مشاهدة النسخة كاملة : صحفيون بلا أسلحة


أبو فاطمة
12-11-2010, 08:32 AM



صحفيون بلا أسلحة

" الإنسان ابن بيئته " فلا يستطيع أن يحيد عن معطياتها قيد أنملة , و لا يقدر على التطوير في هذه المعطيات إلا بفعل إرادتها و قياسا على مدي استعدادها للتعديل أو التطوير , و تتحدد هذه البيئة وفق الإطار المادي للتحرك أي أن تلك المعطيات ليست عامة ولا مطلقة بل هي معطيات متغيرة تبعا للهوامش المتاحة , وعليه فإن الصحفي أيا كان نوعه و أيا كان حجم ثقافته لا يستطيع العمل بمهنية تامة إلا إذا كان في بئته المحيطة من العوامل ما يسمح له بالتحرك بحرية و بشكل عملي خال من العوائق السخيفة , حينها فقط يكون الصحفي مسلحا , فهو على جبهته يقاتل كغيره يحارب لأجل ترسيخ قدمه على الأرض , ليترك أكبر أثر يمكنه تركه في أذهان الناس و على صفحات الأرشيف.
من الصحفيين من لا يملك إلا الرغبة في "الانجاز" لكنه خال الوفاض فلا أدواته تامة و لا ثقافته مكتملة و لا قدرته على المتابعة موجودة , هو إذا صحفي بالتمني كغيره من البشر يسعون إلي ما لا طاقة لهم به بدوافع سطحية , هذا النوع من الراغبين في العمل الصحفي هم الأكثر وجوداعلى ساحتنا الإعلامية الوطنية .
الإعداد و التخطيط هما أساس الموقف الإعلامي - وهذا من البديهيات - و التكوين هو الإطار الشرعي لأي عمل أيا كان فلا توجد مؤسسة قادرة على البقاء إن لم تكن لديها إستراتيجية واضحة المراحل , وعند امتلاك تلك الإستراتيجية نكون قد ابتعدنا عن عادة التعلم عبر الممارسة كأننا أطفال نتعلم المشي , نتعثر و نسقط ثم نقف و هكذا حتى تترسخ لدينا هذه القدرة و نصبح مستعدين للجري ,ليس الأمر كذلك , بل هو أصعب من ذلك فمن المستحيل أن تكون صحفيا بمجرد الرغبة في ذلك أو بمجرد امتلاك قدرات لغوية معينة أو حتى قدرات بدنية , فالمسألة أكثر تعقيدا و تشعبا فالصحافة مهنة مركبة فأنت حين تمارسها تصبح في الواجهة و خلف الكواليس معا , و يجب عليك أن تكون فردا عاديا كي تقترب من الحدث و أن تكون في نفس الوقت مميزا كي تنقل الحدث و تقيمه , و من الضروري أن تكون مرنا من المرونة ما يجعلك تقبل أمورا لا تطاق و تتغاضي عن أخري لا تحتمل و هذا كله لكي تمارس تلك المهنة المسماة بمهنة المتاعب , و هو تعبير نابع مما تجره من الضرر على ممارسيها , فالصحافي يتعرض للأذى النفسي كالرفض و التهميش و الاستغلال و يتعرض للأذى المادي كالاعتداء و الملاحقة القانونية التي تصل حد السجن و غير ذلك من الضرر , فهل لأبناء موريتانيا من الاستعداد ما يسمح لهم باقتحام مهنة لا يعرفون عنها سوي شهرة ممارسيها و لا يعون كم دفعوا لأجل نيل هذه الشهرة و هل كانوا يقصدونها فعلا ؟ معظم الإعلاميين الموريتانيين إن لم يكونوا سطحيين و ممالئين للجماعات المسيطرة سياسيا يتعرضون للرفض و الإقصاء فيلجئون إلي مؤسسات خارجية تحتويهم و تستفيد من مهنيتهم .
و عليه من الملاحظ أن صحافتنا مورست بالصدفة , وكان المسيطرون عليها هم الأدباء و من لهم باع في اللغة و ضروبها , ونحن أهل ذلك و منبته , لكنه زمن مضي و غدي بعده الإعلام حربا ضارية بين عوالم عدة و من لا يتقن هذه الحرب لا يستطيع البقاء و لا حتى الاستمرار .
حتى من ناحية المادة الإعلامية المقدمة من قبل الإعلام المحلي أو من قبل ذلك المستقل فهي ليست مادة إعلامية بالمعني الحقيقي و المهني لهذا المجال بل هو إعلامي بدائي إن جاز التعبير فهم يبحثون عن إرضاء ذوق جمهور فقير جاهل مريض تطارده الويلات من كل حدب و صوب , فرجال الإعلام يقتاتون على سذاجته ويقدمون له ما يشعره بقيمته الافتراضية فيقرأ هذا الخبر و يتفحص ذلك التقرير و يشاهد تلك الصور و يتنفس الصعداء كأنه عرف حقيقة الأمور و أحاط بكلما يحدث علما , إنه الهراء بعينه فهل من المنطقي وصفه بالإعلام؟ و رغم هذا فصحفيونا معذورون لأن هذه بيئتهم و هذا هو جمهورهم و تلك هي أدواتهم فأين يحيدون عنها ؟.

زينب / محفوظ

نقلا عن السراج الإخباري