مشاهدة النسخة كاملة : الموت يسارا أو يمينا : وهم "الفاعل"


أبو فاطمة
12-16-2010, 07:27 PM
الموت يسارا أو يمينا: وهم "الفاعل"/1

بقلم: الشيخ ولد لحبيب: ".. إننا نخشى أنه بعد أن ندرس ونستعرض هذه الوثيقة، المؤسسة للكثير من أفكار حزب اتحاد قوى التقدم المعلنة، وبعد دراستنا لأهم المواقف العملية التي انتهجها الحزب، أن يتسع النقيض ويعظم التناقض، وأن يقود ذلك إلى الاستنتاج أن الحزب اليساري المذكور، لا يرى في " الفاعل الذي ليس سوى الجماهير الموريتانية الكادحة والبائسة حسب التصنيف الماركسي"، سوى وهم يمكن استغلاله من حين لآخر، لصنع صورة سياسية زاهية!!!"
هل كان " عباس بن فرناس" يدرك أن موته، سيصنع مدرسة تبحث في التحليق عبر أجواز الفضاء؟.. يالهذا الموت المدهش!!، لقد حلق "عباس" ذات يوم من قمة جرف هار، كي يحقق حلم الطيران الحر، والتخلص من العبودية لجاذبية أمنا الأرض، لكنه أثناء محاولة تحرره تلك، نسي أن الطيران يتطلب أشياء أكبر من تلك "الحتمية" التي تعامل بها معه، لقد اعتقد عباس أن مجرد قفزه من فوق قمة جبل، وبجناحين عريضين يلتصقان بإحكام بكتفه وصدره، هو أمر كاف لحدوث الطيران الحتمي، وإدراك صورة العالم من عل، لكن يبدو أن تنظير عباس، وربما رغبته الجامحة في أن يعيد تشكيل صورة واقعه من الأعلى، كل ذلك جعله ينسى أساسيات فيزيائية تتعلق بثقل الجسم الطائر، ومقاومته للهواء، والتي تتعلق أساسا بانسيابيته وشكله المدبب، لقد اكتشف الدارسون المتحفزون للطيران تلك المميزات بعد موت عباس بعشرات السنوات، ومن ثم كان تحقيق الحلم ممكنا.
وفي قراءتنا لقصة عباس وحلمه الطائر، يمكن أن نستدعي كل الحوادث التي تتحكم فيها "الحتمية" بطريقة تجعلها تغرق في التحليل والتنظير، دون أن تتأمل واقعها، هنا سنقصد أساسا ذلك التصنيف الذي يجعل النظرية الماركسية في إطارها الأساسي مجرد فلسفة للتاريخ، ومجرد تحليل تاريخي مميز، لكنه سقط ومات في حتميته" تماما كما سقط عباس ومات في حتميته"، لأنه ببساطة تجاهل الواقع ، أعنى تحديدا تجاهل المميزات الانتروبولوجية ، والجغرافيا السياسية، التي تملى على قادة أي شعب ومنظريهم خيارات معينة لا يستطيعون عنها محيدا ، لقد صدم الكثيرون في مايو 1968 عندما قامت انتفاضة الطلاب في السوربون " وقال قائلهم: مجرد طلاب لا علاقة لهم بالصراع الطبقي في صورته الماركسية النموذجية"، وكان أبرزهم على الإطلاق ذلك الفيلسوف والقارئ المميز لماركس السيد لويس آلتوسير، وليس خفيا أن مكمن الصدمة الالتوسيرية أن صاحبها المنظر الكبير ، كان يراهن على أن التغيير والثورة لن يحدثا إلا من داخل الحزب الشيوعي الفرنسي، لقد راهن الرجل على أن " الفاعل: العبد الذي سيصارع السيد حتى الموت كي ينتزع منه الحياة" ، هو إنتاج حزبي شيوعي حصري، ولكن مكمن الاحترام الذي ينبغي أن يحظى به الرجل الذي يعد أبرز نقاد الماركسية، هو أنه تصرف كمثقف مبدئي: لقد كتب في صحافة الحزب الشيوعي مقالا طويلا تحت عنوان: ما لا يمكن أن يستمر، ثم قدم استقالته ، وآثر الانسحاب من الحياة السياسية والفكرية، لكنه تمادى حتى قتل زوجته ليحررها من عذاب الحياة، وأصبح رهين مصحة للأمراض العقلية، يالنهاية البشعة لذلك المفكر الماركسي المميز!!!