مشاهدة النسخة كاملة : المناخ العام و العراقيل أمام التسيير المالي الأمثل للشأن العام


أبو فاطمة
12-11-2010, 09:22 AM
المناخ العام و العراقيل أمام التسيير المالي الأمثل للشأن العام

النائب سيدي محمد ولد محم
بمناسبة اليوم العالمي لمحاربة الرشوة نظم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، ندوة في نواكشوط تحت عنوان: "محاربة الفساد: الحصيلة، المعوقات والتطلعات"، ألقى خلالها المحامي والنائب البرلماني، ورئيس محكمة العدل السامية، سيدي محمد ولد محم مداخلة تحت عنوان: "المناخ العام و العراقيل أمام التسيير المالي الأمثل للشأن العام"، هذا نصها:
مقدمة: إن بلادنا الغنية بثرواتها الطبيعية، بمعادنها و مناجمها، بشواطئها الغنية بالثروات البحرية و المعدنية على طول يمتد أزيد من 700 كلم، وبثروتها الحيوانية الهائلة، بمناطقها الزراعية الممتدة مئات الكيلوميترات على ضفاف النهر، بموقعها الإستراتيجي المتميز المفتوح على المحيط الأطلسي بعيدا عن كل المضائق المائية أو الممرات الخانقة، و المتصل جغرافيا و اجتماعيا و ثقافيا بشكل طبيعي مع شمال إفريقيا وغربها، و بمساحة تزيد على المليون كيلومتر مربع، وبعدد قليل جدا من السكان يربو على الثلاثة ملايين نسمة، هذا البلد بمواصفاته هذه، يفاجئنا حين ندرك أن أكثر من نصف سكانه يعيش فقرا مدقعا و تحكمه منذ عرف الدولة الوطنية معادلة الشعب الفقير في البلد الغني، مما يثير و بإلحاح سؤالا مهما عن الأسباب و الظروف التي أوجدت مثل هذه المعادلة.
و بغض النظر عن الاسباب الثانوية كضعف البنية التحتية للإقتصاد، و انتشار الامية، و حداثة الدولة في مجتمع بدوي...الخ، إلا أننا ندرك أن أمما عديدة في عصرنا عاشت ظروفا مماثلة، بل و أسوأ من ظروفنا بكثير، و استطاعت و في زمن قياسي أن تنهض من تخلفها، و أن تتجاوز و بأشواط كبيرة من سبقوها، مما يقلل من قيمة الأسباب الثانوية التقليدية، و يدفع بنا للبحث عن تشخيص السبب الرئيس للظاهرة في حالتنا.
و بنظرة فاحصة ندرك بسرعة أن كنه المشكلة لا يكمن في نقص الموارد و المقدرات، و لا حتى في إيجاد سياسات تنموية ناجعة نسبيا، بل يكمن المشكل تحديدا في تسيير هذه الموارد و القدرات بشكل أمثل، و الإرادة الصارمة في إبلاغ السياسات التنموية بفعالية غاياتها و أهدافها.
و هنا تبرز للعيان ظاهرة الفساد الذي ظل ينخر في كل مفاصل الدولة و طيلة الخمسين سنة الماضية هي عمر هذه الدولة، و ظلت الأنظمة المتعاقبة تسهر على رعايته أو في أحسن الحالات ظلت عاجزة عن معالجته، فقد ظلت المحسوبية و تقاليد الرشوة و الإرتشاء و استباحة المال العام، و انعدام الولاء للدولة، و سيادة الولاءات القبلية و العرقية و الجهوية تعيق كل المجهودات التنموية المتواضعة التي عرفتها البلاد، مما قرب مشروع الدولة الوطنية من حافة الهاوية و الفشل في أحايين كثيرة.
واليوم ونحن على مشارف عصر وطني جديد بقيادة الأخ الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وحزبنا يتصدر واجهة العمل السياسي، ويقود بوصفه حزبا حاكما كل الإصلاحات الجوهرية في البلاد، ويوجه التحولات الوطنية الكبرى في ظرف تاريخي في كل أبعاده، يجدر بنا التنبيه قبل الخوض في الموضوع إلى أن ندرك أن هذه المعالجة لا تهدف إلى جلد الماضي كغاية، بل بهدف تلمس مواقع الخلل في جسم الأمة و الوطن، وبهدف تصحيح مسار الدولة في إرادة صارمة و صادقة و مشروع وطني يشخص العراقيل و يعمل على تجاوزها من اجل بناء هذه الدولة و وضعها في المكانة اللائقة بها بين أمم العالم,
و وعيا بضرورة هذا التحول و إدارته بحكمة و صرامة و صدق.
