مشاهدة النسخة كاملة : الانتخابات المصرية تفجّر أحزاب اليسار


ام نسيبة
12-16-2010, 11:45 AM
الانتخابات المصرية تفجّر أحزاب اليسار


http://img823.imageshack.us/img823/8541/131982.jpg

محنة حقيقية يمر بها اليسار المصري، وهي محنة بدأت بوادرها في الأفق منذ زمن بعيد، وأدركها مثقفون ومفكرون بالتيار، وألمحوا إليها في أحيان، وحذروا من خطورتها في أحيان أخرى كثيرة، وجاءت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مصر بمثابة “اللحظة الكاشفة” لأبعاد المحنة ومدى ما وصلت إليه، خاصة وقد خلا تشكيل البرلمان الجديد تماماً من التيار القومي سواء من قوميين مستقلين أو آخرين يحملون عضوية الحزب الناصري وعدد من الأحزاب الناصرية التي خاضت الانتخابات، فيما كان حصاد حزب التجمع من الانتخابات “مراً” سواء بحصوله على مقعد وحيد في جولة الانتخابات الأولى أو حصوله على خمسة مقاعد في جولتها الثانية التي طالتها جميعاً أحاديث الصفقة بين قيادة التجمع والحزب الحاكم وانتهت إلى مكافأته بالمقاعد الخمسة .

فشل الحزب الناصري في الانتخابات في دفع عدد من قياداته الإصلاحية إلى إطلاق دعوات لإعادة ترتيب وتنظيم الصفوف، وأحاديث “الصفقة” فجرت بركان الغضب داخل بيت اليسار “التجمع”، ودفعت أعضاء كثيرين منه إلى المطالبة برحيل رئيس حزب التجمع الدكتور رفعت السعيد “عضو مجلس الشورى بالتعيين”، وتحميله كامل المسؤولية عن انهيار شعبية التجمع وتحوله إلى “فرع من الحزب الوطني الحاكم” حسب تعبير القيادي بالحزب البدر فرغلي . وقبل أن تنهي الانتخابات جولتها الثانية كانت العشرات من مثقفي اليسار وقواه المستقلة من خارج التجمع قد تداعت إلى التوقيع على بيان حمل انتقادات حادة لممارسات “بيت اليسار”، وذكر البيان أنه “وقبيل الانتخابات البرلمانية الأخيرة وفي ظل تصاعد النضال من أجل تغيير ديمقراطي حقيقي يبدأ بإقرار ضمانات لنزاهة الانتخابات، ومع علم الجميع أن الانتخابات البرلمانية ستتعرض لتزوير فج وتدخلات أمنية غير مسبوقة، ظهر واضحاً منطقان متعارضان، المنطق الأول الذي تبنته قيادات المعارضة الرسمية وضمنها قيادة حزب التجمع، هو المشاركة في الانتخابات تحت أي ظروف كجزء من شروط اللعبة السياسية بينها وبين النظام، والاكتفاء بالمساومات الجزئية على نصيب تافه من الكعكة، بينما المنطق الآخر يرفض الخضوع لقواعد اللعبة والاستسلام للأمر الواقع، ويلجأ للجماهير التي جرى عزلها بإصرار ودأب عن المجال السياسي بكل صور الإفساد والقمع الممكنة، ويراهن على مشاركتها في معركة التغيير الديمقراطي من أجل تعديل جذري في قواعد الممارسة السياسية، لا الخضوع للقواعد التي وضعها النظام القائم” .

وأطلق البيان اليساري انتقادات حادة في مواجهة أحزاب المعارضة المصرية وفي القلب منها حزب التجمع، مشيراً إلى أن من وصفهم البيان بالقيادات الانتهازية لأحزاب المعارضة قامت بجر أحزابها للمشاركة في هذه التمثيلية الهزلية رغم عدم الاستجابة لأي مطلب من مطالب ضمانات نزاهة الانتخابات، مشيراً إلى أن نتائج الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية كشفت أن النظام الحاكم، ولأسباب مختلفة، قد تراجع عن وعوده وترك حلفاءه في أحزاب المعارضة يواجهون العار أمام قواعدهم الحزبية وجماهيرهم، وأنه فيما سارعت قيادة “الوفد” بإعلان انسحابها من تلك المهزلة حفاظاً على ما تبقى من كرامة ومصداقية، فقد أعلنت قيادة حزب التجمع “بصفاقة” استمرارها في تمثيل دور الكومبارس في مسرحية الانتخابات الهزلية، متحدية بذلك مشاعر ومطالب قواعد الحزب وجماهيره بالانسحاب واستقالة أعضاء الحزب من المجالس التشريعية والمحلية .

