مشاهدة النسخة كاملة : عشرية الديمقراطية العرجاء !!


أبوسمية
12-05-2010, 04:30 PM
عشرية الديمقراطية العرجاء !!

خرج نظام ولد الطايع منهكا من سلسلة من الأزمات توالت عليه في السنوات 1987-1990 ففي هذه السنوات الثلاثة كانت هناك عدة اعتقالات نتيجة لاتهام النظام لمجموعات مختلفة بمحاولات انقلابية مشكوك في بعضها علي الأقل وهكذا جرت الاعتقالات الشهيرة التي طالت المجموعة الزنجية وما تلا ذلك من تصفيات جسدية بدون محاكمة وفي يوم ذكري الاستقلال الوطني فيما عرف بمجزرة "انال" .
كما طالت الاعتقالات أيضا القوميين العرب وتم تسريح مجموعات كبيرة من الضباط القوميين بتهمة مماثلة وفي الفترة نفسها وبالتحديد في رمضان سنة1989 حدثت الأزمة الخطيرة والفتنة العظيمة التي أحدثت شرخا خطيرا في جدار الوحدة الوطنية وهو جرح غائر مازال لم يندمل بعد بصفة كاملة إلي غير ذلك من الأزمات والهزات العنيفة التي واجهت النظام آنذاك داخليا. أما علي المستوي الخارجي فلم يكن الأمر أحسن حالا حيث عاشت العلاقات الخارجية للبلد آنذاك وضعية مضطربة ومرتبكة فمن وصول العلاقات بين موريتانيا وبعض جيرانها إلي حافة الحرب كما وقع مع السينغال إلي التنكر للحليف الاستراتيجي الوحيد الذي وقف مع النظام في مواجهة أزمة 1989الا وهو العراق الذي حاول النظام أن يرد له الجميل في حرب الخليج الأولي1990 ولكن بمجرد خروج العراق مهزوما من تلك الحرب تنكر له صاحبنا وأدار له الظهر تماما وتحولت العلاقة فجأة من تحالف وتعاون إلي عداء وقطع علاقات دبلوماسية لتحل محلها لاحقا علاقات مع الكيان الصهيوني البغيض.
كل تلك الأحداث إضافة إلي مؤتمر "لابول" ودعوته الأفارقة لتبني النظام الديمقراطي-كل ذلك جعل ولد الطائع يستدير في اتجاهات متعددة فقد التقط الخيط من خطاب ميتران في لابول وأعلن عن تبني مسلسل ديمقراطي تبين فيما بعد أنه مجرد لعبة لتطويل عمره في السلطة كما أنه أيضا استدار استدارة أخري وولي وجهه شطر الأمريكان متوسلا بمن لا ترد شفاعته عندهم وهو الكيان المغتصب في فلسطين في محاولة منه للتغلب علي مخلفات الأزمات المتلاحقة التي ذكرنا أمثلة منها لاسيما وأن نشطاء حقوق الإنسان كانوا قد ضيقوا عليه الخناق في أوروبا مما حتم عليه التفكير في إيجاد بديل يحمي له ظهره من غوائل الزمن
ديمقراطية الريموت كونترول نتيجة لكل تلك العوامل السابقة وغيرها.
بادر الرئيس السابق معاوية ولد الطائع إلي الإعلان عن دستور جديد تم الاستفتاء عليه 20يوليو1991 وللأمانة فهذا الدستور ليس سيئا في حد ذاته بل انه لو طبق لكان الحال علي غير ماهو عليه ولكنه بقي مجرد حبر علي ورق وبقي النظام شبه عسكري وبقيت الديمقراطية مجرد شعار تستجلب به التمويلات ويذر رماده في عيون المشاغبين من السياسيين الذين يحلمون بالحرية والعدالة والمساواة وإذا لم تصب عيون بعضهم بالرمد وضبابية الرؤية جراء ذلك فان السجون والمنافي كانت لهم بالمرصاد وهكذا ظلت العلاقة بين النظام والأطراف السياسية التي لم تدر في فلكه بصفة كاملة - ظلت في الأغلب علاقات متوترة بنسبة ترتفع وتنخفض تبعا لدرجة شعور ولد الطائع بالأمان علي حكمه من جهة وتبعا لدرجة وضوح الرؤية والتعافي من أثار ذر الرماد في عيون السياسيين.
من جهة أخري فعندما يشعر النظام بأدني مستوي من التهديد لسلطته فانه مستعد للذهاب إلي أبعد الحدود ولو تطلب الأمر حل الأحزاب ومصادرة الصحف وإغلاقها واعتقال السياسيين والصحفيين وإغلاق السفارات وطرد الدبلوماسيين وتكميم أفواه الأئمة والخطباء والدعاة والأمثلة علي كل ذلك واضحة لا نطيل بذكرها .
