض"، وأن الرئيس يعلن سعادته لأن أبواب فلسطين سوف تفتح الآن أمام اللاجئين اليهود. وعندما يجيء الوقت لتقرير شؤون منطقة الشرق الأوسط فإن الحقوق العادلة سوف تحقق لكل الذين يطالبون بوطن قومي لليهود في فلسطين. وعقب وفاته تولى الرئاسة هاري ترومان، الذي أعلن في 16/8/1945: "إننا نريد أن يفسح المجال لأن يدخل من اليهود إلى فلسطين كل من يمكن إدخاله لهذا البلد". وفي 29/9/1945 بعث لرئيس وزراء بريطانيا اتلي مقترحاً بأن تعطي بريطانيا تأشيرات دخول فلسطين لمائة ألف يهودي.
وحين عرضت قضية فلسطين على الأمم المتحدة سنة 1947 مارست إدارة ترومان أشد الضغوط لتأييد قرار التقسيم. ولولا تهديد حكومات هايتي وليبيريا والفلبين، لما اضطر مندوبوها للموافقة على قرار التقسيم 181 بعد أن كانوا يعارضونه، ولما فاز بأكثرية ثلثي أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة اللازمة لإقراره. ولقد أعلن ترومان اعتراف الولايات المتحدة ب"إسرائيل" بعد إحدى عشرة دقيقة من إعلان قيامها ليلة 14 مايو/ أيار 1948. وهو يعلم أنها بلا حدود مرسومة، وقائمة على ما يجاوز حدود التقسيم، انتهاكاً للقرار الدولي. وبذلك أسس ترومان لما عرفت به الإدارات الأمريكية من استهانة بتجاوزات "إسرائيل" للقرارات الدولية، ما دام ذلك لا يتعارض مع المصالح الأمريكية، كما حدث حين فرض إيزنهاور على بن غوريون الانسحاب من سيناء سنة 1956، إذ رأى في الانسحاب الصهيوني ما يخدم مشروعه لملء الفراغ الذي أعلنه مطلع 1957.
ذلك هو القانون الضابط لمواقف الإدارات الأمريكية تجاه الصراع العربي - الصهيوني منذ ويلسون إلى أوباما. وفي الوقت ذاته لم يتوقف المفكرون العرب عن تأكيد أن موطن الخلل يكمن في القصور العربي عن تقديم الاستجابة الفاعلة في الصراع المفروض على شعب فلسطين وأمته العربية لغياب الإرادة السياسية والتقصير في توظيف الإمكانات المتاحة والقدرات المتوفرة في معركة الوجود واللاوجود. فمنذ الأيام الأولى لنكبة 1948 انبرى المفكر القومي العربي الراحل د. قسطنطين زريق في كتابه معنى النكبة الصادر في آب / أغسطس 1948 - مؤكداً أن محاربة الصهيونية واستئصال خطرها معركة ممتدة لا ينتصر فيها إلا كيان عربي متحد، ومتقدم علمياً. وما زال الذي قاله المفكر القومي المؤسس هو الحل الجذري للصراع. فهل يعي هذه الحقيقة الذين صدموا بنتائج رهانهم العبثي على ترياق أمريكي مستحيل صدروه عن إدارة تنتمي لمن تبنوا المشروع الصهيوني قبل هرتزل وتلامذته؟

نقلا عن المركز الفلسطيني