وأعلن البيان تبرؤ مثقفي اليسار المستقلين من مواقف قيادة التجمع وتأييدهم في الوقت نفسه ل”اليساريين الحقيقيين” في التجمع الذين انحازوا منذ البداية للموقف المبدئي الرافض لمنطق المساومات ورفعوا شعار: “لا انتخابات من دون ضمانات” مؤكداً أن معركة هؤلاء لاستعادة التجمع هي معركة كل اليسار المستقل، وأن الانتصار فيها سيكون خطوة كبيرة على طريق بناء وحدة اليسار المناضل .

تمثيل هزيل

انكشاف محنة اليسار المصري لم يحدث مع الانتخابات وفيها فقط لكنه يعود إلى عقود ماضية، وإن كانت مظاهر المحنة قد تصاعدت في السنوات الأخيرة مع غياب التمثيل اليساري في المجالس النيابية والمحلية ومجالس النقابات المهنية وحتى العمالية بدا تمثيله فيها هزيلاً للغاية ولا يتناسب مع تبني اليسار لقضايا الطبقة العمالية .

ومنذ عام 2005 تشهد مصر حالة من الحراك السياسي الواسع، تجلت أبرز مظاهرها في تأسيس العشرات من الحركات الاحتجاجية ومعها ابتداع العشرات أيضاً من أشكال الاحتجاج على السياسات الحكومية، وهي تطورات بدا للكثيرين أن اليسار يفتقد لليسار فيها، بسبب تنازع أطرافه وتعددهم، في وقت كان يظن البعض أنه سيكون في المقدمة من هذا الحراك، وإن كان ذلك لا يقلل من محاولات هنا وهناك بدت تسعى بشق الأنفس إلى الإبقاء على الصوت اليساري من بين الأصوات الداعمة للحراك .

موقف اليسار في هذا الشأن يعترف به المفكر اليساري البارز أحمد بهاء شعبان قائلاً: “على الرغم من الوجود الفردي والجماعي للعديد من الأفراد والجماعات والأحزاب اليسارية، في المجال العام، إلا أن الصوت اليساري خافت للغاية، ولا يتوازن مع متطلبات الظروف الراهنة، التي تستلزم طرح الرؤى اليسارية بقوة في المجتمع والتعبير عن المطالب الجماهيرية بأشد درجات الوضوح والحسم”، مشيراً إلى أن هناك تراثاً للخلافات والشكوك والنزاعات بين مختلف الفرقاء والمكونات اليسارية التي أضعفت من تأثير اليسار وهمّشت دوره على الرغم من الجهود المضنية لعناصره في النضال الوطني والاجتماعي والثقافي طوال العقود الماضية .

شعبان يعرج على واحدة من أبرز مظاهر أزمة اليسار ويقول: “شئنا أم أبينا . . فإن مصير اليسار المصري ارتبط صعوداً وهبوطاً، تقدماً وتراجعاً بمصير حزب التجمع”، مضيفاً أنه من الخطأ الظن أن المعركة التي تدور رحاها في أروقة حزب التجمع وبين صفوفه هي معركة في مواجهة فرد أو مجموعة، سواء كان الدكتور رفعت السعيد أو غيره، “فهي معركة من أجل قضايا أعمق وأكبر، وعلى رأسها استعادة “حزب التجمع” من حالة “التوهان” الراهنة، وفتح أبوابه ونوافذه ليعود ك”بيت لكل اليساريين المصريين” الذين عزفوا عن الانضمام إلي صفوف مناضليه أو التعاون معه، مرجعاً ذلك إلى شعور هؤلاء ب”هيمنة اتجاه محدد على مقدرات الحزب” . ويؤكد المهندس بهاء شعبان أن استعادة حزب التجمع وحضوره في المشهد السياسي المصري ليس محض أشواق عاطفية يمكن بشيء من الكياسة أو الخطب الوجدانية والوعود الإنشائية تحقيقها، “فهي مسألة أعقد من ذلك بكثير، وترتبط أشد الارتباط ببرنامج الحزب وانحيازاته الأساسية وتوجهاته الرئيسة”، مشيراً إلى أن التجمع تحول في السنوات الأخيرة إلى مجرد صدى صوت باهت لحزب السلطة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن تطوير أوضاع حزب التجمع سينعكس حتماً على مجمل أوضاع الحركة السياسية والثقافية في المجتمع المصري، ويقول إن النجاح في هذا المسعى سيفتح الباب أمام إحياء دور هذا الحزب الكبير والاستفادة بطاقة مناضليه بما سيعيد تنشيط الوجود المفتقد لليسار المصري “صاحب التضحيات والمآثر، والذي يبدو المجتمع المصري في أشد الاحتياج لدوره ووجوده في هذه الأوقات العصيبة من تاريخه” .

