مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا في مواجهة "ويكيليكس" والانتخابات و"الوادي المتصدع"


ام خديجة
12-10-2010, 08:13 AM
موريتانيا في مواجهة "ويكيليكس" والانتخابات و"الوادي المتصدع"
نواكشوط - المختار السالم:


http://img547.imageshack.us/img547/9933/130950.jpg



صادقت الحكومة الموريتانية هذا الأسبوع على الميزانية الجديدة ،2011 التي تعتبر أكبر ميزانية في تاريخ البلاد، نظراً لاستفادتها من تزايد مداخيل الثروات المعدنية، وكذلك التمويلات الخارجية والأسلوب الجديد في تسيير المال العام .

وقد حرص الرئيس محمد ولد عبدالعزيز على أن تصب الميزانية الجديدة أساساً في مصلحة قطاعي محاربة الفقر والمشاريع التنموية والمشاريع الاستثمارية التي يباشرها نظامه وفق ما يسميه الالتزام الانتخابي . وأصدر ولد عبدالعزيز تعليماته الصارمة إلى الحكومة بتسيير أفضل للميزانية وتنفيذ المشاريع سواء من حيث الكيف أو التوقيت المحدد لها . ولن تعاني الميزانية الجديدة من عقبة التمرير لدى البرلمان بالنظر إلى أن أغلبية النواب موالية للحكومة، إلا أن المعارضة الموريتانية، وحسب تصريحات أدلى بها نواب المعارضة ل”الخليج” يعتزمون تحويل القبة البرلمانية خلال مناقشة الميزانية إلى قاعة محاكمة جديدة لسياسات النظام وتسييره .

لن تكون “حمى الميزانية” وحدها ما سيرفع درجة حرارة الدورة البرلمانية الجارية، بل يستعد نواب المعارضة لمسلسل استجوابات قاسية لأعضاء الحكومة في ملفات عدة مطروحة على الساحة كملف الإسكان والأسعار والحرب على الإرهاب، وغيرها .

ودأبت القوى السياسية الموريتانية إلى تحويل جلسات البرلمان إلى “جلسات سياسية” من خلالها تستعرض عضلاتها وتحاول التغلل أكثر إلى الرأي العام .

ويسود نوع من القلق الصامت أوساط الأغلبية التي فشل نوابها خلال الدورات البرلمانية الفائتة في تقديم أداء مقنع في الدفاع عن نظامهم .

وغير بعيد من الحمى السنوية للميزانية، بدأ عملياً العد التنازلي للانتخابات النيابية والبلدية المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل 2011 .

وتسابق “منسقية أحزاب العمل القومي” الزمن لدراسة الاندماج في كيان سياسي واحد، فيما علمت “الخليج” أن قادة المنسقية اتفقوا على الترشح بلائحة واحدة في جميع الدوائر الانتخابية .

ولا تعرف حتى الآن ما خطة المنسقية للتعامل مع الدوائر الانتخابية التي لا تتمتع فيها المنسقية بأي شعبية خاصة في مناطق الجنوب (ولايتي غورغول وسيليبابي) .

أما “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، فقد أعلن مرات عدة جهوزيته للانتخابات وتحقيق اكتساح كبير للناخبين، مستفيداً من موجة الانتساب التي شهدها هذه السنة، وكذلك موقعه من السلطة التي تشكل أهم جاذب للناخبين .

ولا شك أن مهمة جميع الأحزاب موالية ومعارضة ستكون صعبة انتخابياً إلى جانب الحزب الحاكم الذي بات يشكل بالفعل قوة سياسية وانتخابية كبيرة، وأثبت أنه لا يتورع حتى عن “حريم” الأحزاب الحليفة له في الأغلبية الرئاسية بعد أن بادر إلى إغراء شخصياته الكبيرة منها بالانتساب إليه .

ولا يخفي قادة في الحزب نيتهم “تحجيم” قوى سياسية معارضة وموالية، خاصة حزب “اتحاد قوى التقدم” (اليسار) الموريتاني الذي فقد العديد من قواعده الشعبية في الجنوب، حيث استولى على تلك القواعد حزب “حركة التجديد” ورئيسه المرشح الرئاسي السابق “صار إبراهيما مختار” وآخرون . إلا أن الحزب ظل يمثل رأس الحربة ضد نظام الرئيس عزيز، ودخل في الفترة الأخيرة “حرب شتائم شخصية” مع الحزب الحاكم .

