مشاهدة النسخة كاملة : جامع القمامة محمود (قصة قصيرة)


أبوسمية
12-10-2010, 06:37 PM
جامع القمامة محمود (قصة قصيرة)

محمدن ولد امين
جلس محمود حالما على حافة أحد الجدران المنهارة في أحد الأحياء الشعبية للعاصمة، يتأمل كوم القمامة التي جمعها لتوه..
لقد ركم الكثير منها اليوم، في انتظار أن يلفها زميله في المهنة إبراهيم في عبوات البلاستيك..
أخذ منه جمعها وقتا وجهدا كبيرين..
لم ينتبه للوقت وهو يمر..
انتابه شعور غامض بالنشوة وبنوع من السعادة رغم شغف العيش..
سعادة من أكمل واجبه بإخلاص..
يستمع محمود لبرامج خافتة في محطة إذاعية تبثها سماعة هاتفه النقال..
جال تفكيره في جملة أشياء في آن واحد متسائلا؛
كيف بدأ يومه..؟ وكيف ترك البيت مبكرا ومشاكله الكثيرة والمتفاقمة..؟ كيف آل به الحال إلى هنا..؟ كم مضى عليه في هذا العمل..؟
نظر مجددا لكومة القمامة التي بجواره..
أمعن النظر في مكوناتها..
عظام، كرتون، قطع معدنية، قطع زجاجية، علب شاي وحليب فارغة، قناني بلاستيكية، مخلفات سيارات، محافظ، وقماش، ونعل، وألبسة بالية، سعد بعضهم يوما باقتنائها، حفاظات مستخدمة، أواني مكسرة أو مشوهة، وأشياء أخرى مبهمة يصعب التعرف عليها..
تساءل في نفسه؛ كيف تلاقت هذه الأشياء المتنافرة من كل أصقاع الدنيا، وحطت على هذا الشاطئ الهادئ الوادع، فعج بها؟
ذلك الشاطئ الذي طالما حدثته عنه والدته وروت له كم كان نظيفا، لا يمزق صمته المطبق إلا عواء الذئاب ؟ رحمها الله.
ثم تساءل؛ كيف سترقد هذه القمامات إلى جانب بعضها في مطمر الشركة وللأبد؟
تمثلت له حركية المجتمع بأكمله من خلال كوم القمامة..
تصور مئات الأشخاص والأسر وهي تستخدمها قبل أن ترميها..
رأى الأطفال تغمرهم البهجة والسعادة وهم يستلمون ملابسهم وأحذيتهم الجديدة..
لم يعد ينظر إلى النفايات، بل أصبح نظره ينفذ إلى خراب الأشياء وفنائها..
تصور الناس وهم يستهلكون في حركة سريعة كما يحصل في المشاهد السينمائية المسرعة..
وجد في تصرفهم غباوة وعبثية..
ألقى نظرة إلى القمامة المعبأة في أكياس بلاستيكية، وقال في نفسه؛ "كأنها سيدة عائدة قبل العيد بمشترياتها من السوق"..
لم يكد يتماسك عن الضحك..
ثم جالت برأسه فكرة جنونية. لماذا لا يستخدم العدادون الذين يحصون الأحياء العشوائية هذه المخلفات لمعرفة عدد السكان؟ وهل فكر الأخصائيون في استخدامها لإجراء مسح سوسيولوجي، أو لتحديد الاستهلاك الفردي والجماعي؟
فكر في كنه كل هذه المكونات، فتراءت له من زاوية نفعية، وكيف أصبح الناس يستفيدون من بعضها عن طريق إعادة المعالجة. وأدرك أن تلك الاستفادة مازالت بعيدة المنال عن الكثيرين.
لقد تخلص من تلك النظرة المحتقرة والمزدرية للقمامة والفضلات، وعقدة العمل الوسخ..
لم يعد ينظر لفضلات المجتمع بسلبية، بل بإيجابية تامة، بل أنه يتساءل أحيانا؛ هل ربما تكون تلك المادة المنبوذة عامة، أفضل من الكثيرين؟
ومن يدري، ربما يأتي الخلاص يوما ما عن طريق القمامة؟
بالنسبة لمحمود، لقد تحولت القمامة لمادة نبيلة وثمينة، لا تضاهي في ثمنها إلا المعادن النفيسة والأحجار الكريمة. أو ليست تتحول إلى نقود في جيبه وجيوب رفاقه؟ أو لم تجني شركات نزع القمامة المبالغ الطائلة، شأنها في ذلك شأن شركات استخراج الذهب والألماس؟
مثل هذه الأفكار وغيرها، غالبا ما كانت تجوب رأس محمود..