، لربما لم يقرأ لويس آلتوسير بدقة نقدية ذلك الجدل الذي دار في الاتحاد السوفيتي مابين 1924 و 1928 ، واشترك فيه كبار المسئولين في الحزب الشيوعي الحاكم ، وفي الدولة، ومن بينهم ستالين وتروتسكي وبوخارين وزينوفيف، و كان الحوار مفرزا لاتجاهين : يميني ويساري، وتزعم بوخارين الاتجاه اليميني، في حين كان تروتوسكي سيد الاتجاه اليساري، وكان النقاش متمحورا باختصار حول الخيارات الاقتصادية والتصنيعية التي ينبغي على الدولة أن تتبعها، وحول مطابقتها لمفهوم التقدم المطلوب، ولقد كان ستالين حاسما للحوار في مصلحة اليسار، لكن قراءة متأنية لكلماته التى قالها في شباط فبراير 1931 أمام اتحاد نقابات العمال ، يؤدي إلى التفكير مليا في مدى دوافعه الماركسية المحركة، بعبارة أخرى لنا أن نتساءل عند قراءة" نقدية" لذلك الخطاب الستاليني: هل كان ستالين مختارا لنهج شيوعي ماركسي لأن الحتمية التاريخية تملى ذلك، ولأن الماركسية هي المثال المميز الجالب للرفاه والتقدم؟؟، أم إنه اختار ذلك النهج الاقتصادي الذي حول الاتحاد السوفيتي لدولة عظمى وستار حديدي، فقط لأنه انشغل بالحوافز الانتروبولوجية والجغرافيا السياسية، التي جعلت الشعب الروسي في تلك الفترة ، شعبا خائفا ومذعورا من الغزاة المتجددين له،وراغبا في أن يضع حدا لتلك المآسي؟؟؟، سنورد هنا نص الكلام الستاليني " ننوه أن هذا الكلام منقول من دراسة للمفكر السوري: محمد الأطرش ، تحت عنوان: البريسترويكا والاشتراكية والرأسمالية ".
يقول ستالين: يطرح السؤال بعض الأحيان..عما إذا كان من الممكن التخفيف نوعا ما من الوتيرة..لا..هذا غير ممكن أيها الرفاق، إن المطلوب هو زيادة الوتيرة ضمن ما تسمح به قوتنا وظروفنا..، إذا أبطأنا الوتيرة فهذا يعني أن نتخلف والذين يتخلفون ينهزمون، لا نريد أن ننهزم..إن تاريخ روسيا القديمة يدل على أنه كان يعتدي عليها دائما بسبب تخلفها، فالمنغوليون اعتدوا عليها، والبكوات الأتراك اعتدوا عليها ، واللوردات الإقطاعيون السويديون اعتدوا عليها، والنبلاء البولونيون_ اللوثوانيون اعتدوا عليها، والرأسماليون الانكليز والفرنسيون اعتدوا عليها، والبارونات اليابانيون اعتدوا عليها، الجميع يعتدون عليها بسبب تخلفها: تخلفها الحربي، تخلفها الحضاري، ...تخلفها الصناعي ، تخلفها الزراعي، يعتدون عليها لأن ذلك مربحا ، ولأن هذا الاعتداء يمر دون قصاص، هل أنتم مستعدون لأن يهزم وطننا ونفقد استقلالنا؟؟؟ إذا لم تكونوا تريدون ذلك فيجب إذن تصفية التخلف وتنمية الوتيرة البلشفية الحالية في بناء الاقتصاد الاشتراكي في اقصر وقت..، إننا متخلفون بحدود خمسين إلى مائة عام عن الدول المتقدمة، يجب أن نغلق هذه الفجوة في عشرة أعوام، ‘ما أن نفعل ذلك وإما أن يسحقونا" .
يبدو واضحا أمام ستالين أن المبادئ الشيوعية الماركسية وحتميتها التاريخية الواعدة بالنصر، كل ذلك ليس كافيا ولا جذابا ولا محركا لهمم الجماهير " الفاعلة" الروسية ، في التحول إلى أسياد ، لقد كان " اليسار الجديد" الذي ظهر بعد انتفاضة مايو 1968 ، أكثر إدراكا لتلك الأبعاد البراغماتية المحفزة، فمن المعروف أن القادة البارزين لتلك الحركة الطلابية الاحتجاجية ، تحولوا إلى " النقيض"، وأصبحوا بعد ذلك مهادنين للسلطة ومشاركين فيها، ومن ثم تكسرت المقولة الماركسية التي راهن آلتوسير وكل اليساريين التقليدين دوما عليها: المستقبل يفرز دوما نقيض الماضي ويتجاوزه؟؟
إن النقيض الوحيد الذي قد يحسب للتيار اليساري الجديد، هو تكسيره للقوالب الجامدة الأيديولوجية ، وإفساح المجال للشروط البراغماتية لتنعكس في واقع المشهد اليومي بكل درجاته، وهنا من المفيد أن نقرر أن بعض الدارسين المعاصرين لثورة 1968 في فرنسا، يرون أنها هي من سمحت لابن مهاجر مثل نيكولا ساركوزي أن يتبوأ الرئاسة هازما مرشحة اليسار سيغولين رويال الفرنسية التي ترمز للأصالة والمحافظة الفرنسية!!!.
