مشاهدة النسخة كاملة : إسلاميو تواصل... مسيرة البحث عن الذات وخيار المرحلة


أبوسمية
12-01-2010, 03:30 PM
إسلاميو تواصل... مسيرة البحث عن الذات وخيار المرحلة
بقلم الدكتور محمد الحسن ولد اعبيدي
دخلت الحركة الإسلامية فى موريتانيا المعترك السياسي فى منتصف الثمانينيات كقوة فاعلة فى التحالفات السياسية يسارية كانت أو قومية وقد ركزت نشاطها التعبوي فى مراحلها الأولى على المنابر الدعوية ـ مساجد ، منتديات طلابية ، جمعيات ثقافية ـ و المجالات الخيرية متدثرة باللبوس التوجيهي الإصلاحي لتجنب الصدام مع السلطة العسكرية التى لم تنتهج النهج الديمقراطي حينها وإن أعطت متنفسا لتعبر فيه الجماهير عن نفسها وتستعرض القوى السياسية وزنها ظهر هذا المتنفس فيما يسمى بهياكل تهذيب الجماهير فى عهد الرئيس محمد خون ولد هيدالة و المجالس المحلية فى العقد الأول لحكم الرئيس ولد الطايع
وكان للإسلاميين حضور وتأثير فى المشهد السياسي كل هذه المراحل وإن كان أقوى فى عهد الرئيس محمد خون ولد هيدالة الذى اتهمته بعض القوى السياسية بالتحالف معهم خاصة بعد أخذه قرار تطبيق الشريعة وترخيص الجمعيات التى غطت أنشطتهم السياسية وصارت لهم غطاء رسميا يتحركون فيه كالجمعية الثقافية والنوادى التى خرجت من عباءتها كنادى مصعب بن عمير للشباب ونادى عائشة للفتيات وحظيت هذه الجمعية برعاية من الأجهزة الرسمية فى الدولة وبدعم من رجال أعمالها النافذين حتى العقد الأول من حكم ولد الطايع الذى انقلب عليهم مع مطلع التسعينيات وحظر أنشطة الجمعية والنوادى التابعة لها وأخضع قادتهم للمتابعة والرقابة الأمنية لكن ذلك لم يمنع الحركة الإسلامية من السيطرة على الساحة الطلابية وقطاعات حيوية فى المجتمع للأسلوب التنظيمي الذى اتبعته فترة الحظرو لقربها من الأطر المرجعية فى المجتمع ولحرصها على أن تكون حاضرة فى الفضاء التوجيهى المنبري والمجال الجمعوي الخيري مثل بناء المساجد وتأطير القائمين عليها وكفالة الأيتام وذوى الاحتياجات الخاصة.
واستطاعت الأجهزة الأمنية لولد الطايع بإغراء من القوى السياسية الملتفة حوله أن تحدث شرخا بين الجيل المؤسس والجيل الثانى فألبست الشيوخ الحلة الرسمية ليصبحوا فيما بعد جزء من البلاط وظل الشباب متمسكين بالخطاب الإخواني الذى اختار الديمقراطية وسيلة للدفاع عن الحقوق المشروعة ولم يمنعه اختلاف المرجعيات الإيديولوجية مع القوى السياسية الوطنية من العمل معها والتنسيق معها دفاعا عن الثوابت الوطنية وترسيخا لقيم الحرية والمساواة وتطبيقا لمفردات الديمقراطية بكل مظاهرها فيما لا يختلف مع المرجعية الإسلامية للبلد .
فعندما دخلت القوى الوطنية المعارضة فىحزب سياسي موحد مع بداية المسلسل الديمقراطي 91ـ90 م كان للشباب الإسلامي حضوره المميز فى هذا التنسيق بعد أن حرموا الترخيص لحزب خاص بهم وضم هذا الإطار إلى جانبهم القوى اليسارية والزنجية وحركة الحر وشاركوا فى تحالفات أخرى فى كل المناسبات الإنتخابية طيلة عقد التسعينيات التى لم يسلم فيها أطرهم من المضايقات الأمنية والزج بهم فى السجون إلا أن ذلك لم يدفعهم لتغيير أسلوبهم فى مقارعة السلطة الذى اختاروا له الوسائل الديمقراطية المشروعة مع أن شدة البطش الأمني الموجه إليهم من طرف أجهزة ولد الطايع دفعت بعضهم للتنسيق مع زعماء المحاولة الإنقلابية الأولى 2003 م وهو تنسيق محدود شاركتهم فيه بعض القوى السياسية التى أصابها ما أصابهم وانتهى بانتهاء أسبابه ودفعت الحركة ثمنه غاليا بالزج بقادتها فى السجون والعيش فى المنافى .