كانت أحيانا مصدر إزعاج له، فيحاول دون جدوى صدها وطردها من مخيلته..
في بعض الأوقات، كان يقاسم زملاءه أفكاره واستنتاجاته..
يقول له إبراهيم دائما؛ "سم!" أو "حجب!" بإشارة إلى أنه أصابه مس..
تلك الملاحظات المتهكمة والتي لا تخلو من غمز ولمز، لا تروق لمحمود وتشعره بالارتباك والاكتئاب..
ففي الموروث الشعبي، تعتبر المخلفات مسكونة ويجب تحاشي الاقتراب منها..
في أحايين كثيرة، يصاب محمود بوسوسة من أن يكون قد أصابه مس من فرط ما قد تعامل مع القمامات..
لكن محمود كان يعتبر في الغالب القمامة مصدر إلهام له..
كما كانت تلك الأفكار تجلب له السعادة وتلهيه عن متاعبه وهمومه الكثيرة..
وبينما كان محمود مشتتا وشاردا بين هذه الأفكار، إذا بأحد رفاقه في المهنة ينبهه على أن كأس الشاي الذي يعدونه يوميا على عجل في مثل هذا الساعة من النهار، قد أصبح جاهزا.
٭ ٭ ٭
لقد بدأ محمود عمله هذا كجامع قمامة منذ أكثر من عام.
محمود ذو الخمسة والثلاثين عاما هو حامل شهادة عاطل عن العمل منذ تخرجه من الجامعة، ويعود ذلك لعدة سنوات خلت، لم يسعفه الحظ خلالها في الحصول على وظيفة، رغم العديد من المحاولات.
حتى شهادته في الفلسفة وعلم الاجتماع، لم تشفع له في الحصول على عمل.
كانت البداية صعبة ومجهدة بدنيا، وعصيبة نفسيا، لكنه استطاع أن يتغلب على كل تلك العقبات.
فيومه يبدأ صباحا باكرا قبل بزوغ الشمس، ولا ينتهي أحيانا إلا بعد الغروب.
لقد شغف محمود بعمله الجديد وأحبه زملاؤه ورؤساؤه، كما أحبهم هو.
إن الآليات التي تملك شركة القمامة، وأدواتها وملابسها تسهل العمل كثيرا، لكن المهمة الصعبة تبقى دائما تلك الموكلة إليه هو ورفاقه، والمتمثلة في جمع القمامة ووضعها في أكياس.
قبل الالتحاق بهذا العمل، فكر محمود بأشياء كثيرة، وراودته أحلام كثيرة حول الهجرة والعمل في الخارج.
لكن كل تلك المشاريع لم تبرز لحيز الوجود.
محمود متزوج من تربه، وهي فتاة تعرف عليها منذ سبعة أشهر، واقترن بها منذ خمسة.
بعد أن حصل على هذا العمل، تمكن من توفير القسط الأكبر من رواتبه.
في البداية، تقبلت الفتاة الموضوع بشيء من التململ، ورفضته أسرتها لكون من يتقدم لطلب يد ابنتها، ما هو إلا جامع قمامة بسيط.
المجهود المادي الكبير الذي قام به هو ورفاقه قبل وأثناء فترة الزفة، أقنعهم بأن محمود هو الزوج المناسب لتربه.
محمود وتربه لم يفتآ يعتبران العمل في جمع القمامة مسألة مؤقتة في انتظار أن يحصل على عمل مكتبي مناسب.
لكن ما كادت فترة الزفاف تمر، ويعود العريسان لواقع الحياة البسيط، حتى بدأت أجواء البيت تشحن بالخلافات والمشاكسات.
لقد لاحت بوادر تلك الأزمات، بعيد نهاية الأسبوع الأول للزفاف، حينما بدأ محمود يتضايق من التواجد الدائم لصديقات تربه، بل وحتى من أصدقائه هو.
بالنسبة لمحمود، فإن مثل ذلك التجمع الغزير، لا تتسع له الغرفة الصغيرة المحاذية لبيت والدي تربة، والتي استأجرها مؤخرا بنصف راتبه الشهري من جهة، ولا تسمح به ظروفه المادية، نظرا لما يترتب على مثل تلك الزيارات المفاجئة والضاجة، من ضيافة هو أصلا في غنى عنها.
