مشاهدة النسخة كاملة : شركات الاتصال في موريتانيا:أداة للتنمية أم وسيلة للنهب وتكريس التبعية


ام خديجة
12-04-2010, 12:02 PM
شركات الاتصال في موريتانيا:أداة للتنمية أم وسيلة للنهب وتكريس التبعية

http://img258.imageshack.us/img258/4806/indexphprexresize180win.jpg

حمود ولد سيخنا

يعتبر قطاع الاتصال أحد أهم ركائز التنمية وعامل أساسي لتحقيق النهوض المنشود في العصر الراهن كما يعد الآن من أبرز المجالات التي تحظى بالاهتمام من لدن الباحثين والدارسـين وذلك لما يـتـيحه من إمكانـية الاســتفـادة مـن المعلومات وتوظيفها في الكثير من مشاريع الحياة المختلفة ، وإذا كانت التجربة توحي بأن المجتمع لا يمكن أن يتطور ويتقدم دون الانفتاح على العالم والانخراط في المنظومة المعلوماتية العالمية والاندماج ضمن القرية الكونية الواحدة فإن واقع التداخل الثقافي والاندماج الاقتصادي اللذين فرضتهما العولمة أفرزا تحديات مختلفة تستوجب الانتباه أولا و التصدي لها ثانيا بحيث يتم اتخاذ تدابير وقرارات ذات دلالة و من شأنها أن تتيح فرص مواكبة التحولات وتجنب تأثيراتها السلبية على مسار المجتمعات في الجوانب والأبعاد المختلفة .

إن شركات الاتصال بشكل عام شأنها شأن الكثير من المشاريع الأخرى ليست في اعتقادي النموذج الأنسب لتحقيق التنمية في دول العالم المتخلف عامة وموريتانيا خاصة ، والعيب ليس في خدمة الاتصال ذاتها وما يمكن أن تؤديه من تقريب للمسافات وتسريع في المعاملات واختصار للوقت ، وإنما السبب هو تبعية هذه الشركات في أغلبها للغرب وكونها مهما كانت ليست سوى إحدى مؤسسات العولمة التي لا تسمح لأي دولة بالخروج علي المسار العام المحدد من طرف الدول المسيطرة عالميا والتي لها أهداف خلفية معروفة (استنزاف موارد الدول المتخلفة ـ فرض أنماط تنموية مشروطة بمخططات وقرارات ومصالح تلك الدول المسيطرة ، مما يرسخ التبعية ويعيق التنمية ) .

لقد اكتسبت تكنولوجيا الاتصالات اعتقادا لدى الكثيرين في قدرتها علي تغيير شمولي يضمن الرفع من المستوى الاقتصادي للشعوب ، لكن واقع التجربة يثبت أن نماذج التنمية المعروضة ومنها علي سبيل المثال شركات الاتصال في الدول المتخلفة لم تكن في الحقيقة إلا تكريسا لاستمرار تقدم المتقدمين وتأخر المتأخرين ، لذلك أسهمت هذه الشركات ـ بفعل التقنية الحديثة في الاتصال وسهولة الحصول عليها واستخدامها من قبل البعض لنشرا لأفكار الهدامة والأعمال المنافية للدين والأخلاق ـ في بروز مشكلات اجتماعية واقتصادية وتدمير رأسمال بشري كبير.

