مشاهدة النسخة كاملة : الأزمة اللبنانية تدخل ربع الساعة الأخير


ام نسيبة
12-16-2010, 11:54 AM
الأزمة اللبنانية تدخل ربع الساعة الأخير

http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2010/12/15/131979.jpg

بيروت - “الخليج”:


مع مطلع الأسبوع الجاري في بيروت، بدا المشهد السياسي اللبناني ملبداً بالغيوم ويكتنفه الضياع والالتباس، وذلك بفعل بروز جملة معطيات وتطورات أساسية أبرزها:

1 ترسخ قناعة فحواها أن الجهد السوري السعودي لمعالجة الأزمة السياسية المتوالية فصولاً منذ أكثر من أشهر، والناجمة عن القرار الظني الموعود صدوره عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والمتوقع أن ينطوي على توجيه أصابع الاتهام لمجموعة من عناصر “حزب الله” بالضلوع في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم تؤتِ ثمارها بعد في الموعد المعقول، لا بل إن الكلام الذي أطلقه الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد خلال زيارته الرسمية إلى فرنسا في الأسبوع الماضي، والمتمحور على أن حل الأزمة اللبنانية، هو مسؤولية الأفرقاء اللبنانيين بالدرجة الأولى قد خلق في بيروت انطباعات لدى بعض الأوساط فحواها أن هذا الكلام ينطوي ضمناً على “نعي” غير مباشر لهذا المسعى المستمر منذ أشهر والذي عقدت كل الآمال اللبنانية حوله وبات المرتجى والأمل، بعدما نفض الأفرقاء اللبنانيون المعنيون أيديهم من صنع أي مبادرة أو سعي داخلي لتفاهم على حلول وتسويات معينة تحول دون انزلاق الوضع اللبناني نحو الاحتمالات السوداء .

وما زاد في هذه الانطباعات أمران أساسيان: الأول، أن ظهور نتائج هذا المسعى قد تأخر أكثر من اللازم، خصوصاً أن كل المؤشرات تدل على أن موعد صدور القرار الظني الموعود قد بات قريباً جداً، حسب تصريح لرئيس قلم المحكمة الدولية المعيّن حديثاً في منصبه في لاهاي .

والثاني، أن كل المصادر السياسية والإعلامية اللبنانية المستسقطة بشغف أنباء المسعى السوري السعودي، لم تستطع إلا أن تقول إن هذا المسعى ما برح عبارة عن تبادل للأفكار، ولم يصل بعد إلى مقام التسوية المتكاملة التي يمكن أن ترضي الأطراف المعنية .

2 إن رموز “حزب الله” بادرت في الأيام القليلة الماضية، إلى رفع وتيرة تحذيراتها بشكل غير مسبوق من مخاطر صدور القرار الطني قبل اكتمال عقد التسوية المنشودة، لا بل إن المراقبين لاحظوا بوضوح أن بعض الرموز المتعقلة والمسؤولة في الحزب عمدت إلى إطلاق تهديدات، وحددت ضمناً مواعيد لا تمتد لأكثر من بضعة أيام قبل اللجوء إلى ما تسميه خيارات المواجهة الأخرى . ولا ريب أن هذا السلوك المفاجئ وهذا التصعيد الكلامي، قد شحن المناخ السياسي اللبناني بمزيد من عوامل التوتير والقلق، وبعث بموجات من التخوف من شر ما هو أتٍ . واللافت أن هذا الكلام التصعيدي قد أتى بعد أقل من 36 ساعة على سلوك آخر سلكه الحزب في إطار معركته الاستباقية لمواجهة المحكمة الدولة وقرارها الظني الموعود، إذ عقد رئيس كتلة نواب الحزب النائب محمد رعد مؤتمراً صحافياً في مجلس النواب اللبناني ومعه أحد أبرز الخبراء الدستوريين وقدم على مدى أكثر من ساعتين عرضاً دفاعياً بيّن فيه عدم دستورية المحكمة الدولية كونها أقرت من دون أن تقرن بموافقة مجلس النواب اللبناني وبتوقيع رئيس الجمهورية، كما قدم عرضاً لما أسماه بواطن الخلل والثغر الدستورية في المحكمة ونظامها الدولي، لاسيما بعد التعديلات التي أدخلتها هي على نظامها الداخلي وعلى إجراءات المحاكمة وطريقة استجواب الشهود فيها . وإذ اعتبر البعض أن هذا المؤتمر الصحافي هو الحلقة الثالثة من حلقات مواجهة الحزب للمحكمة الدولية وإظهار أنها مسيسة بعدما ركز طوال الفترة الماضية على حلقتين أخريين هما خرق “إسرائيلي” لشبكة الاتصالات اللبنانية الخلوية والثابتة، وقبلها إمكان أن تكون “إسرائيل” نفسها ضالعة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، لاسيما بعد الاثباتات والقرائن المادية التي قدمها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله والتي أظهرت أن الطيران “الإسرائيلي” كان يرصد حركة موكب الرئيس الحريري في بعض شوارع بيروت .

