مشاهدة النسخة كاملة : رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية


أبو فاطمة
12-04-2010, 03:25 PM
رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية

الأستاذ الديماني ولد محمد يحي
رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية بمناسبة خطابه في الذكرى الخمسين لعيد الاستقلال الوطني
سيدي الرئيس،
اسمحوا لي في البداية أن أوجه إليكم أحر التهانئ وأطيب التبريكات بمناسبة حلول عيد الاستقلال الوطني ، والذي صادف هذه السنة مرور خمسين سنة من الاستقلال ..
خمسون سنة تعاقب فيها على كراسي الحكم في وطننا الحبيب رؤساء عديدون وحكومات مختلفة، لا نريد في هذا الوقت أن ننهش من أعراضها لكننا في المقابل لن نعدد مزاياها إن وجدت ، لأن مثل ذلك ( الانتقاد المفرط ، والتمجيد الأعمى)، هو السبب حسب رأينا فيما نحن فيه اليوم من تأخر رغم وفرة الموارد وقلة السكان نسبيا.
سيدي الرئيس ،
لقد استمعت ، والفرحة تغمرني ، إلى خطابكم عشية الذكرى الخمسين لتخلصنا من نير الاستعمار البغيض ، وهذه مناسبة أخرى أهنئكم ـ سيادة الرئيس ـ عليها ، فقد جاء الخطاب متماسكا مبنى ومعنى وفيه من العمل البناء الشيء الكثير..
غير أنني فوجئت بعدم اهتمامكم بعبارة كانت قد وردت في بعض خطاباتكم في الدخل ،وهي عبارة، رأيت من واجبي ـ كذلك ـ تنبيهكم عليها، فقد جاءت حسب نظري خارجة عن ما ألفناه فيكم من حب كل ما يمت إلى خصوصية هذا الشعب الإسلامي العربي الافريقي بصلة ، على الأقل حسبما يوهم السياق الذي وردت فيه.
لقد ذكرتم ـ سيادة الرئيس ـ في ذلك الخطاب أن بلدنا لديه فائض من الفقهاء والشعراء وأن الذي ينقصه هو الفنيون ، هذه الفقرة من خطابكم الجميل ذلك استغربها الكثير وأنا من ضمنهم ، لذلك كنا ننتظر توضيحها في خطاب الاستقلال ، ولأننا في موريتانيا الجديدة التي " يرى عند مفضولها ما لا يرى عند فاضلها "، موريتانيا التي علمتم لنا فيها أن القائد يمكن أن يستدرك عليه، فيعتذر ويصحح أو يقنع الشعب بوجاهة ما ذهب إليه..لكل ذلك، وحتى لا أطلق العنان للكلمات فتنساب على عواهنها ، أريد أن أبدي الملاحظات التالية:
1 ـ أن العبارة وردت في سياق كلامكم عن التعليم ، وبالتالي تولد عندي تخوف من أن التعليم ، في جانبه التربوي المعرفي ، جانبه الذي يضمن للأمة المحافظة على خصوصيتها الثقافية ، بل ويمكنها من أن تصدر هذه الثقافة للآخر فتعود على مجتمعنا بعائدات أوفر من عائدات الذهب والحديد والبترول ، عائد ات لا تخشى النضوب ، إن أريد لها ذلك ، وهو النهج الذي استبشرنا خيرا عندما سمعنا خطاباتكم المنحازة لما يسعد هذا الشعب ويعلي من شأنه، أنه سيكون في أولويات المشروع المجتمعي الذي بشرتم به ، فينفض عنه غبارا طالما غلفه به افرانكفونيونا المستلبون اللاهثون وراء قشور حضارة لم يروا منها سوى بريق خطف أبصارهم فعموا وصموا عن خصوصيتهم وعن ما فيه مصلحة البلاد والعباد ،،،
تولد عندي تخوف من أن التعليم بمفهومه هذا إذن ، ليس في أولويات اهتمامكم ، بل إنكم ـ حسبما فهم من العبارة ـ تختزلونه في جانبه المهني الحرفي البحت ، ورغم أنني أقر بأهمية الكادر البشري المدرب في بناء دولة عصرية حديثة إلا أنني أخشى أن يكون ذلك على حساب النظام التربوي الأكاديمي ، خاصة أن مثل هذا الطرح تكرر على الألسن أكثر من مرة ، كما أن هناك نقطتين بارزتين تزيد من القلق على مستقبل قضيتنا الكبيرة هذه هما:
ـ تغلغل هؤلاء لفرانكفونين في مفاصل الدولة وسرعة تكيفهم مع الأنظمة وقدرتهم على بث رؤاهم المسمومة في التوجهات العامة للسلط الحاكمة ، وتجربتهم الطويلة في مثل تلك التصرفات.
ـ لا مبالات الوطنيين المخلصين ، أو عدم استشعارهم خطورة مثل هذه القضايا الكبيرة على وطنهم ، وعدم إسدائهم النصح والرأي للقادة إما نأيا بأنفسهم عن البلاط أو عدم اقتناعهم بأن نصحهم سيأخذ بعين الاعتبار على قاعدة " إن ظن الافادة " ..
ينضاف إلى ذلك بعض القرارات التي اتخذت مؤخرا والتي تزيد من وجاهة التخوف هذا ، رغم أنها في ظاهر الأمر قد تبدو وجيهة ، من هذه القرارت :
ـ فصل التكوين المهني عن قطاع التعلم قبل فترة، والاهتمام به أكثر من القطاع الأم