وغير بعيد من أولويات الحزب الحاكم كذلك تحجيم حزب التيار الإسلامي الموريتاني (معارضة معتدلة)، الذي أثبت حضوره الانتخابي عبر السيطرة على جمهور ناخب ثابت في حدود 60 ألف ناخب . وسيكون على الإسلاميين خوض المنازلة الانتخابية بذكاء للإبقاء على جمهورهم غير “المؤدلج”، وهي مهمة صعبة في ظل تركيز الرئيس عزيز على القواعد الشعبية، وتجاوز المعاقل الانتخابية التقليدية . يضاف لذلك الامتحان الذي سيكون أمام حزب “الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم” (وزيرة الخارجية الناها بنت مكناس)، وهو الحزب الذي ظل منذ عهد ولد الطايع يحافظ على مكانة انتخابية معقولة أهلته للمشاركة في السلطة مرات عدة .

لكن بنت مكناس هذه المرة أمام امتحان حقيقي يتطلب استخدام كل “مكيدة” لإبقاء الحزب داخل قبة البرلمان .

وفضلاً عن ذلك يرى مراقبون أن عشرات الأحزاب السياسية الموالية (أكثر من 40 حزباً سياسياً) من شبه المؤكد أن الكثير منها سيبقى خارج البرلمان نظراً لعجزها المالي وضعف وجودها الشعبي وتهميشها من قبل السلطات وقوة المنافسة بين كبار الأحزاب السياسية .

أما الحزبان المعارضان الرئيسيان: “التحالف” (مسعود ولد بلخير رئيس البرلمان) و”التكتل” (أحمد ولد داداه زعيم المعارضة) فهما يتمتعان بجمهور ثابت، لكنهما في قلب أولوية الحزب الحاكم في لعبة “إلحاق الخسائر” .

على أن العد التنازلي للانتخابات المقبلة لا يمنع من الدخول في تحالفات واندماجات غير متوقعة قد تعصف بكل المعطيات وفق تسيير الواقع للنوايا .

ويرى المراقبون السياسيون أن الانتخابات المقبلة ستعيد بالفعل تشكيل الخارطة السياسية من جديد، وتقلب التوازن (النسبي) الحالي في مؤسستي البرلمان والبلديات . ويرتبط ذلك إلى حد كبير بإرادة الرئيس عزيز في هذا المجال . هل يريد السيطرة المطلقة على البرلمان والبلديات؟ أم سيقبل بالحد الأدنى من مشاركة القوى الأخرى، ولو من باب الماكياج الديمقراطي “الضروري جداً”، لنظام يحصد التمويلات الدولية باسم الديمقراطية .

لقد بدأت القوى السياسية الموريتانية الكبيرة بالفعل إعداد خططها الانتخابية، وبدأ الشيوخ والنواب والعمد الحاليون مساعيهم لضمان ترشيحهم من قبل أحزابهم، كما كثفوا خلال الفترة الأخيرة، وبشكل سري، لقاءاتهم بكبار داعميهم .

ويتوقع خلال الأسابيع والشهور المقبلة أن تتجه أنظار العديد من قيادات الأحزاب السياسية إلى الخارج للحصول على التمويلات اللازمة لحملاتها الانتخابية .

هي إذن حمى انتخابية “أخرى” في صراع طويل ومرير، إلا أنها هذه المرة تأتي في منتصف الولاية الرئاسية، ما يكسبها أهمية كبيرة بالنسبة للقوى السياسية وحملة الطموح الرئاسي .

هذا في وقت يترقب فيه الشارع الموريتاني انطلاقة الحوار السياسي بين المعارضة والنظام واذلي لم يحدد له موعد بعد .

فبعد الدعوة الأخيرة التي وجهها الرئيس محمد ولد عبدالعزيز إلى المعارضة باستعداده التام للدخول في حوار جدي وصريح، ردت منسقية المعارضة بالإيجاب، بل أعلنت ضمنيا تخليها، للمرة الأولى عن صيغة مرجعية “اتفاق دكار” التي يرفضها ولد عبدالعزيز، وإن أكدت ضرورة أن تكون النقاط الواردة في الاتفاق السابق في صلب الحوار المنتظر . ورأى مراقبون أن رد المعارضة، وقبله تصريحات رئيس البرلمان المعارض مسعود ولد بلخير، أنهت عملياً عقبة صيغة “اتفاق دكار” . وتنتظر المعارضة الموريتانية الآن مقترحات النظام حول آليات الحوار(التوقيت والمكان، والمضمون) .

