مشاهدة النسخة كاملة : الإدارة اليابانية معجزة العصر كيف ولماذا؟ { الجزء الأول }


البتول بنت عبد الحي
12-05-2010, 12:30 PM
بحث تحت عنوان
الإدارة اليابانية معجزة العصر
كيف ولماذا؟

إعداد البتول بنت عبد الحي/ المفتشة المكلفة بالتعليم الأساسي

مدخــــل :
الإدارة كلمة ذات معان متعددة لغويا واصطلاحيا فهي من الناحية اللغوية مصدر للمرة من فعل أدار الشيء أي جعله يدور دورانا وإدارة .أودوره جعله دائريا (1) ، أما في الاصطلاح فيمكن أن يعبر بها عن حقل من حقول المعرفة (علم الإدارة )ويمكن أن يعبر بها عن نشاط أو ممارسة يقوم بها الفرد(أدار اجتماعا ) أو مهنة من المهن أو حتى مجموعة مهنية تقوم بعمل في مؤسسة معينة ( إدارة مؤسسة أو مؤسسات )(2)
لكن ما نعنيه هنا تحديدا في هذا العرض الموجز هو الممارسة التي يقوم بها شخص أو أشخاص بحكم موقعهم في قيادة هيئة منظمة (منشأة صناعية أو تجارية أو تعليمية ...)استعانة بموارد متاحة للتخطيط والتنظيم والقيادة والرقابة والتقويم قصد الوصول إلى هدف معين تسعى الهيئة للوصول إليه من خلال حسن استغلالها:
- للموارد البشرية
- الموارد المالية
- الموارد المعلوماتية
- موارد الوقت( 3)
والذي يعنينا هنا أكثر هو الإدارة في مكان معين هو اليابان وبأسلوب معين هو أسلوب الإدارة اليابانية للمؤسسات الصناعية بمفهوم الصناعة الواسع سواء أكان ما تنتجه سيارة أم إنسانا ، فالمدرسة - مثلا -مؤسسة لها مدخلات هي البرامج والكتب ولها مخرجات هم التلاميذ... تماما كما المصنع.
لكن قبل أن نصوب سهمنا نحو التجربة اليابانية في مجال الإدارة لابد أن نمر سريعا بمراحل تطور الفكر الإداري المعاصر واتجاهاته عبر القرنين الفارط والحالي لنرى أين تتنزل الإدارة اليابانية ضمن سياق نظريات الفكر الإداري .
لقد مرت عملية ممارسة الإدارة عبر الزمن بمحطات تأثرت في كل منها بالفكر السائد في حقبتها متأرجحة بين الفن والعلم ، إلا أن ملامحها كعلم مستقل لم تبرز إلا مع عصر الثورة الصناعية وخصوصا في أواخر القرن 19حيث كان لانتشار المؤسسات الصناعية الكبرى أكبر الأثر في خلق حاجة ماسة لإدارة واعية وفعالة تدرك تحديات السوق وترقى لمستوى المنافسة التي لا ترحم مما يتطلب خبرات متعددة متعلقة بالإنتاج وإمكانات السوق وطرق التسويق .