خلافات وتحالفات

ويرى مفكرون يساريون أن هناك قضايا مجتمعية ينبغي على اليسار حسم موقفه منها، وفي المقدمة من ذلك توضيح الأولوية بالنسبة للموقف من قضية الديمقراطية التي كان بعض مفكري اليسار يرى أنها قضية ثانوية بالنسبة للقضية الوطنية والموقف من الاستعمار والصهيونية، فيما بدأ مثقفون يساريون في إطلاق دعوات إلى أن يبني اليسار تحالفاته وتوجهاته في الفترة الراهنة على أساس الموقف من القضية الوطنية، وهو ما يرى البعض الآخر أنه يحمل خطورة ومحاولة لتبرير دعوة البعض إلى التحالف مع جماعة الإخوان المسلمين أو حتى مع تيارات وأحزاب ليبرالية “تتبنى مواقف ديمقراطية لكنها ترفض تبني مواقف تتعلق بالعدل الاجتماعي” .

حتى الموقف من قضية، وجود مرشح محتمل في انتخابات الرئاسة المصرية هو الدكتور محمد البرادعي، يبدو مثار خلاف داخل اليسار، ويقول فريد زهران مدير “دار المحروسة للنشر” في هذا الشأن: “هناك من يرى أن الرهان على البرادعي هو رهان على المجهول، وأن اليسار عليه أن يتريث ويهتم أولاً وأخيراً بترتيب أوضاعه وإبراز برامجه، فيما يرى البعض الآخر أن على اليسار أن يقف مع مشروع البرادعي بكل قوة باعتبار أن موقف البرادعي المُعلن من ضرورة تغيير الدستور والقوانين المقيدة للحريات سيقوي من دعاة التغيير، فضلاً عما يمثله البرادعي كمرشح مُحتمل لرئاسة الجمهورية من بديل ممكن للنظام لدى قطاعات واسعة من الناس اللذين افتقدوا البديل وأعادهم البرادعي للاهتمام بالشأن العام” .

مبادرات

محاولات النفاذ إلى أعماق أزمة اليسار المصري بمختلف قنواته وليس حزب التجمع وحده تعددت طوال السنوات الماضية، وتضمنتها مؤتمرات وحلقات نقاشية، ومجموعة من المؤلفات التي حاولت رصد الأزمة، ومن بينها ما أصدره مركز البحوث العربية والإفريقية تحت عنوان “حوارات اليسار المصري” الذي قدم له المفكر اليساري البارز عبدالغفار شكر القيادي بحزب التجمع والذي يشير إلى الإدراك المتزايد في صفوف اليسار المصري بأن توزعه اليسار على تنظيمات متعددة من دون أن يجمعها عمل نضالي مشترك قد أضعفه كثيراً، وأن هناك حاجة ماسة إلى تعزيز النضال المشترك بين مكونات اليسار حول القضايا التي تهم أغلبية الشعب، على أن يتضمن ذلك الاعتراف بالتعددية مصدر غنى وثراء الحركة اليسارية، وفتح الباب لمشاركة كل طرف يؤمن بأن الاشتراكية هي مستقبل مصر .

