مشاهدة النسخة كاملة : اغتيال النشيد


أبو فاطمة
02-03-2010, 09:50 AM
اغتيال النشيد



بقلم: مولاي عبد الله

بوائق الساسة الموريتانيين لا تؤمن، ومفاجآتهم التي تصيبك بالغضب والغثيان ما للنفس على ألفتها يدان .

في كل يوم تجلس الأغلبية "المتغلبة" حول طاولاتها الخشبية نودع حلما كنا نحلم به ، ونوطن أفواه العقول على حنظل الرأي الخطل ..هي عادة دأبنا عليها حتى امتلأت قلوبنا قيحا ، وحتى أدمن رجاؤنا منهم خيبة الأمل فيهم ، و هي عادة دأبوا هم ـ كذلك ـ عليها حتى ما تقدر آراؤهم على مفاصلتها تولها بها وغراما ، ولم تفارق حليمة قط عادتها القديمة ، ويبدو أنه ما لحليمة في ذلك من رغبة.

" الأيام التفكيرية..الأيام التشاورية ..منتديات الديمقراطية" كلمات سمعتها وسمعتها كرتين حتى كرهتها ملء القلب والدماغ ، لا كرها للتشاور والحوار أصالة ولكن كرها لهذه النسخ الهجينة منه ومقتا لتلك اللقاءات البئيسة التي " تتورش" (إن صح الاشتقاق) بها " الأغلبيات" السياسية في بلادنا كلما أرادت تثبيت انقلاب على سلطة أوانقلابا على ثوابت، وما هي في حقيقتها إلا لقاءات تنتمي لعالم الظاهر الزائف وللباطن عالمه الحقيقي .


توصية بانقلاب...
توصايات الأغلبيات في بلادنا كالأغلبيات ذاتها "لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد" كشكول من الغرائب والعجائب ، ضغث من الآراء والوصايا فيها السمين الثمين إلى حد التوصية بمحاربة ظاهرة الترحال السياسي ( عمل بلا نية ؛ فما يريد السياسي الرحالة بالفطرة أن يغالب فطرته ، لكنه الانتحار في أسمى صوره وأكذب دوافعه ) وفيها الهزيل الشديد الهزال إلى حد التوصية بالانقلاب على رموز الشعب ، لا لسبب وطني ولا لداعي مصلحة راجحة ولا لحاجة ظاهرة أو ضرورة قاهرة ، إلا حاجة في نفوس الأغلبية وضرورة من ضروراتها وما أكثرها من ضرورات وحاجات.

هي إذا توصية بانقلاب لا وطني على النشيد الوطني ؛ النشيد الذي ألفه الشعب وتغنى بكلماته ومضامينه المنتمية إلى ثقافته انتماء الشيء إلى ذاته .

لقد أصبحت"كن للإله ناصرا"ذات فجأة عبئا ثقيلا على البرنامج السياسي ـ وربما الثقافي ـ للأغلبية "المتغلبة" في البلاد ، فدفعتها حكومتها ـ لا حكمتها ـ ومصالحها (التي تدور مع الطاعة وجودا وعدما) لا مصالح البلد إلى الدعوة ـ لاغتيال النشيد.


ميتافيزيقا التوصية
هناك سؤال أساسي يجب طرحه الآن.. لماذا أصبح النشيد الوطني عبئا على البرنامج السياسي للأغلبية ؟ بعبارة أخرى..ماذا وراء هذه التوصية؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نذكر القارئ الكريم أن لحكام موريتانيا الجدد رؤية سياسية يسمونها "موريتانيا الجديدة"..وهي رؤية تمتطي "الثورة"(عسى أن لا تكون زوجة الثور) على الواقع السياسي بثوابته ومتغيراته ، وتعلن الحرب بذلك على "موريتانيا القديمة" ساسة (إن كانوا معارضين) وسياسة (إن كانت عائداتها الدعائية والشعبية لا تعود على السلطة).

لدى هؤلاء الحكام أيضا خصوم سلفيون متشددون يخطفون الرعايا الأجانب شعارهم "الدم الدم والهدم الهدم" وهم بشكل أو بآخر يعتنقون أفكار النشيد ـ محرفة ـ بعنف ويطبقونها بعنف ؛ فهؤلاء الحكام ـ حسب رأيهم ـ لم ينصروا الله ، ولم ينكروا المنكر ، ولم يدوروا مع الحق ، ولم يسلكوا سبيل المصطفى ، وابتدعوا في الدين..الخ وهم بذلك حكام مرتدون وجب قتالهم ومنابذتهم.