زيادة على الخبرة في مجال تسيير الموارد البشرية بدأ باختيار العمالة المدربة الكفوؤة وتصميم برامج تأهيلها في وسط متحرك يمتاز بالمنافسة والتحدي ، كل ذلك –إذا- أسهم في تسريع وتيرة تطور الاهتمام بالممارسة الإدارية بوصفها المحرك والقلب النابض في جسم أي منشأة أو مؤسسة ، فازداد الاهتمام بالدراسات الإدارية وتركز الاهتمام في هذه المرحلة على ما يضمن حصاد أكثر ربح بأقل تكلفة ،ومن خلال هذه الدراسات المطورة التي تهافت الغرب وتلامذته في بقية أنحاء المعمورة على الاستثمار فيها ظهرت كثير من التجارب المطورة والناجعة أحيانا كثيرة ، لكن من أكثرها تميزا وجدوائية هو ما سمى بالمعجزة اليابانية التي طورت النظريات والأفكار السابقة بل وطوعتها في أسلوب عملي بسيط سنسلط عليه الضوء في السياق التالي : .
فمنذ بداية الثورة الصناعية- في أربا – ظهرت اتجاهات إدارية يجمعها هدف واحد هو البحث عن أفضل طريق لأكبر إنتاج بأكبر قدر من الربح وبأقل تكلفة وأقصر وقت ، لكن رؤيتهم لوسائل تحقيق هذا الهدف تختلف من تيار لآخر حسب اختلاف المنطلقات الفكرية والتجارب العملية والمرجعيات التاريخية لهم فبنما يرى البعض أن تحقيق الأهداف السابقة الذكر يمكن فقط من خلال تبني نظريات ما يسمى بالإدارة التقليدية سواء العلمية أو التقسيمية أو البيروقراطية التي تعطي الأولوية للإنتاج نفسه مع كل من (تايلور الأمريكي 1956-1915 وفايول الفرنسي1821-1925- وماكس افيبر الألماني1864-1920 ) يعتمد آخرون نظريات العلاقات الإنسانية كعامل هام في زيادة الإنتاج وتحسين الجودة والأهم من ذلك ضمان استمرار تدفق الإنتاج واندفاع العاملين بفاعلية وحماس تجاه العمل، ومن الذين نادوا بهذا الرأي ماركريت فليت الأمريكية.
وهناك اتجاه ثالث نادى بأهمية الرضى الوظيفي وجعله هو العامل الأهم في زيادة الإنتاجية فالحوافز بالنسبة له لا تمثل إلا الجزء غير الأهم في مجموعة المحفزات التي يضعون على رأسها تلبية الحاجات النفسية والاجتماعية للعامل والتفاعل معه إلى جانب تلبية الحاجات المادية- طبعا -ويدللون على هذه النظرية بأن العامل الذي يشعر بالرضى الوظيفي قد يتطوع بماله لصالح المؤسسة إن أحس أنها تتعرض لخطر وقد وقع هذا فعلا في بعض المؤسسات إبان أزمة 1929 ومن المنادين بهذا الرأي التون مايو الآمريكي ،
وهناك اتجاه رابع يرى أن زيادة الإنتاج وتحسينه ورفع مردود يته تتطلب تضافر العوامل كلها مجتمعة لابعضها فهي تحتاج لقوة التنظيم الإداري وصرامته كما تحتاج لرفع الجوانب المعنوية في شخصية العامل واحترام مشاعره واتجاهاته ، ومن المهم - حسب هذا الاتجاه – أن نجمع بين إيجابيات كل هذه النظريات والرؤى من أجل تحقيق الهدف ، مع الابتعاد عن الأحكام المسبقة والتقليد، فكلما يحقق نجاحا في الهدف يعتبر طريقة مقبولة وضمن هذا الفريق- رغم اتساع الطيف المشكل له- تتنزل الإدارة اليابانية الحديثة ونظرتها لإدارة الأعمال .
لقد بهرت التجربة اليابانية في مجال الإدارة العالم وأثارت اهتمامه وانتباه باحثيه لعدة عوامل منها ما هو خارجي على التجربة :
- وضع اليابان التعس في نهاية الحرب العالمية الثانية والضرر الشامل الذي أصابه من جراء القنبلتين الذريتين عام 1945م الشيء الذي يعيق جهود التنمية بالضرورة ، والمفاجئة أن اليابان قد استطاعت رغم الخطب الجلل الذي ألم بها ، القفز على جراحها وكسب الرهان في فترة قياسية، علما بأن دولا أكثر منها موارد وأعتق منها في أساليب الحكم وأرسخ قدما في التقدم والتكنولوجي وأكثر تموقعا استراتيجيا ،وأحسن ظروفا في تلك الفترة (الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية و بعض الدول العربية ) لم تستطع بلوغ شأوها رغم فارق الظروف المسجل لصالح تلك الدول .
- صغر المساحة الجغرافية و قساوة الظروف الطبيعية كالرياح الشديدة وكثرة الزلازل و قلة الموارد الطبيعية وصغر المساحة القابلة للزراعة .
إن كل هذه المحددات تطرح تساؤلا حقيقيا حول سر نجاح التجربة اليابانية المحاطة بكل هذه الظروف المعيقة فماهو هذا لسر إذا ؟
رغم الدراسات التي قيم بها حول هذه التجربة فلم يتحدد بعد سبب أو عامل رئيسي يمكن اعتباره مسئولا لوحده عن نجاحها، ومع ذلك فهناك شبه إجماع بين من بحثوا أو كتبوا عن هذه التجربة على أن أسلوب وفلسفة الإدارة اليابانية يمكن أن يكونا وراء تميز التجربة فعلا .
وتتفرع عن هذا الطرح فرضيتان تتردد على السنة المهتمين بتفسير هذه الظاهرة
أولاهما : تجعل سر القضية ومكمنها في انتهاج اليابان سياسة تعليمية موجهة بحيث تضمن إنتاج فرد بمواصفات محددة قادرة على تحقيق أهداف مرسومة ومتابعة ذلك حتى يبلغ مداه فكانت النتيجة هي ما أفاق عليه العالم من تقدم في فترة وجيزة مقارنة بشعوب بدأت معها بمقدمات متقاربة واختلفت معها في النتائج اختلافا جوهريا إن لم نقل كليا .
ثانيهما .تجعل سر هذا النجاح يكمن في أسلوب الإدارة المتبع في التسيير العمومي والخصوصي للإدارة في اليابان والذي يركز في فروع الإدارة الأربع( التخطيط ، التنظيم ، القيادة ، الرقابة) على مشاركة خبرة العمال في أدني السلم لتقديم المبادرات والتوجيهات والاقتراحات والنصائح إلى الإدارة العليا بوصفهم المباشرين للعمل ولمعيقاته ومعززاته من جهة، كما أنهم هم الذين ينفذونه من جهة ثانية ، فأي الأطروحتين يا ترى ؟ يمكن أن تشكل السر في القضية ؟
إذا سلمنا جدلا بثبوت محتوى الفرضيتين على سبيل التكامل لا التمانع - وهذا وارد وممكن - لأن السياسة التعليمية الناجعة تأخذ بأسباب التعليم والتدريب على القيادة جنبا إلى جنب .
فما هي العوامل والظروف التي جعلت الإنسان في اليابان يتخطى خسارة الحرب بل ويحولها إلى نصر يقفز بهذه الجزر النائية إلى موقع ثالث أكبر إمبراطورية اقتصادية في عالم اليوم ؟
ثم ما هي المبادئ أو الأسس أو المرتكزات التي انبنت عليها هذه التجربة ؟
كيف نجحت حيث فشل آخرون ؟ ما هي إذن ملامح ومميزات الممارسة الإدارية فيها ؟
هذا ما سنحاول أن نستكشف كنهه من خلال المعالجة التالية حسب خمسة محاور هي :

