مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا بين 3 خطابات


ابن تيارت
12-02-2010, 12:58 PM
اختتمت موريتانيا هذا الأسبوع الفعاليات التي تخلد ذكرى خمسينية الاستقلال بكم كبير وغير مسبوق من تدشين المشاريع الإنمائية، والإعلان عن أخرى، وسيل من الندوات العلمية والسياسية المخلدة لها والتي غلب عليها لأول مرة طابع التقييم .
وقد هيمن على المشهد السياسي مضمون ثلاث “خطابات”، إذا كانت قد أجمعت على شيء فهو الدعوة لحوار سياسي بين النظام والمعارضة .

نبدأ بخطاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وهو أول خطاب جاء بالفعل مدعوماً بإنجازات ملموسة بعد أسبوع أمضاه هو وأعضاء حكومته متنقلين بين مناطق البلاد مدشنين مشاريع الصحة، والكهرباء، والمياه، والطرق، والسكن، والصيد والمصانع، وذلك بأغلفة مالية غير مسبوقة . بل إن الرئيس ولد عبد العزيز كان محفوفاً في نواكشوط هذا الأسبوع بمدراء خمسة من أكبر صناديق التمويل العربية في رسالة قصد بها عزيز التأكيد على اعتماده على “المال العربي” غير المشروط، والذي كان له الفضل في تمويل 85% من مشاريع بالغة الحيوية لصالح الشعب الموريتاني، ك”مشروع آفطوط الساحلي” الذي جلب مياه نهر السنغال ليضع حداً لعطش سكان نواكشوط وهو أكبر مشروع مائي في تاريخ البلاد .

وقد انتهز ولد عبد العزيز فرصة خطاب الاستقلال ليقدم حصيلة إنجازاته عن “الفترة الوجيزة على حكمه” وقال بلسان الحال إنه وضع الأسس لإعادة تأسيس الدولة من حيث البنية التحتية والمشاريع الاستثمارية في ثروات البلاد .

وقال ولد عبد العزيز إن البلاد حصلت على الاستقلال في ظروف بالغة الصعوبة بدأت فيها مسيرتها التنموية تقريباً من نقطة الصفر بالمقارنة مع نظيراتها من المستعمرات السابقة، وأنها “مع ذلك استطاعت أن تخطو خطوات شجاعة نحو تأسيس معالم دولة عصرية، وكانت جميع المؤشرات توحي بأن موريتانيا الفتية قادرة على تحقيق التقدم “لكن هذه الآمال ما لبثت أن تبددت بفعل العديد من العوامل السلبية الداخلية والخارجية وفي طليعتها انعدام رؤية سياسية واقتصادية واضحة واللامبالاة بالشأن العام وظاهرة الفساد والتبذير وسوء التسيير التي أضحت سائدة لدى بعض أفراد المجتمع” .

ورأى أنه “من غير المعقول، بعد مضي نصف قرن من الزمن، أن تكون موريتانيا على هذا المستوى الضئيل من النمو، وقد أنعم الله عليها بخيرات هائلة من ثروات برية وبحرية واستفادت من قروض وهبات جد معتبرة كانت تكفي لو أحسن استغلالها لتأمين ظروف أفضل للسكان الذين كان عددهم أقل من ثلاثة ملايين نسمة” .
وأكد “أن معركة البناء مسلسل صعب وطويل الأمد”، مشدداً على ثقته بأن موريتانيا “الإسلامية العربية والإفريقية، الديمقراطية” والمتصالحة مع نفسها، قادرة بجهود أبنائها وما تتمتع به من ثروات متنوعة وتحظى به من تقدير وثقة عبر العالم، أن تلحق بركب التنمية .

وأكد أنه بادر إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير صارمة لضمان تسيير موارد الدولة وممتلكاتها تسييراً محكماً وشفافاً وأنه أمر بمحاسبة مرتكبي جرائم اختلاس الأموال العمومية والرشوة وغيرها من التصرفات الشاذة، ليخلص إلى أن “بريق أمل بدأ اليوم يلوح في الأفق بأن أخلاقيات الحياة العامة تسير في الاتجاه الصحيح”، وأن سياسة الصرامة في تسيير المال العام مكنت من إنجاز العديد من المشاريع التنموية الهامة من طرق ومدارس ومستشفيات وغيرها من البنى التحتية الحيوية في ظرف زمني وجيز” .

وتباهى ولد عبد العزيز بسياسته العسكرية، فكشف أنه “قبل أقل من سنتين كانت قواتنا المسلحة وقوات أمننا لا تمتلك إلا كميات ضئيلة من العتاد الحربي والمعدات اللوجستية والفنية” .

وقال إنه من أجل معالجة هذا الوضع الذي سماه ب”الخطير”، بادر بإعادة تنظيم الوحدات العسكرية ونشرها في أماكن لم يسبق أن تواجدت فيها وإقامة قواعد عسكرية جديدة، ما مكن من السيطرة على جميع حدود البلاد .