صحيح أن وسائل الاتصال تسهل اكتساب المعرفة ، لكن النفاذ للمعلومات لا يؤدي بالضرورة إلي خلق قيمة مضافة في الإنتاج الوطني ، ولعل استعراض تجربة شركات الاتصال ودورها التنموي في موريتانيا أقرب مثال يفهم من خلاله مدى اعتبار هذه الشركات أداة للتنمية فعلا أم أنها مجرد وسيلة للنهب وتكريس التبعية .
كما هو معلوم هنالك ثلاث شركات اتصال تتنافس في سوق ليست مغرية بالمنطق الاقتصادي حيث لا يتجاوز عدد الموريتانيين حدود ثلاثة ملايين نسمة ،و رغم ذلك فقد عملت الشركات المختلفة دون إشكال يذكر ومساهمة حسب البيانات المنشورة عنها في امتصاص نسبة من البطالة المحلية ،نذكر مثلا شركة موريتل توفر حسب البيانات التي اطلعنا عليها 400 فرصة عمل مباشرة في حين هنالك 4000 آلاف فرصة غير مباشرة أما شركة شنقتل فتوفر 1500 فرصة عمل ، وفيما يتعلق بشركة ماتل فلم نجد عددا محددا وإنما توصلنا من خلال المعلومات التي حصلنا عليها أن نسبة 95 في المائة من العالين في شركة ماتل هم من الموريتانيين ، بالإضافة إلي هذا الدور تساهم هذه المؤسسات من خلال الضرائب في تغذية الميزانية العامة للدولة هذا بالإضافة إلي رعاية بعض الأنشطة الثقافية وتقديم بعض المساعدات المختلفة لكن إذا كان كل ما ذكرناه حتى الآن ايجابيا فهل هنالك جوانب سلبية ؟
بالتأكيد نعم ، و هنا أأكد على حقيقة اقتصادية مفادها أن كل عمل أو نشاط يترتب عليه خروج العملات الصعبة من البلد في اتجاه الخارج يعتبر سبب مباشرا في تدهور ميزان المدفوعات ( السجل الإحصائي الذي يعكس المركز المالي للدولة ) .

وإذا نظرنا بالمناسبة إلي قانون الاستثمار الموريتاني وما يقره من تخفيض للحقوق الجمركية الجبائية والرسم علي رقم الأعمال وعلى المواد والتجهيزات إضافة على تخفيض الرسوم المتعلقة بالمعدات الضرورية لإنجاز و توفير خدمات الاستثمارات المعتمدة ،نجد أنه زيادة علي الامتيازات الجبائية التي تحصل عليها شركات الاتصال لابد أيضا من توفير العملات الصعبة لاستيراد المعدات الضرورية لمزاولة نشاطاتها ، والشيء المثير هنا هو أن مستلزمات إنتاج خدمة الاتصال (هواتف ومعدات اتصال إلخ .....) كلها تستورد من الخارج وبكميات كبيرة حسب ما يفهم من مستوى التغلغل والانتشار والتعاطي مع خدمة الاتصال في موريتانيا ، وهو ما يستوجب من جهته الحصول على العملات الصعبة لتمويل الطلب الخارجي لهذه الشركات ، وهذا ما يشكل فعلا مصدر استنزاف حقيقي لمقدرات البلد من العملات الصعبة وبالتالي التأثير علي ميزان مدفوعات الدولة سلبا الشيء الذي له تداعيات غير محصورة بل لا نهاية لها ، في نفس الوقت تثبت المقارنة بين ما يجنيه البلد وما يخسره أن شركات الاتصال رغم ما ذكرنا من ايجابيات فإنها ليست خيار تنمويا مستساغا مالم تكن هنالك إجراءات وضوابط محددة تشمل مثلا :

ـ وضع حد أدنى لواقع التسيب والفوضى وتحديد آليات للمراقبة ولاستخدام هذه التقنية طبقا لما تمليه المصالح الذاتية والخصوصية الثقافية والدينية للبلد .
ـ تبني شركات الاتصال لميثاق شرف يتم علي أساسه الحرص علي التوازن بين الربح ومراعاة اهتمامات الدولة والمجتمع
ـ سن تشريعات وقوانين تفرض علي شركات الاتصال أن تساهم بجزء من أرباحها الخيالية في دعم العملية التعليمية والصحية ،ودعم التنمية الوطنية في البلد، وبالتالي التخفيف من الأعباء التي يتحملها المجتمع
في الأخير أعتقد أنه بدون اتخاذ تدابير وقرارات صارمة و ذات دلالة تراعي متطلبات التنمية الوطنية المتوازنة ، والحد من الآثار السلبية لإفرازات العولمة ، ستبقي شركات الاتصال في هذا البلد عديمة الجدوائية من الناحية الاقتصادية ومجرد أدوات همها كيفية تحصيل المال ، وتدميرا لمجتمع ، وإغراق الفقراء الموريتانيين في سراب التنمية وأوحال التبعية .

تقلا عن الأخبار