مشاهدة النسخة كاملة : زمن الضياع


أبو فاطمة
12-15-2010, 04:36 PM
زمن الضياع

عنفار ولد سيدي ولد الجاش
... كان المنبه يرن للمرة الثالثة بدأت أشعة الشمس المتسربة من بعض ثقوب الستائر القديمة تلامس وجهه المثقل بالهموم بكثير من الاستحياء وكأنها تريد أن تلعب دور المنبه الذي فشل في مهمة إيقاظ ذلك الشاب الممدد في فراشه كالميت الذي ينتظر التشريح ،حاول أن يغطي وجهه بعد شعوره بأشعة الشمس تحاول قطع الطريق على نومه لتأخذه سنة سافر فيها بعيدا وأطلق للأحلام عنانها في وقت لم يعد فيه المتعلقون بأذيال التطور والتكنولوجيا يجدون وقتا للنوم فنسوا الأحلام وانشغلوا بالمطامح لبناء بلدانهم .
بعد أن غط في النوم رأى نفسه بين أبراج نيويورك ثم أبراج إمارة دبي ثم شوارع مدينة اسطنبول فغامره سرور فريد من نوعه لم يغمره قط في حياته لكن اليقظة قلبت السرور إلى حزن كما الحقيقة مرة دائما ،قام واقفا ونظر من النافذة فلم ير إلى شوارع نواكشوط تتخللها الحفر ،مكتظة بالسيارات القديمة تطلق نفاثاتها الخلفية دخانا لا تطلقها المصانع الأوربية.
تساءل في نفسه أين هذه المدينة من المدن التي رأى وأين شوارعها من الشوارع من تلك الشوارعا لتي رأى في حلمه؟؟؟... فبدأ يلغي النوم على نفسه وعلى الشباب من أمثاله الذين قصروا في بناء بلدانهم لكنه ما لبث أن التمس لنفسه عذرا لأنه وأمثاله من الشباب لم تتح لهم أي فرصة للمساهمة في تحقيق ما يتطلعون إليه ،لابد له من البحث عن عمل في الدولة حتى يلعب دورا في بنائها أو يجد ما يستعين به على مخيلة فقره .
توجه الشاب النحيل إلى المستشفى لزيارة أمه المريضة ثم خرج من المستشفى باحثا عن عمل يعينه على دفع تكاليف علاج والدته تنقل بين الإدارات العمومية فلم تعره اهتماما ليجد نفسه يوقف سيارة أجرة متوجها إلى وكالة تشغيل الشباب لعل أمله يصادف حظا يقلل من معاناة أخذت أغصانها الشائكة تنموا وغدت جذوعها تمتص ما تبقي من مياه في مظلومة يزيد من شحها جفاف بطالة خيمت بظلالها على العديد ممن ظنوا أنهم حققوا حلم الطفولة .
عند وصوله إلى مقر الوكالة رأى طوابير طويلة تحجب رؤيته عن باب الوكالة الذي أعتقد أنه سيدخله دون ما انتظار، حاول تفهم الوضع مكرها واقفا على قدم الضرورة وليس له أن ينظر طويلا فأمه مريضة في المستشفى وعليه الرجوع إليها بعد ساعة .
وقف متأملا في تلك الحشود الغفيرة كأنها صفوف الناخبين في الساعات الأولى من الصباح ،هل كل هؤلاء عاطلون مثلي جاءوا للبحث عن وظيفة ،هل كلهم حاصلون على شهادات جامعية عليا مثلي ؟
لم يجد الشاب في ذهنه من أجوبة على أسئلته الملحة فلو كان كل هؤلاء الشباب عاطلون لكانت جميع وظائف الدولة شاغرة ،وبينما هو يحدث نفسه هذه الأحاديث إذا به يحس بكف لطيفة تحاول تنبيهه كأنها يد صديق قديم يريد أن يفاجئه بمجيئه... التفت على يمينه فإذا بذلك الشاب الأسمر فارع القامة تحاول أن ترتسم على وجهه ابتسامة منعتها آثار الحزن والإرهاق الدائم من أخذ مكان كاف على محيا ذلك الشاب مانعة إياه من مجاملة تربى عليها في مجتمع احتضنه لأربع سنوات وفتح أمامه ذراعيه للعمل في ظروف تليق بمكانته العلمية وأعتلى فيه إنسان مثله سدة الحكم لأول مرة في تاريخه ،فحياه بأدب زائد ...رد عليه بهدوئه المعهود ،سأله الشاب حول سبب قدومه إلى هذا المكان ؟
شرح له كل شيء لتقع عينه على عقارب الساعة وهو يشبك أصابعه محاولا طرد الملل كانت الساعة تشير إلى الواحدة زوالا ،طلب من صديقه السماح له بالمغادرة أصبح عليه الرجوع فورا للمستشفى للاهتمام بوالدته ، أوقف سيارة أجرة تأخذه للمستشفى جلس في المقعد الأمامي ثم لفت انتباه صاحب سيارة الأجرة طريقة تصميم إحدى اللوحات الإشهارية المنصوبة غير بعيد من الرصيف فالتفت السائق إليه ساخرا من مضمون تلك اللوحة لم يستطع إخفاء دهشته من ملاحظة السائق ثم مالبث أن استبد به الفضول فسأل السائق هل سبق له أن عمل في هذا المجال ؟