أما بالنسبة للأطراف السياسية المعارضة فإنها تارة تتخيل أن النظام لديه مستوي من التفهم وسعة الصدر يمكن التعامل معه حتى ولو كان من باب السكوت علي المنكرات السياسية الشنيعة والتغاضي عن الفساد المتنوع المطرد الذي شمل مختلف مناحي الحياة وكان لسان حالهم في ذلك يقول من خدعنا بالديمقراطية انخدعنا له وهكذا ظلوا تارة يشاركون في المسلسل الانتخابي كما في رئاسيات 1992ونيابيات 1996 وتارة يقاطعون كما فعلوا في نيابيات وبلديات 1994 ورئاسيات1997 ثم عادوا وشاركوا في انتخابات 2001 وربما يكون هذا الاضطراب غير المبرر قد أسهم كثيرا في ضعف المعارضة وتناقص شعبيتها من بين أسباب أخري كتغول النظام واستخدامه لمختلف أساليب الترغيب والترهيب لجعل الجميع يدور في فلكه خوفا أو طمعا مستخدما في ذلك إمكانيات الدولة المختلفة في وجه معارضة تنهكها الضربات الأمنية والهزات السياسية والصراعات المتحكمة حني وصل الأمر في النهاية إلي حد أصبح معه النظام لا يعبا بالمعارضة فمن أراد السلامة منها فان عليه أن يلتحق بالركب وإلا فان القافلة تسير والكلاب تنبح الانتخابات والاعتقالات.
ونتيجة لهذا الضعف الذي وصلت إليه المعارضة أصبح ولد الطائع يتسلي بالاعتقالات يعتقل من شاء متي شاء فلا تكاد تمر سنة إلا وفيها اعتقالات ومحاكمات مما حدا ببعض الكتاب آنذاك أن يكتب ساخرا من كثرة الاعتقالات قائلا إنها أصبحت بمثابة موسم تجاري سنوي لعل الرئيس أراد من ورائه إحياء لعادة الجلابة عند الأجداد الذين يسوقون سنويا بعضا من مواشيهم ليبيعوه كوسيلة وحيدة للحصول علي المال اللازم لشراء مؤن السنة في انتظار موسم جلابة جديد والأمثلة علي مسلسل الاعتقالات هذا كثيرة ففي سنة1994 غدر النظام بالإسلاميين وشن في أوساطهم حملة اعتقالات واسعة لم تستثني حني الجناح الذين كان منخرطا في الحزب الجمهوري كما أغلقت آنذاك كثير من المؤسسات الثقافية والدعوية والخيرية التي كانت تخدم المجتمع حني المؤسسات التي كان يقوم عليها رجال ليسوا معارضين بحال من الأحوال بل إنهم كانوا دائما يدورون مع السلطان.
حيث دار والمثال الحي علي ذلك الجمعية الثقافية الإسلامية وإضافة إلي ذلك فانه لم يسمح لأي من مكونات التيار الإسلامي بإنشاء إطار سياسي يعبرون من خلاله عن مواقفهم وآرائهم وهكذا وئد مشروع الجبهة الإسلامية ومنع الترخيص لحزب الآمة مما جعل العلاقة بين الإسلاميين والسلطة القائمة تتميز بالتوتر شبه الدائم علي الرغم من امتناعهم عن استخدام العنف مهما مورس عليهم من الظلم والاضطهاد علي أن مسلسل الاعتقالات هذا لم يكد يسلم منه أي فصيل سياسي في البلد ففي سنة 1995 اعتقل البعثيون إضافة إلي قادة المعارضة الذين زج بهم في سجن ومديد الموحش وفي سنة 1997 جاء الدور علي الناصريين ومسعود ولد بلخير فيما عرف بقضية الفيلم المتعلق بالعبودية والذي صورته البي بي سي واتهم أولائك بالتعاون معها في ذلك ثم جاءت اعتقالات 1998 والتي عرفت بقضية النفايات وفي السنة الموالية 1999 اعتقل الإسلاميون من جديد في أعقاب تجمع الأقصي الذي أقاموه تضامنا مع الاقصي الشريف وهكذا يمكن القول إن العقد الأخير من الألفية الماضية في موريتانيا قد تميز بتبادل غريب بين حلقات مسلسلين غريبين تميزا برداءة الإخراج وكل المؤثرات المحيطة بمختلف مراحل الإنتاج والمونتاج أما احدهما فهو ما يمكن أن نطلق عليه مسلسل الانتخابات المشكوك في نزاهتها علي اقل تقدير وقد بثت حلقات هذا المسلسل في السنوات 1992و1994و1996و1997و1999.
وأما الثاني فهو مسلسل الاعتقالات العشوائية غير المقنعة وقد جرت أحداث هذا المسلسل في سنوات 1994و1995و1997و1998و1999وربما يكون من بين الأهداف المرجوة من بث هذين المسلسلين آنذاك هو إشغال الناس بصفة دائمة ففي سنة يشتغلون بمشاهدة مسلسل الانتخابات.
وفي سنة أخري يتابعون مسلسل الاعتقالات وربما يجدون أنفسهم مجبرين علي متابعة المسلسلين في سنة واحدة كما حدث في سنة1994وهكذا ظل المواطن المسكين مشدود الذهن مشتته لا ينتهي من مشاهدة حلقة من مسلسل الانتخابات إلا وفاجأته بعدها حلقة من مسلسل الاعتقالات حني نسي همومه اليومية ومشاكله الملحة وأصبح يضع يده علي قلبه خوفا علي مصير البلد وكيانه الذي أصبح مرتبطا في أذهان الكثيرين بمصير النظام القائم الحروب الوهمية والحملات الموسمية من السمات البارزة لنظام ولد الطائع تبنيه لحملات موسمية تسخر لها مختلف وسائل الدولة المادية والبشرية وتصبح تلك الحملة هي محور سياسة الدولة لفترة ثم ما يلبث أن يتضح أن كل ذلك كان سرابا بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتي إذا جاءه لم يجده شيئا.

نقلا عن الأخبار