1.العوامل التي أفرزت التجربة اليابانية أوساعدت في إنضاجها.
2.فلسفة الإدارة اليابانية ومبادئها .
3.نمط الإدارة اليابانية .(أمثلة)؟
4.نقاط القوة في التجربة الإدارية اليابانية ؟
5.خلاصة -----------------------------
هوامش
1-) انظر القاموس المحيط للفيروزابادي (مادة دار) وابن منظور( لسان العرب مادة دار) وبطرس البستاني في كتابه( محيط المحيط مادة دار) ط دار الفكربيروت .
2- .د. أحمد محمد الطيب د. جمعة البشتي القيادة الإبداعية وإدارة التغيير والتطوير الإدارة الاستراتيجية والتميز الإداري
أستاذ التخطيط التربوي عميد كلية إعداد المعلمين جامعة الفاتح جامعة 7 أبریل الجماهيریة العربية الليبية الشعبية الاشتراآية العظمى
3- عطوي، جودت (2001). الإدارة التعليمية والإشراف التربوي: أصولها وتطبيقاتها، الدار العلمية الدولية، عمان.

يتواصل

mushahed
12-05-2010, 12:49 PM
شكرا للاستاذة الفاضلة البتول بنت عبد الحي على اختيار شبكة مشاهد نت لنشر هذا البحث القيم ونتمنى أن يستمر هذا التواصل مع قراء الشبكة

أتمنى لكم التوفيق

ام خديجة
12-05-2010, 06:38 PM
شكرا للأستاذة المبدعة على هذا الاختيار الجيد لبحث التجربة اليابانية فى الناحية الادارية لأن علم الادارة من أهم العلوم وخصوصا في هذا العصر الذي أصبح كل شئ فيه يحتاج إلى إدارة إبتداء من الوقت والدراسة والأسرة فكيف بالأمور الأخرى .

دامت لنا ولك المسرات

تحياتي

ابو نسيبة
12-06-2010, 05:04 PM
جزيت خيرا ووقيت ضيرا

مشاركة ممتازة وضرورية وتحتاجها شبكة مشاهد نت وسيستفيد منها الأعضاء والزوار.

بارك الله فيك