لهؤلاء الحكام أيضا طموح إلى ترميم العلاقات الخارجية التي تصدعت أساطينها وكادت جدرانها أن تنقض بعد أن حاصرهم العالم الخارجي طيلة عام تقريبا أي مدة الانقلاب على الرئيس السابق ، فماذا يكون لو طالب أحد الرؤساء الغربيين مثلا بترجمة معاني النشيد الوطني في حضرة رئيس البلاد ؟ هل يملك الوفد الوطني حينها الشجاعة الكافية للدفاع عن النشيد الوطني؟ من ذا النظام بحكومته وأغلبيته سيقول لساركوزي (الذي قتل بعض مواطنيه في ألاك)أو ثاباتيرو أو برلسكوني (الذين خطف بعض مواطنيهما من الأرض الموريتانية) أو أوباما (الذي قتل أحد مواطنيه في لكصر) أو غيرهم من سادة العالم من ذا سيقول لهم بجنان ثابت ولسان منطلق : هذا نشيدنا الوطني ونحن نعتز به وإنه من أصحاب التشدد والتكفير براء ، من ذا سيقولها؟ وأيهم الذي سيجيب لو احتج عليه زعيم غربي علماني يمقت الدين جملة وتفصيلا بأن النشيد ديني يجب تغييره؟ ألم يفصلوا لحن النشيد عن كلماته أصلا لأنهم أضعف من تحمل مسؤوليات تلك الكلمات أمام الآخرين؟ أين ينشد النشيد الوطني فعلا خارج المدارس الابتدائية؟ هل يحفظون النشيد الوطني أصلا؟


الثور الأبيض..
تزداد المشكلة تعقيدا وتفاقما حينما نعي أنه قد لا تقف إحراجات الأغلبية السياسية الجديدة عند النشيد الوطني ـ الذي تحول بقدرة قادر إلى عقبة في وجه التنمية ومحاربة الفساد ـ بل قد تتعداه إلى كل ما يتقاطع معه في المضامين والمعاني من رموز الدولة الأخرى ، ولعنا قد نصبح بعد قليل ننتمي إلى دولة "جديدة" تسمى "الجمهورية الموريتانية العربية الإقريقية " أو إلى " الجمهورية الإفريقية الشعبية الموريتانية" أو إلى غير ذلك من الأسماء والمسميات التي تقضي على إسلامية اسم الدولة .

علينا أن لا نغفل أيضا أن المطالبة بتغيير النشيد الوطني ستكون المركب السهل لتغييرات كبيرة في الدستور لا نعرف كنهها وطبيعتها ولا مآلها وغايتها.

إنهم يتحرقون لتغيير دستوري جديد ـ وهو ما لا أرفضه في الأصل ـ دون أن يكون صادرا عن إجماع وطني .


معاذير لا تقنع الأطفال
في سبيل اغتيال النشيد بدأت الأغلبية السياسية تنقر ناقورها وتلقي معاذيرها ولا تضيع فرصة للغمز فيه واللمز ، مدعية أنه نشيد غير وطني ولا يمت للوطن والوطنية بصلة وأن "الأناشيد الوطنية" يجب أن تتغنى بالوطن ذاته وأن تدعو إلى حمايته والدفاع عنه ، ليت شعري ألم يدعو الدستور ـ وهو أعلى من النشيد ـ إلى ذلك قبل ذلك ؟ فأين هو التزامهم بالدستور وقد شرحوا جثته وخرقوا جبته في "منتدياتهم الديمقراطية" و"كتائبهم البرلمانية" وفي مواقف لا تحصى ولا تحصر؟ إنها معاذير لا تقنع الأطفال الصغار بل أكاد أجزم أنها لا تقنع أصحابها أحرى أن تقنع غيرهم.

ثم ما هي المعاني التي لا تخدم الوطن في النشيد ؟ أليست الدعوة إلى الالتزام بمنهج المصطفى صلى الله عليه وسلم باعتدال ووسطية هي حصن الشعب والوطن؟ لقد قرع النشيد الوطني هؤلاء ورد عليهم من قبل فــــ:

قد زعموا مزاعـما ** وســودوا دفـــــاترا
واحتنكوا أهل الفلا ** واحتنكوا الحواضرا
وأورثت أكـــــابر ** بدعتها أصــــــــــاغرا

أيها السادة الكرام دعوا النشيد في سلام ؛ فليس هو مصدر الفساد ولا مصدر الفقر ولا مصدر الإرهاب ، دعوا النشيد ملء الحناجر والقلوب ، لا تكلفوه هم أسباب المشاكل الحقيقية وتتركوها ، مسكين هو النشيد الوطني "طريد جنايات" لم يجنها "كذي العر يكوى غيره وهو راتع" أيها السادة الكرام صححوا خلل البوصلة إن كنتم دعاة "تصحيح".

دعوا لنا نشيدنا ** "كن للإله ناصرا"
"فما كفى أولنا ** أليس يكفي الآخرا؟"

نقلا عن الأخبار