و في إطار البحث عن طرق المعالجة ينحصر هذا المحور في تعريف الظاهرة و بعض أسبابها و تحديد بعض من ملامح المناخ العام الذي أفرزها، يجدر بنا إلى تقديم تعريف محدد للظاهرة مهما كان مبسطا فإنه يكزن ضروريا من الزاوية المنهجية لتناول المعالجة.
فكلمة (الفساد) سوء استعمال أو استخدام المنصب أو السلطة للحصول على مكاسب مادية أو معنوية على حساب الآخرين أو على حساب القوانين والأنظمة والتعليمات،
و من ملامح الواقع الذي أنتج الظاهرة ببلادنا و ساعد في نموها نجد هناك أسبابا كثيرة تدفع بالأفراد أو المجموعات إلى ممارسة الفساد بشكل عام، والفساد المالي بشكل خاص، نوجز بعض تلك الأسباب في الآتي:
أ‌- ضعف الوازع الديني: والذي يعتبر من أخطر وأهم الأسباب حيث يأتي تراجع التربية الدينية التي تنمي لدى الفرد قيمه الأخلاقية القائمة على الرقابة الذاتية و استشعار مراقبة الله و عقابه في مقدمة تلك الأسباب، و قد عرف الوازع الديني و الأخلاقي تراجعا كبيرا بسبب الانفتاح على الحياة المدنية بلا حصانة و لا موجه، و الهجمة الإعلامية الكبيرة للمرئيات و ما تحمله من منظومات أخلاقية غريبة، في ظل تراجع كبير لدور الاسرة و اختلال هائل في ترابطها، بالاضافة إلى الإنهيار الذي تعرفه البنية التعليمية في مناهجها و برامجها
فأنتج ذلك أفرادا و مجموعات تعتقد أن المال العام لا حرمة له و تبحث عن الإثراء السريع بأي شكل و بأية وسيلة.
ب‌- إنعدام الولاء للدولة: بحيث ظلت الدولة في أذهان الكثيرين تشكل جسما غريبا مستعمرا و مختلفا شكلا و مضمونا عنا و تجب محاربته بشتى الطرق كمحتل نستبيحه بكل الطرق الظاهرة و الخفية كما استباحنا، ثم تطورت هذه النظرة التي لا تخلو من إيجابية في ظل الوجود الاستعماري إلى مفاهيم أخطر في ظل الدولة الوطنية، فبفعل انعدام الديموقراطية و اتساع الهوة بين الحاكم الوطني و المحكوم أصبحت الدولة لا تعني في أذهان الناس مسؤولين و جمهورا دولة المواطنين، بل أصبحت في اعتقادهم تعني دولة المسؤول أو قبيلة المسؤول، و لم تعد للمال العام حرمة في أذهان الناس كمال مملوك للمجموعة بالنظر إلى تحكم مجموعة قليلة مستأثرة به من المسؤولين أصحاب القصور الضخمة والسيارات الفارهة والأرصدة الخيالية، و ولدت الحالة المادية المزرية للشرائح الواسعة من المواطنين حالة من الحقد والكراهية وحب الانتقام من تلك الشريحة الغنية، مما شكل دافعا موضوعيا أكبر لاستباحة المال العام، زد على ذلك رسوخ الولاء للقبيلة و العرق و الجهة في مجتمع ظلت لقرون تحكمه التنظيمات القبلية البدائية، و مازالت الدولة فيه عاجزة عن الحلول بشكل لافت محل هذه الأطر التنظيمية التقليدية و غير قادرة على استقطاب ولاء مواطنيها بتوفير المساوات و الخدمات الضرورية.
ت‌- ضعف الجهاز الإداري: حيث تؤكد التقارير والتجارب والدراسات أن الجهاز الإداري الوطني ظل ضعيفا في وسائله و إمكانياته المتواضعة أحيانا و المنعدمة في أحايين كثيرة، و يلاحظ النقص الهائل في الخبرة و التخصص و تراكم التجربة لدى الكادر البشري القيم على الإدارة غالبا، كما يلاحظ غياب الوسائل الحديثة للعمل الإداري و انعدام البنية التحتية للإدارة القادرة على تحديد القاعدة المستهدفة بالخدمة الإدارية و ضبطها، و التوسع في إقامة المؤسسات والهيئات الحكومية العامة التي تتمتع بالاستقلال المالي والإداري والتساهل في اختيار القيادات الإدارية لهذه المؤسسات غير المؤهلة لإدارتها.
