مشاهدة النسخة كاملة : المتتالية والمستثنى


ام خديجة
12-13-2010, 08:44 AM
المتتالية والمستثنى

عبداللطيف الزبيدي

هل أنت ضدّ حريّة “تقرير المصير”؟ إنْ قلت: معاذ الله، لا وألف كلا، قيل لك: دع للقوميّات حق الانفصال وتشكيل الكيانات المستقلّة . ومن هنا تبدأ متتالية التقسيم والتفتيت بدعوى الحريّة والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن هنا تنطلق لعبة تداعي أحجار الدومينو .

الرجل الأول في السودان سلّم باحتمال انفصال الجنوب، وتردّد في عاصمة الإمبراطوريّة أن رفض التقسيم سيؤدي إلى حرب تفني الملايين، وتكبّد البلد خسائر تتجاوز المئة مليار دولار . كيف قدّروها؟ وكيف حسبوها؟ حتى في الفجائع لديهم “دراسة جدوى” .

الآن، هل على مسعود البارزاني من حرج إذا هو رفع عقيرته صادحاً: أين حق شمال العراق في تقرير المصير؟ “أحرامٌ على بلابله الدّوحُ حلالٌ للطير من كل جنسِ؟”، عندما تدفن الأمّة رأسها في رمل الأمر الواقع في حالة معيّنة، توجد سابقة، وتصبح السابقة مبدأ والمبدأ قانوناً، ويصنع “المجتمع الدّولي” من القانون حبلاً من مسد في جيد الأمّة .

في هاتين الحالتين يصيح الأقوياء: “برافو”، لقد غدا العالم العربي ديمقراطياً شفافاً يراعي حقوق الإنسان . لكن الجامعة العربية لا تستطيع أن تسأل “المجتمع الدولي”: لماذا يستثنى الشعب الفلسطيني من حريّة تقرير المصير، رغم مرور أكثر من ستة عقود على مأساته المعقّدة؟ لماذا يبخل العالم “الحرّ” على الشعب الأسير حتى بدولة “قابضة للحياة” عزلاء؟

أوروبا حريصة على التضخم الجغرافي بدعم اتحاد ثمان وعشرين دولة ضمن حلف الأطلسي . اتحاد في اتحاد، وخطط استراتيجية مشتركة، والعالم العربي فاقد الإحساس تحت مبضع بتر الأطراف، وتجزئة الأعضاء . ولا أدري كيف فقدت الجامعة حتى الشعور بالسخرية حين تتوعد باللجوء إلى مجلس الأمن؟ مشهد الغزال وهو يشكو الذئب إلى ملك الغابة . حظاً سعيداً .

لكن العناية السماوية لا تترك النفق بلا قبس، فقد أعلن أردوغان صراحة: “كركوك خط أحمر”، لأن بها طائفة التركمان . أمّا عربها فهم في نظر الأمّة على ما يبدو “فكّة” لا تحتاج إلى حالة تأهب قصوى، واستعداد لما هو أسوأ، لأن الخطط المبيّتة في أدراج الأقوياء هي خريطة جديدة كليّاً .

يقول المثل الشعبي “أعطوه الكراع، فمدّ يده إلى الذراع”، ما ينطبق على “المجتمع الدولي” القوي، الذي يقع العالم العربي خارجه . وخير شرح لهذا المثل قصّة طريفة تقول: مدح شاعر ملكاً فقال له: كيف أكافئك؟ قال: أريد كلب صيد . قال: ويحك، اطلب ما ينفعك . قال: ذلك فقط . قال: هو لك . قال: وعلى أي شيء أصيد؟ قال: أعطوه حصاناً . قال: هبني صدت غزالاً، فمن يطهوه؟ قال: أعطوه جارية . قال: ومن يُعنى بالكلب والحصان والجارية؟ قال: أعطوه غلاماً . قال: وأين أسكن الجميع؟ قال: أعطوه بيتاً . قال: ومن أين لي أن أعيلهم؟ قال: أعطوه بستاناً . والعاقبة للأذكياء .


نقلا عن الخليج