وكشف أنه قام بشراء كميات معتبرة من الأسلحة والسيارات والطائرات التي “سمحت بتعزيز قدرتنا الميدانية كما أثبتت ذلك نتائج العمليات الأخيرة ضد العصابات الإرهابية الإجرامية” .

وأعلن أن القوات المسلحة أصبحت على استعداد دائم للدفاع عن سيادة وحرمة أراضي البلاد وأمن جميع من فيها من المواطنين ورعايا الدول الشقيقة والصديقة .

وأكد أنه سيواصل “بكل حزم وصرامة” مكافحة الإرهاب وجميع أشكال التطرف والجريمة والمتاجرة بالمخدرات لتنعم البلاد بالأمن والاستقرار اللذين لا غنى عنهما في تحقيق التقدم والنماء .

وبعد تأكيده على ضرورة الخيار الديمقراطي لتنمية البلاد وبنائها، جدد التزامه بضمان الحريات العمومية والفردية وحرية الصحافة وحقوق الإنسان .
وأعلن ولد عبد العزيز عن “الاستعداد التام” لفتح “حوار صريح” مع أحزاب المعارضة، داعياً إياها للإسهام بصورة جادة في عملية بناء البلد بما يخدم المصالح العليا لموريتانيا ويحقق مستقبلاً زاهراً لشعبها .
وكان ولد عبد العزيز في أربع خطابات أمام الجماهير هذا الأسبوع قد أكد عزمه بناء الدولة وعصرنتها وحرصه على خدمة الفقراء بمشاريع خدمية .

وحاول عزيز تثوير شريحة الفقراء ضد الخطابات المناوئة لتوجهاته وخاصة من طرف حزب اليسار الموريتاني الذي انتقد الأسلوب المتبع في توزيع المساكن على أحياء الصفيح .
وقال ولد عبد العزيز أمام تجمع في حي شعبي “إنهم (قادة اليسار) بعد أن رأونا نباشر تغيير أوضاع سكان أحياء الصفيح الذين ظلوا مهملين لعشرات السنين ولم يلتفت إليهم أحد من قبل، أخذوا ينتقدون العملية ويعلنون عن تضامنهم مع سكان أحياء الصفيح”، وأضاف ساخراً “لماذا لم يعبروا عن آلامهم لواقع المواطنين إلا بعد خمسين سنة” .
وأشار ولد عبد العزيز إلى أنه أول رئيس يعيد الاعتبار للمقاومة الوطنية ضد الاستعمار، وأكد أن “المقاومة الآن مستمرة وإلى الأبد” ضد الفساد والمفسدين الذين كانوا يستولون على كل شيء ويحرمون المواطن البسيط من حقوقه .
وجاءت دعوة ولد عبد العزيز للحوار مع المعارضة وهي الثالثة من نوعها في ظرف أشهر فقط، بالتزامن مع ما سمته بعض وسائل الإعلام الموريتانية ب”هرولة” المعارضة نحو النظام، واعتبره المراقبون “إعادة تموقع جديد للمعارضة” في ظل التقارب الذي لوحظ خلال الأيام الماضية بين الرئيس عزيز ورئيس البرلمان مسعود ولد بلخير، وهو ثاني أكبر زعماء المعارضة، والذي حضر إلى جانب ولد عبد العزيز أغلب النشاطات الرسمية في العاصمة نواكشوط، وبالتزامن مع “التصعيد النسبي” في خطاب زعيم المعارضة أحمد ولد داداه .

وكان مسعود ولد بلخير، رئيس البرلمان ورئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي”، قد برر حضوره أنشطة الرئيس عزيز بالقول “أحاول عموماً التفريق بين مسؤوليات منصبي كرئيس للبرلمان يفترض أن يحضر كل الحفلات الرسمية وبين واجبات ومسؤوليات رئيس حزب التحالف الشعبي التقدمي المعارض، والذي لا يريد أن يبارك من خلال حضور غير مدروس تظاهرة يكون بعدها المؤسسي مجرد واجهة لأهدافها السياسية التي هي الأساس” . واعتبر مراقبون هذا الرد “العقلاني” نقلة نوعية في خطاب رئيس البرلمان الذي هدد قبل أشهر فقط بإطاحة النظام . بل إن ولد بلخير قال إن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أكد استعداده للحوار حول كل النقاط الواردة في “اتفاق دكار” .