وبناء على هذا المؤتمر الصحافي ومعطياته تكهن بعض المراقبين في بيروت بأن “حزب الله” قد قرر المضي قُدماً في مواجهة قانونية دستورية للمحكمة الدولية ولقرارها الظني الموعود المحتمل أن يطاوله بالاتهام .

لكن التصعيد فوق المعتاد الذي لجأ إليه رموز “حزب الله” في الأيام القليلة الماضية، والمنطوي على تهديدات وتحذيرات، قد أعاد بعث موجات القلق في الساحة السياسية اللبنانية، وشحن الجو السياسي اللبناني بعوامل الخوف والخشية، وبمعنى آخر أعاد عجلة الأمور إلى المربع الأول أي إلى توقع الاحتمالات السلبية المنطوية على الكثير من التوقعات السوداء .

واللافت أن الفريق الآخر وبالتحديد تيار “المستقبل” بادر إلى الرد على ما اعتبره تحدياً له، برد سلبي تمثل بمهرجانات وتصريحات تنطوي على التحذير برد سلبي إذا ما فكر الحزب باللجوء إلى ما يمكن أن يؤدي إلى توتر أمني أو محاولات لفرض وقائع ومعادلات سياسية معينة . وقد ترك هذا المشهد المستجد انطباعاً فحواه أن المسرح في لبنان يعد فعلاً بالاحتمالات السلبية على غرار ما شهده عشية أحداث 7 أيار/مايو عام ،2008 وهو ما أسقط إلى حد بعيد مقولات كان يتسلح بها هذا الفريق فحواها وجوهرها أنه لا يرغب في الدخول في مواجهات غير سياسية مع “حزب الله” لكي يقطع الطريق أمام احتمالات الفتنة والتوتير والتدهور .

3 في موازاة كل هذه المعطيات والمؤشرات المفعمة بالوعود والاحتمالات السلبية برز مشهد تصعيدي وتعقيدي آخر يتجسد في منع انعقاد جلسات مجلس الوزراء الأسبوعية وجلسات طاولة الحوار الوطني التي يفترض أن تجمع كل ألوان الطيف السياسي اللبناني لوضع استراتيجية دفاعية معينة تنهي السجال القائم حول سلاح المقاومة، ومسألة تشريعه رسمياً .

والواضح أن قوى المعارضة هي التي أسهمت بسلوكها السياسي ببلوغ الأمور هذا المبلغ من الشلل الحكومي والإداري كجزء من ردها غير المباشر على عدم تجاوب رئيس الحكومة سعد الدين الحريري مع مطلبها بإيجاد صيغة تسوية سياسية لمسألة القرار الظني قبل موعد صدور هذا القرار .