لقد استقبلت تربه ذلك السلوك من محمود بسلبية، معتبرة أنه تقصيرا في حقها، وأنه تضايق من ضيوفها وصديقاتها.
ثم ما لبثت الأوضاع أن تفاقمت لتصل حدا لا يطاق من الخصام.
حصل ذلك عندما تقدمت تربة بالتماسات متكررة لشراء بعض الأغراض الشخصية، ولإقامة دعوات لصديقاتها، وهو ما قوبل بالرفض من محمود.
وعلى الرغم من أن أوضاع البيت تعرف نوعا من الاستقرار الحذر، إلا أن محمود وتربه لم يعودا كسابق عهديهما.
يغادر محمود كل يوم البيت ويترك تربه وهي تغط في نوم عميق، ويعود متأخرا من عمله المضني وهي ما زالت في بيت أهلها. عندما تأتي متقدمة بوجبة العشاء، لا يتبادلان الكثير من الحديث.
إن أصحاب محمود المتزوجين يتفهمونه جيدا، ويقدرون ظروفه، لكن العازبين منهم يعتبرون ما بدر منه بعد الزفاف لؤما وتقصيرا في ضيافتهم.
كل الذين عرفوا محمود يشهدون له بالاستقامة الأخلاقية والدينية، والمواظبة على الطهارة والصلاة في المساجد.
على الرغم من أن محمود كثير التفكير وانزوائي بطبعه، إلا أنه قليل الكلام.
من يمعن النظر في محمود وحركاته، وتصرفاته، يخيل إليه أنه يخفي شيئا ما، وأن ماردا جبارا يرقد في داخله، ويوشك أن يثور في أية لحظة.
رفاق محمود ومعارفه، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة ولا عن أسرته.
كل ما يعرفونه هو أنه يتحدث أحيانا عن أب تركه وهو صغير ولم يره إلا في مرات نادرة، وعن أم مثابرة وفرت له ظروف عيش ودراسة متواضعة، قبل أن تفارق الحياة إثر داء ألم بها وألزمها الفراش لفترة.
٭ ٭ ٭
عندما قفل محمود عائدا مساء ذلك اليوم، كان شيئا ما قد تغير في داخله..
هو نفسه لم يدر بعد ما هو..
لم يتخذ قرارا بعد..
راوده هاجس بعدم العودة إلى البيت مطلقا، لكنه لم يستجب له..
تقدم خطوات باتجاه منزله..
بدأ يتفقد نقود راتبه الذي تسلمه ظهيرة ذلك اليوم..
ثم فجأة..
أخرج النقود من جيبه وعدها..
أخذ المبلغ المتواضع وقسمه إلى ثلاثة..
عاد إلى البيت مسرعا تحت الظلام الذي بدأ يبسط ذيوله على المدينة..
فتح باب الغرفة وتسلل بداخلها بعدما ضغط على زر الضوء..
تراءت لها محتوياتها المتواضعة..
رفع جانب السرير..
وضع ثلثي النقود وأسدل عليها جانب السرير..
خلع بذلة العمل..
جمع ملابسه وبعض أغراضه في محفظته، ثم وضعها على كتفه..
أطفأ الضوء وأغلق الباب..
تنفس الصعداء وخرج مسرعا..
ابتعد مسافة عن البيت..
استخرج هاتفه النقال من جيبه..
كتب رسالة قصيرة..
"إذا جئت للبيت، فارفعي جانب السرير"..
تأكد من وصول خطابه المكتوب..
أطفأ هاتفه النقال وابتعد مسرعا عن البيت..
أوقف سيارة أجرة، ثم ركب فيها وطلب من سائقها أن يمضي في الجهة التي أشار له بها..
بعد أن جابت سيارة الأجرة بعض الشوارع والأحياء، توقفت أمام بيت منفرد في حي عشوائي..
نزل محمود ونقر على الباب..
فتح الباب في العتمة، وخرج له شاب ذو لحية كبيرة سوداء..
صاحب هذا الوجه يعرفه جيدا منذ مدة..
تعانقا بحرارة وهما يضحكان وقال له الشاب؛ "أدخل بسرعة لقد عرفت أنك لا بد ستأتي في النهاية"..
الشاب الذي استقبله يدعى البشير الملقب أبو حمزة..
لقد كان دوما ما يلح عليه بالالتحاق به هو وجماعته..
لقد كانا يتقاسمان الكثير من الآراء والقناعات..
ومن هنا فصاعدا، قد أضحى عليهم تقاسم الأكثر.

نقلا عن الأخبار