وبعد الإطاحة بنظام ولد الطايع ووجود فضاء ديمقراطي أكثر انفتاحا لم يجد الإسلاميون حرجا فى تقديم رؤيتهم الإصلاحية كغيرهم من القوى السياسية فقدموا أنفسهم كيانا سياسيا مستقلا فى انتظار الترخيص للإطار السياسي الذى ظل حلمهم ومطلبهم المشروع وفضلوا التنازل عنه مرحلة الحكم الإنتقالي بقيادة الرئيس إعل ولد محمد فال الذى الذى لم يعطهم الحرية كاملة فى النشاط السياسي كسلفه و لم يضايقهم وأفسح لهم المجال للمشاركة فى الإستحقاقات التشريعية والمحلية مستقلين ومتحالفين مع أحزاب سياسية و قد حصلوا على تمثيل معتبر فى غرفتي البرلمان ومجلس الشيوخ بالإضافة إلى المجالس المحلية
ومع انتخاب الرئيس سيد ولد الشيخ عبد الله الذى عارضوا ترشحوه ولم يدعموه بوصفه مرشح العسكر الحاكم إلا أنهم وجدوا فى حكمه ما حرموه من حقوقهم السليبة فرخص لهم حزبا هو حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية وأفسح لهم المجال للمشاركة فى حكمه فدخلوا فى تحالف مع الأحزاب الداعمة له ليتوج تحالفهم بالتمثيل فى الحكومة بحقيبتين وزاريتين هما التعليم العالى والشغل وعند الإطاحة بحكم الرئيس ولد الشيخ عبد الله ظلوا متشبثين بعودته والرجوع للعمل بمقتضيات الدستور وتطبيقات الديمقراطية وشكلوا مع القوى الرافضة للانقلاب ما سمي حينها بالجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية وظل الإسلاميون عنصرا فاعلا فيها إلى أن تم الدخول فى إطار تفاوضي توج بالرجوع للحياة الديمقراطية وتنظيم انتخابات رئاسية كان لإسلاميي تواصل مشاركتهم الفاعلة فيها التى تمثلت فى تقديم مرشح خاص بهم هو رئيسهم محمد جميل كنوع من اختبار الذات وقد أخذ عليهم رفقاؤهم فى النضال عدم التنسيق معهم فى مرشح موحد لكنهم رأوا أن مرحلة حاسمة فى عمر الحركة تفرض عليها الخروج من مشية المتوكئ للسير المستقيم على الأقدام وبادرو بالاعتراف بنتائج الانتخابات التى رفضت الإعتراف بها أغلب التيارات السياسية المعارضة
ودخل تواصل مرحلة المهادنة التى تذهب فى بعض الأحيان للمغازلة بل ترقى لمرحلة التنسيق كما حدث فى التجديد الجزئي لمجلس الشيوخ الذى قدم الحزب الحاكم مع اسلاميي تواصل لوائح موحدة فى بعض الدوائر وأبدى قادة تواصل مرونة فى التعاطى مع خطاب الرئيس ولد عبد العزيز خاصة ما يتوجه منه لمحاربة الفساد و الإرهاب وتحسين أوضاع الفقراء ودخلوا فى وساطة بينه وبين أعدائه كما حدث فى ملف رجال الأعمال ممثلين فى زعيمهم الروحي الشيخ محمد الحسن ولد الددو الذى كان لوساطته اليد الطولى فى إنهاء الملف و شكل حضوره القوي مع الرئيس فى بعض المناسبات حرجا كبيرا لبعض القوى السياسية والزعامات التقليدية التى لم تخف انزعاجه منه وخوفها من تنامى نشاط الجمعيات والنوادى التابعة له بعد الترخيص له فى تنظيم التظاهرة الدولية عن الوسطية التى حضرتها شخصيات دولية مثل نائب رئيس مجلس الشورى السعودي والداعية السوداني عصام البشير ومع أن التظاهرة لم تخرج عن الخطاب الديني الرسمي المنصب فى تلك الأيام على ترسخ قيم الوسطية لتتلاقى فى أهدافها مع مؤتمر الوسطية المنظم من طرف وزارة الشؤون الدينية نفس التاريخ إلا أن شخصيات دينية رسمية لم تخف امتعاضها من أي نشاط محسوب على التيار الإسلامي الذى يمثله حزب تواصل وقد تحدثت جهات اعلامية عن تأثير لهذه الشخصيات فى العلاقة بين الشيخ الددو والرئيس التى بدأ مفعول برودة الشتاء يسرى فيها بعد حرارة الخريف وهو ما ترجمه الفتور الذى أصاب علاقة حزب تواصل مع أحزاب الأغلبية فى الأشهر الأخيرة الذى ما تفتؤ تصريحات رئيس حزب تواصل تلمح له ويفسر عليه غياب الشيخ عن الندوة الأخيرة المنظمة من طرف وزارات السيادة فى الدولة بتنسيق من الحزب الحاكم حول التطرف وعدم المشاركة من طرف حزب تواصل فى ندوة خمسينية الإستقلال المنظمة من طرف أحزاب الأغلبية وأشياء أخرى يضيق المجال عنها فهل هي رغبة من اسلامي تواصل أو عنهم ؟ أو تمنع من الجهاز الحاكم فى الوصال أم أنها الصريمة وفى الصريمة راحة كما يقول ولد أحمد يوره فى بيته المشهور :" إن جدت بالمطلوب من بعد منعه فرحنا وأظهرنا السرور وصرحنا وإن تصريمينا فالصريمة راحة فوالله ما كنا ركوبا وما طحنا "

نقلا عن السراج الإخباري