ومن أهم ما تنوى المعارضة الموريتانية طرحه في الحوار هو بحث السبل الكفيلة بإجراء الانتخابات المقبلة، ومراجعة اللائحة الانتخابية، وموضوع تدخل الجيش في السياسة، وتحرير الإعلام العمومي، فضلا عن المشكلات الكبرى المتعلقة بالوحدة الوطنية، والاقتصاد، وغيرها .

“ويكيليكس”

أصيب الرأي العام الموريتاني هذا الأسبوع بصدمة كبيرة، جراء ما كشفته وثائق “ويكيليكس” عن مخطط كان لدى معارضين لتنفيذ انقلابين للإطاحة بالرئيس عزيز، واغتياله خلال الفترة الانتقالية الماضية .

فقد كشفت وثيقة بعثت بها السفارة الأمريكية بنواكشوط إلى الحكومة الأمريكية بتاريخ 14/4/2009 وتحمل الرقم ،269 عن أن محمد ولد مولود رئيس “حزب اتحاد قوى التقدم” (اليسار)، أبلغ القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية دنيس هانكينس بسعي “الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية” المناوئة للانقلاب، لتنفيذ انقلاب على ولد عبد العزيز بعيد استقالته المرتقبة - آنذاك 2009 من رئاسة الدولة والمجلس العسكري لإعلان ترشحه للانتخابات .

ونقلت الوثيقة عن ولد مولود قوله إن الاستقالة هي الفرصة المناسبة للإطاحة بولد عبدالعزيز عبر التحالف مع بعض قادة الجيش وخاصة قائد أركان الجيش اللواء محمد ولد الغزواني .

وقالت الوثيقة إن ولد مولود بدا مطمئناً للخطة، وإن أشار إلى أن ولد عبد العزيز سيعتصم بوحدات الحرس الرئاسي في حال إحساسه بتخلي قائد الجيش عنه، أو قد يلجأ إلى طوارق مالي لنصرته، ولكن في كلتا الحالتين فإن الجبهة يمكنها القيام بتحرك سريع وفعال لمواجهة الأمر .

وبادر اليسار الموريتاني للتحرك على ضوء هذه التسريبات، فانتقد بشدة ما أسماه الاستغلال السيّئ لتسريبات موقع “ويكيليكس” ودعا إلى مؤتمر صحافي للرد على تلك التسريبات وما يعتقد الحزب أنه استغلال سيّئ لها من قبل بعض الأطراف المحلية بموريتانيا .

أما الوثيقة الأكثر إثارة للجدل، فهي تلك التي حملت تاريخ 9 إبريل/نيسان ،2009 (وهي رسالة من القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية دنيس هانكينس إلى حكومته)، وقال فيها إن الشخصية البارزة في الأقلية الإفريقية “يوسف سيلا” عضو “مجلس الشيوخ الموريتاني”، عن مقاطعة “أمبود” (جنوب) وهو رجل أعمال، طلب الحصول على أسلحة ومعدات لوجستية من “إسرائيل” لاغتيال الرئيس محمد ولد عبدالعزيز في انقلاب ذي طابع عرقي .

وقال يوسف سيلا طبقاً للوثيقة، إن كل ما يحتاجه للإطاحة بالرئيس عزيز هو “خمس سيارات عابرة للصحراء، ومدفع ثقيل، وعدد من بنادق كلاشينكوف، إضافة إلى خمسين رجلاً”، مشيراً إلى أن الوقت المناسب لتنفيذ عملية الاغتيال هو أثناء الحملة الانتخابية، حيث يكون الرئيس أقل حزماً، وحراسته الأمنية أقل .

وقال القائم بالأعمال الأمريكي في رسالته إلى حكومته، إن سيلا أخبره بقيامه باتصالات مع “حركة قوات تحرير الأفارقة الموريتانيين” (أفلام)، ومع مالي من أجل تنفيذ ثورة في موريتانيا على أساس عرقي، وأنه سافر إلى عدد من الدول الأوروبية لحشد الدعم لهذا الغرض .