قطب السائق جفنيه وحرك رأسه يمينا وشمالا مشيرا لسائله بالنفي ثم انفجر بالضحك على شكل ساخر ليقول للشاب أنا حاصل على شهادة الدراسات العليا في الاشهار لكن شهادتي لم توفر لي في هذا البلد أكثر من مهنة سائق تاكسي قاطعه الشاب طالبا منه التوقف أمام المستشفى ثم اخرج من جيبه ورقة من فئة مائة أوقية بالية قبلها منه السائق بعد مشادات كلامية طويلة ليخرج غاضبا وأغلق باب المقعد بقوة ليوجه له السائق حزمة من الشتائم .
حين دخوله المستشفى كانت رائحة الأدوية تفوح منه بشدة وكانت بعض الغمامات والحقن المليئة بالدماء الملوثة تعترض طريقه ثم ما لبث أن بدأ بالعطس الحاد ،دخل الغرفة التي كانت فيها أمه لكنه ذهل بكون الغرفة خالية من أي أحد فخرج يصيح لا يلوي على شيء وهو يردد ...أين أمي أين أمي؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
رأته إحدى الممرضات فأخبرته أن أمه تدهورت حالتها الصحية كثيرا ونقلت إلى العناية المركزة وستجرى لها عملية قد تكلف مائة وخمسين ألف أوقية ؛ صاح بأعلى صوته مخلفا وراءه دويا رددته جدران المستشفى كأنما تريد أن تتضامن معه من فرط إهمال دولته له ،إهمال تقاسمته معه جدران ذلك المستشفى الذي تنعدم فيه أبسط ظروف الصيانة .
وقف برهة من الزمن يتأمل حاله ويبحث في دروب ذاكرته عن قريب له يمكن أن يتولى ثمن العلاج أو يساعد فيه على الأقل، بدت أشرطة الذاكرة المتقطعة تتذكر هذا وذك ولكن في كل مرة كان يتذكر فيها بعض من يمتون له بصلة كان يتذكر قول علي بن أبي طالب :
فما أكثر الإخوان حين تعدهم ......... ولكنهم في النائبات قليل .
فتبدأ دموعه الحارقة تنهمر من عينيه فلا يثنيه عن ضرب رأسه المثقل بالهموم عرض الحائط سوى أن يجد من سيهتم بوالدته بعده ، يجهد نفسه محاولا تذكر من سيعينه ثم يدوم على صمته مدة طويلة لتخطر في باله فكرة الاتصال بزوج عمته الوحيدة المقيمة بمدينة العيون ، استحسن الفكرة ولكن لا يزال بعض التردد يثني عزمه فزوج عمته يعيل أبناءه الثمانية وليس له من المال سوى بعض الأبقار العجاف التي لا يكفي لبنها لإرواء الصغار .
لابد له من التصرف وحسم القرار فالعملية تستوجب بعض المستلزمات التي لا يتكفل بها المستشفى وعليه شراؤها من عيادات خاصة.
يكاد يموت من الخجل وهو يمد يده إلى جيبه لإخراج هاتفه المحمول للاتصال بعمته لتتولى مهمة شرح المسألة لزوجها.
قامت زوجة العم بالمهمة على أحسن وجه وأقنعت زوجها ذا الفاقة ببيع بعض أبقاره العجاف وإرسال ثمنها لابن أخيها في نواكشوط وبعد يومين كان الشاب يستلم النقود من أحد المحلات بسوق العاصمة ، استشعر وهو في طريقه إلى المستشفى ضرورة الحصول على وظيفة بأي ثمن ولو كانت خارج إطار الدولة التي لم تعره اهتماما طيلة سنوات عديدة تبخرت فيها كل أحلامها وذبلت كل أمانيه وآماله في الحصول على مهنة ولو لمدة وجيزة فتوجه إلى "نقطة ساخنة" حيث كان يرى العديد ممن غامروا فيها وعادت عليهم بالنفع فقرر خوض المغامرة وأشترى بعض بطاقات الشحن وأخذ في يبيعها وكانت تعود عليه ببعض الأرباح غير المستقرة لكن مع مرور الأيام ألف المهنة الجديدة التي وفرت له ما نسي به الوقوف أمام الإدارات العمومية في طوابير الشباب الطويلة في الحر والغر وصانت له ماء وجهه وكرامته من نظرات بعض مديري الإدارات المغرورين الذين طرق عليهم الأبواب بحثا عن المستحيل .

نقلا عن الأخبار