ويخلص الكتاب إلى التأكيد على أنه ليس من العيب أن يبدأ اليسار حركته من جديد، وأن يعيد تأسيس نفسه من جديد، فيما شهد منتصف العام الجاري عقد مؤتمر موسع بحزب التجمع تحت عنوان “اليسار المصري وأسئلة الإصلاح والتغيير”، وذلك بمبادرة من التحالف الاشتراكي برئاسة عبدالغفار شكر، والذي يضم ستة أحزاب يسارية من بينها: حزب الشعب الاشتراكي، الحزب الديمقراطي الاجتماعي، الحزب الشيوعي المصري “وجميعها أحزاب تحت التأسيس”، وقد أطلق المؤتمر دعوة إلى بناء أوسع تحالف شعبي سياسي يضم كافة القوى والفعاليات المستعدة للنضال من أجل تحقيق التحول الديمقراطي الشامل بجوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتأكيد على مبدأ المواطنة والدولة المدنية والفصل بين الدين والدولة والتصدي بكل حزم لسياسات وممارسات التمييز الديني التي أدت إلى تصاعد العنف الطائفي في الفترة الأخيرة، كما أكد المؤتمر أن اليسار المصري سيظل في قلب الحركات والاحتجاجات الاجتماعية التي تستهدف تحسين شروط الحياة لأغلبية المصريين في مواجهة سياسات الإفقار التي تضعها المؤسسات الدولية وتنفذها حكومة رجال الأعمال التي لا تكتفي بتوزيع الثروة بشكل غير عادل، وإنما تقوم بتدمير الثروات الوطنية بصورة ملموسة لأوسع الكتل الاجتماعية والسياسية والنقابية في المجتمع، وتحرم الأجيال المقبلة من أي فرصة للنمو والتنمية .

أزمة عامة

من خارج اليسار أيضاً كانت هناك محاولات فكرية لتقييم الأوضاع بداخل التيار العريض، وكتب الدكتور وحيد عبدالمجيد نائب مدير مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية في هذا الشأن يقول إن أزمة اليسار المصري يعرفها القاصي والداني، وقد سبقت انهيار المعسكر الاشتراكي الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي . ويفصل عبدالمجيد القول بالتأكيد على أن الحركة الشيوعية ليست وحدها المأزومة فمثلها، بدرجة أو بأخرى، باقي أطراف اليسار، لافتاً إلى أن حال الحركات والتيارات الليبرالية والقومية العربية لا تختلف كثيراً، على الأقل من حيث الجوهر، وإذا كانت الحركات الإسلامية تبدو أقوى، فهذا ما نراه على السطح وما يمكن أن تختلف النظرة إليه إذا نفذنا إلى بعض أعماقها، فقوة هذه الحركات ليست فيها وإنما هي مستمدة من الفراغ السياسي الذي ملأه الدين أو بالأحرى استغلال الدين كما انتشر في هذا الفراغ الخطاب الذي يسمى دينياً بصورة المتنوعة وفتاواه التي تملأ الآفاق . ويستطرد عبدالمجيد: الحركات والتيارات السياسية والفكرية كلها إذن مأزومة، والحاجة إلى محاولة فهم مأزق كل منها شديدة، حتى لا يكون الأداء في المستقبل إعادة لما حدث في التاريخ، مشيراً إلى أن الإنسانية ستظل في حاجة إلى الماركسية ليس فقط باعتبارها منهجاً علمياً في المقام الأول، ولكن أيضاً لأن في هذا المنهج دليلاً ومرشداً إلى مستقبل أفضل أكثر عدلاً أو حتى أقل ظلماً للفقراء والضعفاء، موضحاً أن الماركسية أسهمت فعلاً، وليس فقط تحليلاً في ذلك، فما كان للنظام الرأسمالي أن يتطور باتجاه فكرة الحد الأدنى الاجتماعي وما يقترن بها من رعاية وضمانات لمختلف الفئات في المجتمع إلا بتأثير الماركسية التي مثلت تهديداً له في أعماقها .

ويضيف أن الفضل يعود إلى الماركسية في تغيير وجه الحياة في كثير من المجتمعات في البلاد الرأسمالية الأكثر تقدماً، والمفارقة أنها ساعدت النظام الرأسمالي على إحراز نجاح لم تحقق مثله للنظام الاشتراكي الذي أقيم على أساسها، وإذا كان هناك من يرون أن هذا يعود إلى عيب جوهري فيها، يعتقد آخرون أن هذا العيب هو في أولئك الذين طبقوها وفق ما فهموه منها .


نقلا عن الخليج