مشاهدة النسخة كاملة : في "مخزن" العسكر لا يفسد الأرز


أبو فاطمة
12-12-2010, 04:22 PM
في "مخزن" العسكر لا يفسد الأرز

بقلم: عبد الله ولد محمد
عجيبة هي السياسة ...تعدل المقلوب وتقلب المعتدل وتآخي بين الخصوم وتنزغ بين أصحاب الحزب الواحد. عقود من التجاذب حول قصعة المخزن السحرية الجاذبة الطاردة المفرقة الجامعة في آن.. الكل حولها دائرون في دوامة لا تنقشع حتى تثور من جديد.. قصعة تزاحمت فيها أياد كثيرة أكل فيها كل "مما يليه" فمنهم الآكل بشَرَهٍ والآكل برَهشٍ .. منهم الماضغ والمزدرد والمتبع اللقمة الماء و منهم الجامع لغير المجتمعيْن أكْلاً في عرف أهل البلاد .. منهم النتاش والغاص.. منهم اللاعق الأنيق الآكل بالشوكة ومنهم الآكل بيمينه والآكل بشماله و الفاعل لذلك بكلتا اليدين .. منهم الفاغر فاه لا تصل يده لفرط التزاحم ولا ينصرف لشدة النهم منهم الآكل من الأقاصي والآكل من الدواني .. منهم المنتظر لدوره المحتسب لصبره.
تلكم هي قصعة المخزن العجيبة .. زمام أمر المتسلطين و فتنة السياسيين ومرتع المفسدين. إنها بيضة العسكر المكنونة ومائدة المولاة و"الأغلبية" وشجرة المعارضة "المحرمة". تلكم القصعة هي محور التجاذبات بين مختلف التشكيلات السياسية والسلطة منذ أزيد من ثلاثة عقود من تاريخ هذه البلاد. تلك التجاذبات الني كان آخرها انضمام بعض قادة الحزب الذي ولد "أنبوبيا" معلبا مواليا ليفطم معارضا حين لم يرد العسكر له أن يتم الرضاعة. وجوه من قدامي ما قبل التصحيح2 ووجوه مما تلا ذلك في برزخ مابين الانقلابين "الأغشتيين".
تلك المرحلة التي حاول البعض فيها أن يجدد دمه وأن يستفيد من عملية "التبيض السياسي" لإزالة دَرَنِ الانبطاح في بركة الحزب الجمهوري1 وركوب الموجة الجديدة. و لإن نجحت المحاولة في البقاء داخل عربة السلطة المعاد طلاءها, إلا أن قراءة قادة الحزب الجديد للمشهد السياسي كانت خاطئة, خاصة في تصديقها لواقعية التوجه العسكري نحو التسليم الفعلي للسلطة للمدنيين. لذلك اتسم حراك قادة الحزب بحماس مفرط لا يناسب دقة الظرف الزماني وخصوصية التركيبة الجديدة للنظام الرئاسي متعدد الأطراف "المؤلف قلبه" ديمقراطيا, والذي بدا لاحقا أنه كان مجرد فاصل إعلاني في مسلسل الانقلابات "المكسيكي" علي الطريقة الموريتانية. و يبدو أن البعض نسي أن خلْقاً كثيرا غيرهم من مخضرمي حواشي النظام السابق يزاحم علي بوابة المخزن الجديدة, وأن أوصياء السلطة في الظاهر, أوليائها في الباطن, لا يقبلون بالحيد قيد أنملة عن المسار المرسوم سلفا. لذلك, جاءت خبطة السادس من أغشت التي قلبت الشحنات بين المولاة والمعارضة و فتنت الكل حتى المعارضة التقليدية التي زارت بستان المخزن لتطفق بعد ذلك تخصف عليها من أوراق التنديد القديمة لديها. أما أصحاب الحزب المهجن علي عجل, المتخلى عنه, فقد وجدوا أنفسهم في تيه حقيقي ليدخلوا إلي "حضانة"نادي المعارضة الذي تشكل علي إثر ذلك جامعا كل المعارضين التقليديين والجامعين بين عمل معارض وأخر موال واللقُطاء ممن لا حزب لهم والمذبذبين والمندهشين وعابري السبيل السياسيين ممن تقطعت بهم الأسباب, ليبدؤوا من جديد مرحلة المشاكسة للنظام في الداخل والخارج.