ـ ظهور مدارس للامتياز، وهي خطوة رغم أنها نالت اهتماما واستحسانا كبيرين من طرف غالبية الناس ، إلا أنني أرى أنها لا تخدم بشكل كبير نظامنا التربوي في الوقت الحاضر، ذلك أن مخرجات نظامنا التربوي حاليا ليست في المستوى المقبول حتى نختار منها مميزين ، وبالتالي أخشى أن يقلص دخولها في بؤرة التفكير الاهتمام الناقص أصلا بالمنظومة التربوية والتي لا غنى عنها في بناء الدول وتطورها .
سدي الرئيس،
إن الوضعية التي يعيشها التعليم منذ بعض الوقت تنذر بكارثة تفوق الكوارث التي يشهدها
العالم بين الفينة والأخرى بسبب تسرب المواد السامة من المفاعلات النووية، ذلك أن خطورة إهماله لم تجد في يوم من الأيام من يقدر حجمها على مستقبل هذا الشعب، فيتصرف وفق ما تمليه إلحاحية الموقف ومستقبل البلد بعيدا عن المزايدات الأيدـ سياسية ، فكل المحاولات السابقة إما لم تستخدم وسائل الكشف السليمة لتشخيص العلة المزمنة لنظمنا التربوي ، أو لم ترد أن تعطية الجرعة الكافية لشريانه النازف ،أو لم تشأ أن تضع الضماضات على جرحه الغائر.
2 ـ الملاحظة الثانية ـ سيادة الرئيس ـ هي أن العبارة قد يفهم منها التنقيص من ثروتنا في مجال الفقه والشعر والأدب ، وذلك من ناحيتين :
أولاهما : أن العبارة توهم بأنكم تضعون مقارنة بين خصوصيتنا الثقافية ( الفقه والشعر والأدب) ، وبين الجانب المادي الحرفي الصرف ، وهي مقارنة اعتقد أنه لا يمكن أن يفهم منها إعلاء شأن الخصوصية الثقافية تلك.
ثانيهما: أن هذا الوهم لم تزيلوه بالقدر الكافي من خلال إبراز أهمية الثقافة في بناء الدول والمحافظة على كيانها من الذوبان في الآخر، وإبراز أن الأخلاق والحس المرهف هما وسيلتا و وقود عجلة التنمية والرفاهية.
3 ـ الملاحظة الثالثة ـ سيادة الرئيس ـ أعتقد أن وقتكم الثمين لا يتسع بالقدر الكافي لقراءة ما أنوي كتابته حولها، لذلك سأكتفي بجزء بسيط منه على شكل تنبيه " نبه لها محمدا ثم نم "
سيدي الرئيس،
أريد أن ألفت كريم انتباهكم إلى حقيقة طالما أخفاها من أشرت إليهم سابقا خدمة لأسيادهم هناك ، ولم يجد الآخرون الشجاعة الكافية في إبدائها ، وهي أنه ، حتى ولو اختزلنا تنمية البلد في العائد المادي فحسب ، لكان بإمكاننا الحصول عليه من خلال الفقه والشعر والأدب وبتكلفة أقل بكثير مما يتطلبه استخراج نفائس المعادن ، ذلك أن الدورة الإنتاجية في هذا المنتج(خبراء في مجال التشريع والأدب مثلا) ،ستكون محلية بنسبة عالية على العكس من إنتاج الحديد الذي لا نتدخل إلا في بداية مراحله الإنتاجية (مرحلة الاستخراج)، وهي قاعدة اقتصادية لا اعتقد أن أحدا يجهلها .
وللتوضيح أكثر أسوق المثال التالي، لأن الرسالة قد يقرأها غيركم، من يريد أن يشيد مصنعا ما سيفكر أولا في شيئين هما المواد الأولية واليد العاملة، فكلما كانا أكثر وفرة كلما كان نجاح المصنع ممكنا.
سيدي الرئيس،
ألا ترون معي أنه يجب التركيز مستقبلا على تنمية مواهبنا في المجالات التي برعنا فيها سابقا وبالتالي من الممكن أن نبدع فيه الآن بدل التركيز على اجترار ما لاكه غيرنا ولم يعد من السهل الإبداع فيه ؟
سيدي الرئيس ،
إنما سيطور بلدنا الحبيب ، ويوصله المكانة المرموقة بين شعوب العالم ، ويؤكد عبقريتكم واختلافكم عمن سبقوكم تماما من حكام بلاد المنارة والرباط ، ويصنع فعلا قطيعة مع الماضي ، وهو إلى ذلك منسجم مع الخطوات المباركة التي قمتم بها أو تنوون ذلك في المستقبل المنظور، وتشكل" الفقرة المدسوسة إن لم أقل المسمومة " في خطابكم نشازا فيه ، هو إعادة الاعتبار لموروثنا الثقافي والتركيز على صناعته وفق النظريات الحديثة حتى يكون قطبا تنمويا يخرس أولئك الذين يريدون له أن يموت تماما أو يظل، على الأقل ، في سباته العميق داخل رفوف المكتبات الأهلية أو في صدور بعض المعتوهين حسب ما يحلو لهم قوله .
سيدي الرئيس ،
أخيرا ألفت كريم علمكم أن هذه هي أول رسالة أوجهها إلى رئيس ، وهي مناسبة أخرى أهنئكم عليها، لذلك أرجو أن أرى أثرها في سياساتنا لاحقا.
و تقبلوا أسمى آيات العرفان والتقدير و التحية.
الديماني ولد محمديحي
إطار بوزارة التعليم الثانوي والعالي

نقلا عن الأخبار