مشاهدة النسخة كاملة : مقاطعة "اظهر" سكان قهروا الصحراء.. ولا يعرفون عن العاصمة "نواكشوط"إلا الاسم


أبو فاطمة
12-01-2010, 07:50 PM
مقاطعة "اظهر" سكان قهروا الصحراء.. ولا يعرفون عن العاصمة "نواكشوط"إلا الاسم

نحن الآن نصعد الجبل الشرقي لمدينة النعمة المعروف ب"كدية البهكه" نسابق رئيس الجمهورية الذي سيصل المنطقة بعد يوم على مروحية عسكرية، هنا تبدأ رحلة المشقة والتعب ويتذكر الإعلامي معنى مهنة المتاعب، هذه المنطقة الوعرة المهجورة لزمن طويل، فعلا دخلنا الصحراء الكبرى إنها رمال تبتلع السيارات (رباعيات الدفع)، صحاري جرداء قاحلة لا يعبرها كثيرا إلا أصحاب البوادي الذين عزلوا عن الحياة سنين، ومهربون يألفون هذه الرمال، وإرهابيون يتربصون بالأجانب وكل من له علاقة ب"الحكومات المرتدة".
هنا تبدأ الصورة قاتمة جدا طرق عدة تتكاثر عليك وأنت تغادر منطقة النعمة الجبلية الجميلة إلى بحور من الرمال قد تقودك إلى منزلقات لا تعرف نهايتها، سرنا مع هذه الرمال ست ساعات من التعثر وتعطل السيارات الفخمة ذات الدفع الرباعي وسط شمس حارقة تشعل كل من يسير في هذا الفيافي.
"لم أر مثل هذه الرمال في يوم من الأيام رغم أنني جبت معظم مناطق الوطن" يقول الساق الطالب وهو يسير مع الطريق الرملي، ولا يعرف الطالب أن لحظات تعثر سيارته قد اقتربت، وسنتوقف وقتا طويلا حتى نتمكن بعد جهد جهيد من إخراج سيارته التي ابتلعت الرمال كل أجزائها السفلية، وغير بعيد عن سيارة الطالب تغرق سيارة السائق "حيده" في منطقة رملية معزولة يبدو أنها منطقة تعثر السيارات، حيث توجد سيارة معطلة قبل ساعات وقد تركها مالكها في هذه الفيافي، بعد تعثر سيارة "حيده" ـ المخصصة لنقل الوفد الرئاسي من المروحية إلى منطقة الاستقبال في انبيكت لحواش ـ في هذه اللحظة يتوقف الوفد الصحفي همهم الوحيد هو إخراج السيارة لا أمل في الأفق لا سيارة تمر بهذا الحي، الماء قد نفذ الطريق مهجور، عشنا لحظات من فقد الأمل قبل أن يمر بنا بعض رجال الصحراء وينقذونا مما نحن فيه.
إنها رحلة المشقة والعذاب تلك الرحلة التي قضيناها بين النعمه و"انبيكت لحواش" ونحن الذين نستغل سيارات الرئاسة الفارهة فكيف لو كنا نستخدم سيارات أخرى.
هل تعرفون زيدان؟!
على طريق (النعمة ـ انبيكت لحواش) وبينما كنا نسير في هذا الطريق الوعر، شاءت الأقدار أن نرى مع امتداد الطريق خباء يشبه إلى حد ما خيمة مضروبة، نسير إلى هذا الخباء وننزل قليلا إنها أسرة من الأسر الصحراوية المعزولة عن الحياة لم تسمع عن المدينة في يوم من الأيام، لم تسمع عن الهاتف المحمول، تعيش سعادة غريبة بين تلال رملية في حياة ملؤها الكد والمشقة والبعد عن الجار والدار.
تعيش الأسرة "النمداوية" المكونة من امرأتين ورجل وبنتين صغيرتين إلى جانب بعض الحملان و ممتلكات لا تتجاوز قرب ماء وحظيرة ماشية وأواني تعود إلى عهود قديمة، وشكوة تستخدم لتخزين الألبان وأغطية مصنوعة من الجلود تستخدم لمكافحة البرد القارس في زمن الشتاء. دخْـل الأسرة كما يقول الدليل عبد القادر يتلخص في صيد بعض الظباء والطيور التي تقطن المنطقة، وغير معنية إطلاقا هذه الأسرة بارتفاع الأسعار أو غلاء البنزين أو صعوبة النقل العمومي، ولم تسمع في يوم من الأيام عن شركات الاتصال وابتزازها للمواطنين وربما لم تر الطرق المعبدة.