ولقد انتشر هذا النهج اليساري الجديد في مختلف بلدان العالم، وكان ألق حداثته وشبابيته جذابا لطلائعنا السياسية الموريتانية ، التي احتكت بالثقافة الفرنسية آنذاك، لكنهم فيما يبدو تبنوا النهج بكل مرونته ، وتعلقه " بوهم الفاعل" في استدعاءات شكلية، لاتصل للعمق، ولا تتناقض إطلاقا مع البراغماتية المطلوبة والمحركة.
بعد نشر وثيقة ويكيليس اتهم السيد محمد ولد مولود رئيس حزب اتحاد قوى التقدم اليساري، أنه دعي إلى انقلاب على الجنرال عزيز ، وابدي تعاونا مع الأمريكيين من اجل ذلك، وأنه دعاهم إلى أن يجعلوا ذلك الاتفاق سريا حتى عن بعض أطراف الجبهة الذين لن يوافقوا على مضمونه، وبغض النظر عن الجدل القائم الآن حول صحة هذه المعلومات من عدمه، فإن ما هو مثير للانتباه ، هو ذلك التبرير الذي قدمه السيد محمد ولد مولود للأمر، في مؤتمره الصحفي الذي انعقد يوم الخميس الفائت، حيث قال إنه طلب فقط محاولة سياسية لفصل الجنرال عزيز عن حلفاؤه المقربين: ولد لغزواني قائد أركان الجيش والصديق المقرب للجنرال عزيز، وبا امباري الرئيس بالإنابة آنذاك.
إن هذا التبرير يجعل أي متابع لهذا الحزب اليساري وخطاباته السياسية يعيد النظر في ذلك، ففي المحصلة لهذه الخطة السياسية " اليسارية المولودية"، يمكن أن نلمس دعوة للتغيير مصحوبة بقدر كبير من المغامرة، وهو ما أشارت إليه الوثيقة الويكيليكسية، حينما نسبت إلى ولد مولود قوله : إنه يخشى أن ينفذ الجنرال عزيز انقلابا رجعيا في حالة خلعه بتلك الطريقة السياسية!!، وهذا الطرح يتناقض كليا مع وثيقة صدرت عن حزب اتحاد قوى التقدم قبل أشهر قليلة من سقوط نظام ولد الطايع، وكانت تمثل رؤية الحزب في ما سماه التناوب السلمي والانتقال التوافقي.
فتحت عنوان بارز هو: التناوب السلمي والانتقال التوافقي هما الخياران الوحيدان، تقول الوثيقة:" إن المأزق الراهن يفرض على الجميع من فاعلين سياسيين ومجتمع مدني ، ومواطنين عاديين، التساؤل البسيط والعميق الدلالات التالي: كيف نخرج من هذا الوضع؟؟.
"إن الرد الذي قدمه حزبنا اتحاد قوى التقدم، والذي أصبح يستقطب أعدادا متزايدة، من الموريتانيين بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، هو أن أي ميل إلى اللجوء للمواجهة والعنف لا يمكن أن يؤدي إلا إلى المأزق"، ثم تضيف الوثيقة : " إن تاريخ بلادنا وتجربة الشعوب الأخرى في الوقت الحالي ، لا يدعان لنا من خيار سوى تغيير سلمي ، يقتضي انجازه على الوجه المطلوب المرور بفترة انتقالية تكرس لتنفيذ إصلاحات عميقة، تكون موضع إجماع وطني أو تحظى على الأقل بتجاوب شعبي واسع".
إنه منطق هادئ ومتماسك وحريص على إجماع الشعب عليه وعلى رضاه عن مشروعية وسائله، فهل سأل السيد محمد ولد مولود نفسه حين كان يتفق مع الأمريكيين عن مدى مشروعية ذلك الاتفاق، وعن مدى رضي الشعب الكادح في الأحياء العشوائية على امتداد موريتانيا عن ذلك؟ ، وعن ما كان يمكن أن يؤدي إليه ذلك، من محاولة انقلاب رجعي قد يقوده الجنرال عزيز للعودة إلى سلطته؟؟. إننا نخشى أنه بعد أن ندرس ونستعرض هذه الوثيقة، المؤسسة للكثير من أفكار حزب اتحاد قوى التقدم المعلنة، وبعد دراستنا لأهم المواقف العملية التي انتهجها الحزب، أن يتسع النقيض ويعظم التناقض، وأن يقود ذلك إلى الاستنتاج أن الحزب اليساري المذكور، لا يرى في " الفاعل الذي ليس سوى الجماهير الموريتانية الكادحة والبائسة حسب التصنيف الماركسي"، سوى وهم يمكن استغلاله من حين لآخر، لصنع صورة سياسية زاهية!!!.
في المقال القادم بحول الله نستعرض ذلك كله.

نقلا عن أقلام حرة