بالإضافة إلى عدم مواكبة سياسات الأجور والمرتبات للظروف الاقتصادية ومتطلبات المعيشة مما يجعلها عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الضرورية بوسائل وطرق مشروعة، الأمر الذي يضطر معها الموظفون إلى سد احتياجاتهم بوسائل وطرق غير مشروعة .
ث‌- ضعف أجهزة الرقابة: فغياب آليات المساءلة والشفافية الداخلية والخارجية الفعالة القائمة على مبدأ الفصل بين السلطات وإقامة أجهزة رقابية فعالة ومستقلة بحيث تقوم أجهزة الدولة المختلفة بمراقبة بعضها البعض مما يخلق توازناً بين السلطات ويحول دون تمركز السلطة بشكل مفرط في أي منها، و كذلك ضعف أو غياب آليات المساءلة الخارجية القائمة على القنوات الديمقراطية التي تتيح للشعب فرصة مساءلة حكومية عبر الانتخابات العامة والمحلية ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، أمور كلها خلقت و اقعا و بيئة صالحة لاستشراء الفساد في ظل انعدام القدرة على رصد الظاهرة أو ضبطها أو الحد منها.
ج‌- ضعف الترسانة القانونية: الضعف البارز و انعدام التكامل في التشريعات و النظم وغموضها و قابليتها للتأويل في أغلب مدلولاتها وانعدام الدقة في صياغتها، مما جعل منها نصوصا مطاطة غير فعالة بل غير قادرة إطلاقا على تحقيق الحد الأدنى من تحجيم الظاهرة، بالإضافة إلى التساهل في تطبيق الموجود من هذه التشريعات لدرجة تصل أحيانا حد اللامبالاة بها، ناهيك عن الجهل بها أو ضياعها حتى، في ظل انعدام أرشيف وذاكرة إدارية محينة بشكل دائم.
ح‌- النظام القضائي الهش: الذي غير قادر على إنزال عقوبات جزائية رادعة بقوة و إنصاف في حق كل من تثبت عليه ممارسة الفساد المالي و الاداري مهما كان موقعة ومنصبه في المجتمع و الدولة، وقد ظل النظام القضائي ببلادنا مسكونا كغيره من أجهزة الدولة بالعقلية القبلية و الجهوية و العرقية حينا، بالإضافة إلى انتشار الرشوة و الفساد بداخله في وقت كان يفترض بل و يجزم بأن يكون القضاء أمضى أسلحة الدولة في مواجهة الفساد المالي وقاعدة التجسيد الحقيقي لمبدأ المساواة بين مواطني الدولة و سيادة القانون فوق الجميع. (و أيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها)
خ‌- غياب الإرادة السياسية: حيث ظلت الأنظمة السياسية المتعاقبة على حكم البلد عاجزة عن محاربة الظاهرة، بل و ترعاها في أحيانا، وظل المال العام أهم وسيلة لشراء ذمم الناس وضمان ولائهم للنظام، و التحكم في أصواتهم إبان المواسم و الإستحقاقات الإنتخابية، و تحولت الأنظمة بذلك من حارس على المال العام إلى أسوأ الناهبين له، و كسرت بذلك بقية الحاجز النفسي لدى القلة القليلة من المترددين، و شجعت اللصوص و الباحثين عن الثراء السريع، و لكم أن تتصوروا تأثير ذلك في واقع الناس و مدى التبدل و التغير الذي سيحدثه في أذهانهم و عقولهم و منظوماتهم القيمية، و تحولت الطبقة السياسية و المسؤولون السامون في الدولة إلى مجموعة من الأثرياء مما أثمر التزاوج البغيض بين السلطة والثروة الذي لا يولد حتما إلا الفساد، و يشكل خطرا على الوضع السياسي والاقتصادي في البلد حيث صبح رموز السلطة حماة للفساد المالي والاداري.
هذا بعض مما توارد علي من خواطر حول الموضوع، و ما كان فيه من نقص - و هو فيه لا محالة - أرجو منكم أن تكملوه، وأعتذر لكم عنه، و أحيل عنايتكم إلى المحور الموالي لتلمس سبل معالجة الظاهرة بقصد القضاء عليها و سيادة مثل و قيم الطهر و النقاء و الشفافية في حياتنا العامة محلها.

نقلا عن وكالة نواكشوط للأنباء