أما علي الجانب الآخر فلقد كان لدى قادة الانقلاب ما يكفي من "السياسيين الجاهزين" prêt-à-mobiliser المعلبين والمعبئين سلفا, القابلين للتركيب و التشكيل والرص والحشو والنفخ المط والفرش والطي وفق رغبة صاحب الأمر, آمر المخزن.
وعلي الرغم من الارتجالية و البهلوانية التي طبعت حركة القادة العسكريين الجدد في الساحة الداخلية والخارجية في بداية الأمر, إلا أنهم استطاعوا في ظرف وجيز الإيقاع بنادي المعارضة متعدد المشارب, من خلال اتفاق داكار. ولعل من المفارقات العجيبة أن بعض القيادات "العائدة" اليوم إلي المخزن "الغفور الرحيم" كانت الأشد ممانعة في تلك المرحلة التي كان الرئيس المنقلب في أغشت1, القالب في أغشت 2, المقلب للأمور فيما بينهن والغالب في داكار المتغلب في يوليو 2010, يتحدث فيها عن الفساد وأهله مستشهدا بالأرز الفاسد متحديا في تهكم واضح بعض أصحاب الصفقة بتناول بعض منه ليخلي سبيله! فهل صلح الأرز بعد أن فسد ذات يوم وهل اعتدل المنقلب, أم أنها القابلية الفطرية لبعض سياسيينا-لقباً للتقلب و التقولب والقبول والإقبال علي صاحب السلطة وتقبيل يد المخزن, و قابليتهم للتأقلم و التملق و التقليم واللقْم.
لعل المضحك المبكي المثير للعجب أنه بانضمام المجموعة الأخيرة يكون النظام الجديد قد جمع حوله أهم وجوه ووجهاء وأعوان وأعيان ومحظييي و منتسبي و مُسيري نظام العقيد, فعن أي مفسدين لعمري يتحدث الآن؟! فلعل الهنود الحمر هم وراء الفساد في ديارنا أم أن الهكسوس أو خلائق من المريخ اجتاحتنا ما بين 1985 إلي 2007 ولم ندر بذلك!
أم أنه التنادي من جديد إلي قصعة مخزن بلدٍ يأكل من خارج حدوده, بلدٍ احدودب عوده من فوائد وربا المقرضين الأجانب, بلدٍ نُهِش في جسده مذ كان مضغة في طور التشكل, بلدٍ مصاب بالغثيان بسبب الانقلابات والتقلبات, بلدٍ مصاب بدوار مزمن بسبب التطواف به في أندية العالم الغني في مواسم التسول والتوسل, بلدٍ تخرج أثقاله لتحمل إلي ما وراء البحار و تترك أرضه مكبا للنفايات السامة.
هل ستعود الأكَلَةُ إلي قصعتها ليُجْعل الحزام "الأخضر" "كتابا" جديدا, لتعود التلفزة الوطنية قناة تبث "النمر المقنع" و تنظم جلسات مستديرة يتزاحم ضيوفها ليخرج الثناء والمديح لمتفرجها الوحيد المفترض في القصر الرمادي, لتُسَربَ محاضر المجلس الدستوري, لتُقَص أجنحة أي شركة خطوط جوية وطنية مفترضة, ولتنشط الأيام التفكيرية و التشاورية و لتجد "الكرة القدمية" "قيادة وطنية" رياضية "تنهض" بها, ولتبرم اتفاقيات استغلال المعادن تحت الطاولة, لنستوحي تصميما عنكبوتيا من المدرسة التكعيبية للمطار الجديد ليخرج عنبر دواجن باسم مطار انواكشوط" الدولي" 2 ... لِ.. لٍ...!!
إنها قواعد اللعبة تفرض نفسها من جديد, ديمقراطية الطريق القصير بين القصر والمعتقل, والخيط الرفيع بين المعارضة والموالاة, التماهي بين الموالاة و البطانة وبين صفة الرئاسة و صفة ولي النعم.
ما أشبه اليوم بالبارحة!

نقلا عن أقلام حرة