وأضاف “لا أعتقد مطلقاً أن الحوار بين المعارضة والرئيس بات في خطر في ما يتعلق بوثيقة دكار . . أو بشكل أدق وثيقة نواكشوط كما ذكرت بذلك في خطابي من كونها وقعت في نواكشوط” .
ولم ير رئيس البرلمان أهمية كبيرة للخلاف على صيغة الحوار، ما إذا كان وفق “اتفاق دكار” الذي أنهى الأزمة الدستورية الماضية وتتمسك به المعارضة، بينما يرفضه ولد عبد العزيز ويدعو لحوار غير مشروط .
فقد كشف رئيس البرلمان أنه “وطبقاً لمصادر جديرة بالثقة، أكد الرئيس استعداده الكامل لبحث كل النقاط الواردة في الوثيقة المذكورة . وأنا أعتبر إذن أن هناك قضية تافهة تتعلق بالمصطلحات، والأطراف السياسية ليس لديها الحق في البقاء على حالة التصلب، بل يجب على كل طرف تطوير مواقفه إزاء الطرفين الباقيين، والعكس” . حسب قوله .

أما زعيم المعارضة أحمد ولد داداه، فقد شهد خطابه الأسبوع الحالي عودة إلى أجواء “التصعيد” بعد خطابه المرن خلال الأشهر الماضية ولقاءاته المتكررة بالرئيس عزيز . فقد نفي ولد داداه أي تقارب مع ولد عبد العزيز، وقال إن لقاءاته به كانت متعلقة بالشق الأمني للبلاد .

وقال ولد داداه إنه تجاوز مسألة شرعية الانتخابات الرئاسية الأخيرة مراعاة لمصالح البلد العليا ومساهمة في تحضير أجواء تمكن من حوار شامل بين القوى السياسية لتنمية البلد .

ورأى ولد داداه في مؤتمر صحفي وبيان سياسي بمناسبة الاستقلال أن موريتانيا حققت “إنجازات معتبرة في مجالي السيادة السياسية والاقتصادية للبلد، خصوصاً خلال العقود الأولى من عمر الدولة”، لكنها اليوم يضيف “من أكثر بلدان المنطقة هشاشة” .

وقال إن السواد الأعظم من الشعب الموريتاني يعيش اليوم تحت خط الفقر، وإن الظلم والتهميش وانسداد الآفاق دفع “بأعداد هائلة من الشباب إلى أحضان الإرهاب، كما حدا بآخرين إما إلى المزايدات الطائفية أو هجر الديار إلى أماكن أكثر رحمة” .
ودان ولد داداه بشدة “الارتجالية والتحكم الانفرادي في مقدرات الدولة، المتمثلة في مركزة كافة القرارات في يد واحدة” .

واعتبر أن سياسة التقشف المعلنة غداة الانتخابات الماضية لم تتمخض في النهاية إلا عن تعطيل مصالح الخدمات العمومية .
واتهم السلطات من جديد بالغموض في ملف مصير ال50 مليون دولار التي أهدتها السعودية لموريتانيا سنة ،2007 والتي لم تدرج بعد في أية ميزانية رغم المطالبة المتكررة بذلك منذ سنة 2008 حسب قوله .

وقال إن السلطات تتعامل بتيسير أكثر من المقبول مع شركات التنقيب عن المعادن والنفط، وإن الثروات المعدنية الهائلة للبلاد لم تنعكس على واقع المواطنين . واتهم ولد داداه شركة “توتال” الفرنسية بالغموض في مجال التنقيب عن النفط في “حوض تاودني” الاستراتيجي، وقال إنها مرة تعلن عن الغاز ومرة تعلن عن الماء، وطالب بإلغاء رخص التنقيب عن النفط في عرض المياه الموريتانية، لأنها تهدد البيئة، وتؤثر في الثروة السمكية، التي تعتبر أهم من النفط” . ووصف زعيم المعارضة الموريتانية الوضعية الاقتصادية للبلد ب”الغامضة والضبابية” .

وقد فسر محللون سياسيون ل”الخليج” أسباب تصعيد زعيم المعارضة بسعيه للمحافظة على ما يعرف ب”الجمهور الثابت على خط المعارضة” خاصة قبيل الانتخابات النيابية القادمة، وكذلك سعي الزعيم للرد على تشويش منافسيه في المعارضة الذين سعوا خلال الفترة الماضية إلى إظهاره وكأنه أصبح جزء من النظام .

ولعل السؤال الجوهري الآن هو ما مدى جدية الزعماء السياسيين الموريتانيين في عروض الحوار المتبادلة والمكررة؟

في كواليس نواكشوط يتضح أن مصير هذه العروض مرتبط أساساً بإرادة النظام وما سيقرره في هذا المجال خلال الأشهر القادمة، خاصة وأن الجيش بدأ، ولأول مرة، سعيه الجاد لبناء جبهة داخلية موحدة أكد قادته أنها ضرورة ملحة بالنسبة لهم في مواجهة الإرهاب .

هي موريتانيا إذن تعود بقوة للغة “دعوات الحوار” في وقت تقرع فيه طبول الحرب على الإرهاب، وتوشك القوى السياسية على الدخول في معركة انتخابية أخرى ستكون كالعادة “معركة مصير





"""عن الخليج"""