وبادر بدوره يوسف سيلا للتخفيف من وقع هذه التسريبات، فأعلن عن أن تلك مرحلة ماضية وأنه الآن داعم للرئيس عزيز، ثم أنكر محاولته التخطيط لاغتيال عزيز .

إلا أن الكشف عن مخطط لثورة عرقية، ومن مسؤول عضو في مجلس الشيوخ ورجل أعمال بارز، أكد من جديد صحة المخاوف من السعي الدائم من شخصيات وتنظيمات ودول إفريقية من أجل تغيير هوية البلاد .

غير أن “حمى ويكيليكس” لم تقف عند هذا الحد، فقد بينت الوثائق مدى اختراق الأمريكيين لرموز عشرات الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية الموريتانية، الأمر الذي أصاب الشارع بدهشة كبيرة جراء “تسيير” الأمريكيين لهذا “الطابور” ونتائج ذلك على مستقبل البلد .

“حمى الوادي المتصدع”

يعيش الشارع الموريتاني منذ أيام وسط مخاوف شديدة من انتشار وباء “حمى الوادي المتصدع”، الذي ظهر في ولاية “آدرار” شمال البلاد، وأدى بحسب آخر حصيلة إلى سقوط 30 ضحية .

ويصيب المرض الحيوانات وينتقل إلى البشر عن طريق لحوم وألبان الماشية، وعن طريق البعوض وبعض الحشرات اللاسعة، ولا يوجد له دواء ويؤدي إلى حمى نزيفية تسبب الوفاة غالباً .

واستنكر حزب “التكتل” الذي يقوده زعيم المعارضة أحمد ولد داداه تعامل السلطات مع الوضع، واتهمها بالتعتيم والإهمال إزاء هذا الوباء، وعدم إبلاغ المواطنين بخطورته، مما أسهم في تزايد الإصابات والوفيات الناجمة عن استعمال لحوم وألبان الدواب المصابة .

ودعا الحزب في بيان صادر عنه الحكومة لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بمحاصرة الوباء وعزل الدواب المصابة ومراقبة الأسواق في أنحاء الوطن كافة مراقبة صارمة، كما دعا للقيام فوراً بحملة توعية شاملة لشرح خطورة الوباء وطرق الوقاية منه .

وطالب الحزب منظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية المتخصصة أن تهب لمساعدة موريتانيا من أجل القضاء على هذا الوباء الخطير .

كما طالبت أحزاب عدة أخرى بينها “الصواب” و”حاتم”، السلطات ببذل الجهود كافة للتخفيف من أضرار الوباء على السكان والثروة الحيوانية للبلاد .

وأعلنت الحكومة عن أن الوباء أصبح تحت السيطرة وأنها اتخذت الإجراءات كافة اللازمة لمحاصرته، كما دعت السكان للاطمئنان، وطالبت سكان المناطق المنكوبة بالامتناع عن تناول اللحوم والألبان غير المعقمة في انتظار القضاء على الوباء، كما أرسلت بعثة وزارية لتقصي الحقائق، وأوفدت بعثات طبية لتلقيح الثروة الحيوانية في المنطقة وتوعية السكان . وباشرت تعقيم المناطق المنكوبة ورشها بالمبيدات .

واتهمت السلطات على لسان وزير الصحة الشيخ ولد حرمة ولد ببانا وسائل الإعلام بترويع المواطنين وتضخيم حجم الوباء، ورد على الاتهامات الموجهة للحكومة حول نقص المخابر والبنية الصحية في الداخل، بالقول إن هذه الوضعية هي تراكم لميراث الأنظمة السابقة .

وطالب باسم الحكومة سكان الداخل بالاندماج في تجمعات سكنية كبيرة، حتى تتمكن الحكومة من تقديم الخدمات العمومية لهم، مؤكداً استحالة تعميم الخدمات الحكومية على التجمعات السكانية الحالية التي لا تتجاوز في بعض الأحيان أربع أسر .

هي إذاً موريتانيا بين “حمى” البرلمان والحوار و”ويكيليكس” و”الوادي المتصدع” . . وأشياء أخرى . لكن من قال إن “رمال الصحراء” لا تتحمل كل ذلك .

نقلا عن الخليج