العلة الأساسية التي تتمسك بها المعارضة لتعطيل عمل الحكومة، واستطراداً لفرض “حصار” سياسي على الرئيس الحريري هو مسألة إحالة ملف “شهود الزور” إلى المجلس العدلي، وهو أمر يرفضه الرئيس الحريري ويحاذر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في أخذه إلى مرحلة التصويت كي لا يؤدي ذلك إلى مزيد من الانقسام الداخلي وما ينطوي عليه من بروز عوامل احتقان وتوتير شديدة، خصوصاً أن الوزراء المحسوبين عليه في مجلس الوزراء (5 وزراء) سيكونون مضطرين إلى التصويت بنعم أو لا أو الامتناع ولكن هذه الخيارات لها حسابات وتداعيات .

وأبعد من ذلك بدا واضحاً، وبصرف النظر عن دستورية أو عدم دستورية مطلب المعارضة بإحالة هذا الملف الحساس إلى المجلس العدلي، فالواضح أن المعارضة نجحت إلى حد بعيد من خلال تعاطيها مع هذا الموضوع ومن خلال تعطيلها لانعقاد جلسات مجلس الوزراء لأكثر من أربعة أسابيع أن تبعث برسالة إلى من يعنيه الأمر في الداخل والخارج فحواها وجوهرها الآتي:

أن هذا الأمر وهذا السلوك التصعيدي والتعطيلي سيكون جزءاً أساسياً من سلوكها في قابل الأيام، لاسيما إذا صدر القرار الظني الموعود ولم تكن “طبخة التسوية” المنشودة قد نضجت بعد .

أن المعارضة قادرة على تعطيل الحياة السياسية والإدارية في البلاد وإدخالها في حالة “كوما” إن بفعل تماسك حكوماتها أو بفعل القبض على زمام المبادرة واللعبة السياسية عموماً، ولا ريب أن هذا الواقع من شأنه أن يضعف الرئيس الحريري ويظهره بمظهر العاجز عن الفعل، لدرجة أن بعض المراقبين في بيروت اعتبروا في الآونة الأخيرة أن الرئيس الحريري أدرك أن هذا الأمر هو بمثابة نقطة ضعف كبيرة له وإخفاق لتجربته السياسية، فحاول أولاً التعويض عنها من خلال جولاته المكثفة على عواصم خارجية، كذلك بدا واضحاً أن رئيس الجمهورية بدا متضرراً أكثر من استمرار هذا الواقع التعطيلي في إدارة البلاد، إذ بدا أولاً قاصراً عن القيام بأية مبادرات من شأنها أن تعيد تصويب الأمور والمسارات وتفتح الأبواب الموصدة، وبدا ثانياً أنه عاجز عن الاستمرار في الموقع والدور التوافقي الذي جاء على أساسه وسعى دوماً إلى التشبث به، لاسيما بعدما بدأت المعارضة تشن هجمات غير مباشرة عليه .

وفي كل الأحوال بدا واضحاً أن المساعي المكثفة خلال الأيام القليلة الماضية لعقد جلسة لمجلس الوزراء ضمن صيغة تسوية معينة تلائم بين تمسك المعارضة ببند ملف “شهود الزور” نهائياً وبين رغبة الأكثرية في انعقاد جلسة لمجلس الوزراء مهما كان الأمر، ستكون معياراً ومقياساً لأمرين اثنين:

الأول: مدى تقدم المسعى السوري السعودي وإمكان إحرازه تقدماً في إيجاد تسوية للأزمة .

والثاني: مؤشر على مسار الأمور في الأيام والأسابيع المقبلة، وإمكان ذهابها نحو الأسوأ أو الدخول في مرحلة تهدئة تفتح لاحقاً الأبواب أمام إمكانات التسوية والمعالجة . وفي كل الأحوال ثمة مقولة شائعة في الوسط السياسي اللبناني برزت أخيراً فحواها أن أيام الحسم الأخيرة قد بدأت، فإما سلباً أو إيجاباً . وبمعنى آخر إما ذهاب نحو آفاق التسوية أو المضي نحو الخيارات السوداء حيث كل الاحتمالات واردة .


نقلا عن الخليج