ننزل إلى هذه الأسرة فيستقبلونا بحفاوة وكرم أصيل في البدو الموريتاني غير أن صغيرات في الخباء أجهشن بالبكاء عندما رأوا بعضنا يرتدي البنطلون، قدموا لنا الشراب على جناح السرعة وسألتنا الأم البدوية من أي المناطق أنتم قلنا من العاصمة انواكشوط.
تجيب في براءة "وخيرت بأهل نواكشوط" وتتابع المرأة البريئة براءة البدو الأصليين : هل تعرفون زيدان؟ لا بد أنكم تعرفونه لقد قدم إلى انواكشوط منذ سنوات وإن كنتم تسكنون انواكشوط فستعرفونه لا محالة.. وقبل أن نودع الأسرة المعزولة عن الحياة سألونا عن استعمال بعض الفواكه والمشروبات التي أهديناها إياهم وطريقة ابتلاعها وهل يستخدمها الأطفال أم الكبار. إن هذه الأسرة المنسية تعطينا صورة مصغرة عن منطقة "اظهر" وما يعانيه هؤلاء السكان من نسيان دام عقودا من الزمن وما يحتاجونه من مساعدات وتأهيل مكثف حتى يتمكنوا من مواكبة العصر الذي يعيشون فيه.
انبيكت لحواش .. مدينة في الخيال
ثم وصلنا إلى انبيكت لحواش صحراء جرداء تشبه طريقها الشاق، رمال تبتلع كل السيارات الحكومية وتحرج بعض المسؤولين عندما الذين يرغبون في مواكبة زيارات الرئيس حيث تسبب هذه الرمال في تعثر عدة سيارات حكومية وتفرق بين الموكب الرئاسي عدة دقائق، وفي المنطقة عدة مبان حكومية بعضها مازال قيد التشييد، ويشير مخطط "انبيكت لحواش" إلى وجود مركز صحي ومدرسة مكونة من ستة فصول، ومبنى لحاكم مقاطعة "اظهر" ومنزل إقامة حاكم المقاطعة السابعة في ولاية الحوض الشرقي.
ينزل رئيس الجمهورية من مروحيته على "انبيكت لحواش" في حدود الساعة الحادية العشر زوالا في يوم تحرق أشعته كل المستقبلين والزوار والإعلاميين وسط جمع غفير من المستقبلين جاؤوا من الأرياف ومدن الولاية المتسعة الأطراف، ثم يسير الموكب الرئاسي نحو مباني المرافق العمومية قبل أن يطلق الرئيس خطابا يعلن من خلاله أن هذه المدينة ستكون من أرقى المدن الموريتانية لأنها خططت على أحدث المعايير العمرانية، ونصح رئيس الجمهورية كل سكان المنطقة أن يلتئموا داخل هذه المدينة مضيفا أنهم بهذا الالتئام سيشاركون في تنمية البلد وخاصة في مجال التعليم الذي تسبب التقري العشوائي في فساده سنوات، ففي الفترات السابقة ـ يقول رئيس الجمهورية ـ كانت كل عائلة أو قبيلة يقومون بتشييد قرية وهو ما كلف الدولة بذل الأموال الطائلة.
ولئن كان رئيس الجمهورية يقدم هذه النصائح المعسولة لهؤلاء البدو الرحل المعزولين عن المدينة فإن معظمهم قطعا لن يستمعوا لهذا الخطاب ذلك أن مواشيهم التي عهدت الترحال في هذه الصحاري سنين من الزمن، ولم يفرقوا في يوم من الأيام في هذه المنطقة بين الأراضي المالية والموريتانية ـ كما يقول عبد القادر ولد الناجي دليلنا في الرحلة.
قطعا لن يقتنع هؤلاء البدو الذين ألفوا الترحال ومطاردة السحب والمرعى بالتقري في مدينة قد لا تكون من أكثر المناطق أعشابا، وربما لن يقتنعوا بحياة المدينة الحديثة حيث الأسواق والصخب وإزعاج مواشيهم، ومن أطرف ما سمعنا عند البوادي أن مياه الآبار الارتوازية تجلب الكثير من الأمراض للمواشي.
وفي انتظار تشييد المدينة الجديدة وتعبيد الطريق الموصل إليها من النعمة، وفتح شبكات الاتصال فيها يبقى السكان القلة المتفائلون بالمدينة يعيشون على الآمال خاصة أولئك المواطنون الذين هلكت مواشيهم جراء الأمراض والعزلة وحرموا من التعليم النظامي سنوات
المختار ولد بابتح ـ انبيكت لحواش

نقلا عن موقع الوطن