مشاهدة النسخة كاملة : ماذا نفعل بهذه «السلطة»؟!


أبو فاطمة
12-09-2010, 03:10 PM
ماذا نفعل بهذه «السلطة»؟!

عريب الرنتاوي
ها هي واشنطن تنفض يدها من مهمة "تجميد الاستيطان"، وتوقف جهودها الرامية استئناف المفاوضات المباشرة من دون أن تشير بإصبع الاتهام ل"إسرائيل" بوصفها المسؤولة عن تعطيل هذه المحاولة، بخلاف ما حدث في كامب ديفيد قبل عشرة أعوام، عندما قامت الدنيا ولم تقعد ضد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
إنْ أخلص الرئيس محمود عباس لوعوده وتهديداته، فإن من المفترض أن نشهد في قادمات الأيام، تنحيه عن السلطة، أو شروعه في حلها، لكننا على الأرجح، سنراه يتوجه إلى "اللجنة التنفيذية" و"لجنة المتابعة العربية" اللتين ستعاوداننا بدورهما "التأكيد على قراراتهما السابقة"، والدخول في مرحلة جديدة من "بازار المفاوضات والمساومات"، ليبقى الحال على حاله، فتواصل "إسرائيل" قضمها للأرض والحقوق، ونواصل نحن حفلات "الزعيق والنعيق" ولطم الخدود، وتواصل حكومة تصريف الأعمال، بناء مؤسسات "الدولة العظمى" تحت جلد الاحتلال، وبرغم أنفه؟.
قادة فتح والسلطة تولوا هم أنفسهم الرد على الرئيس عباس، منهم من قال إن دعوته لحل السلطة أخرجت من سياقها، ومنهم من قال إنها غير مطروحة على الطاولة، ومنهم من وصفها بـ"الخطوة الانتحارية" إلى غير ما هنالك من توصيفات تحمل في طيّاتها "رؤى" هؤلاء لمستقبل الحركة الوطنية ومصائر المشروع الوطني الفلسطيني.
على أية حال، فإن انحباس عملية السلام، ووصولها إلى طريق مسدود باعتراف واشنطن التي رفعت مؤخراً "الراية البيضاء"، يملي النظر في مستقبل السلطة ووجودها، فإن لم يكن "الحل هو الحل"، فلا أقل من إعادة النظر في "تعريف" السلطة وتحديد وظائفها وإعادة موضعة دورها في "النظام السياسي" الفلسطيني، بل وإعادة تحديد علاقتها مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي هذا السياق، نقترح استراتيبجية فلسطينية جديدة، تقوم على "تقزيم" السلطة، أو بالأحرى إعادتها إلى حجمها الطبيعي، وسحب صلاحياتها، وتحويلها إلى ما يشبه الإدارة البلدية المعنية بتصريف حياة المواطنين اليومية، والاعتناء بأمنهم ومعاشهم وتعليمهم وصحتهم وتنقلهم، فلا حاجة بنا لوزارة خارجية ولا لوزارة داخلية ولا لأجهزة مخابرات وأمن، كل ما نحتاجه قوة شرطية تنظم السير والمرور وتلقي القبض على السرّاق وتمنع التعديات على الممتلكات الخاصة والعامة.
وتفترض الاستراتيجية المقترحة، إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وفتح نوافذها وبوابتها لإعادة هيكلة شاملة، بحيث تستحق اسمها ووصفها، وضم مختلف القوى إلى صفوفها، والتخلص من كثير من المومياءات التي تثقل حركتها، وضرب "رؤوس الجسور" التي نجح الخصوم في بنائها داخل صفوف هيئاتها القيادية، بما في ذلك لجنتها التنفيذية.
ولأنها الممثل الشرعي الوحيد، فإن إعادة العلاقة بين المنظمة والشتات عبر إعادة بناء المنظمات الشعبية وتفعيل دورها، تبدو مهمة ملحّة ومقدمة على ما عداها، كما يجب أن ترتبط بالمنظمة دون سواها، المسؤولية عن إدارة ملفات الأمن والمقاومة والدفاع والسياسة الخارجية وتعزيز الصمود والعلاقات الدولية والعربية، إلى غير ما هناك من مهمات وسلطات، تخلت المنظمة عنها طواعية، لصالح سلطة انتقالية، خاضعة للاحتلال، ولا يبدو أنها تتجه لأن تصبح دولة مستقلة ومجسدة للمشروع الوطني الفلسطيني.
قد لا يكون حل السلطة مطلباً شعبياً بوجود 170 ألف موظف، واعتماد أزيد من نصف سكان الضفة الغربية على السلطة ورواتب موظفيها وموازناتها وإنفاقها، وإن كان هذا الأمر صحيحاً، فإن الحاجة الماسة تقتضي، ومن باب أضعف الإيمان، إعادة النظر في موقع السلطة ومكانتها في الحركة الوطنية الفلسطينية، ولا أحسب أن أحداً في العالم العربي أو المجتمع الدولي، أو حتى "إسرائيل" سيقبل ترك الفلسطينيين للجوع والبطالة والعوز، ليس حباً بالفلسطينيين أو كرمى لعيونهم، ولكن حرصاً على أمن "إسرائيل" واستقرارها.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين وضع الضفة الغربية وقطاع غزة، فالسلطة في غزة يمكن أن تتعزز، وأن تنفتح لمشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.
صحيح أن الاحتلال الإسرائيلي للقطاع لم ينته - قانونياً ورسمياً – و"إسرائيل" ما زالت مسؤولة عن القطاع بموجب القانون الدولي، لكن الصحيح كذلك، أن الاحتلال في هذه البقعة من فلسطين، يتخذ شكل "الحصار والعدوان والعقوبات الجماعية"، بخلاف الضفة التي تخضع فضلاً عن كل هذا وذاك، إلى الاحتلال العسكري المباشر والتوسع الاستيطان المبدد للحقوق والأراضي والمستقبل.
انتهى مشوار "دولتين لشعبين"، وبلغت عملية السلام حائطاً مسدوداً، ومن دون أن نواصل الكذب على أنفسنا، يجب أن نتصرف بوحي من هذه الحقائق، وأن نجري المراجعات المطلوبة، وأولى هذه المراجعات تبدأ بتفعيل الشعار الوطني الناظم لحركة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات: رفع كلفة الاحتلال، الذي اعترف الرئيس عباس نفسه، بأنه لم يعد مكلفاً.
وأولى موجبات هذا الشعار ومندرجاته، تتجلى في حل السلطة أو إعادة تعريفها، للتخلص من أعبائها من جهة، ولتقليص الاعتمادية الفلسطينية على "إسرائيل" ومجتمع المانحين، ولفتح أفق جديد لمقاومة فلسطينية رشيدة، بعد أن ثبت بأن السلطة والمقاومة لا تجتمعان، وأن انتزاع الحقوق الوطنية يوجب توسيع مساحة المقاومة بأشكالها المختلفة، وتقليص مساحة السلطة بامتيازاتها وفسادها و"خرابها"، فهل نحن فاعلون؟.

نقلا عن المركز الفلسطيني