مشاهدة النسخة كاملة : تأبينية بعد حين


ام خديجة
11-29-2010, 10:34 AM
تأبينية بعد حين

http://img143.imageshack.us/img143/4806/indexphprexresize180win.jpg

محمد سالم ولد الشيخ

بمناسبة الذكرى الخمسين لعيد الاستقلال الوطني، و الذي يصادف هذه الأيام فترة صعبة من تاريخ بلادنا، يحاول البعض أن يقوم بإعادة تقييم للفترة الممتدة من الاستقلال و إلى يومنا هذا ، و هي عملية ضرورية لمعرفة الأخطاء و تجاوزها و كذلك تزكية الإنجازات و الإفادة منها في عملية البناء المتواصلة .

هذه العملية يجب أن تتم بموضوعية و أمانة و شمولية من أجل أن نستخلص العبر من التاريخ ، فنفيد منه في معالجة حاضرنا ، و نضع إ نطلاقا منه رؤية لبناء مستقبلنا . و مشاركة في هذا الجهد رأيت ان أقف وقفة قصيرة مع الشخصية المحورية التي تركت بصمات واضحة في هذه الفترة ، ألا و هي شخصية المرحوم المختار ولد داداه .
لست هنا بصدد التأريخ لهذه الشخصية ، و إنما سأحاول تسليط الضوء على بعض الجهد الذي قام به الاستاذ المختار و الذي من خلاله أستطاع مع ثلة قليلة من أبناء هذا البلد ، ان يبني دولة من لا شيء ، فكلنا يعرف الحالة التي كانت عليها موريتانيا قبل الاستقلال ، و التجاذبات المسيطرة آنذاك على البلد ، من حروب بين إمارات لا تريد أي منها ترك زمام الأمور لأختها ، و قبائل تتحين الفرص لقلب هذه الامارات مع ماكان سائدا من انعدام الأمن و سيطرة السيبة على البلد ، حتى سمي بالبلاد السائبة .

في هذه الظروف و بعد فترة من الاستعمار الذي أتى على الأخضر و اليابس و لم تتركه ضربات المقاومة يطبق مشروعه الاستعماري الذي كان يريد . فرحل إلى غير رجعة ، دون أن يترك أي مقوم من مقومات الحياة التي تركها في الدول المجاورة لنا، ترك فتية آمنوا بوطنهم و شمروا عن سواعد الجد ، لتحويل هذه الأشتات المتناحرة إلى دولة يدين لها الجميع و يتساوى فيها الجميع ’ و بفضل قيادة شخصية فذة حازت من المقومات الشخصية ما جعلها قمينة بالقيادة و بمساعد مجموعة من الوطنيين الذين آمنوا بموريتانيا حين كفر بها الجميع ، و بنوها حين كان أبناؤها يتجاذبونها جنوبا و شمالا و شرقا ، بنوها من الصفر ، إذ لم تكن هناك مقومات دولة , لا اقتصاديا و لا اجتماعيا و لا سياسيا , رغم ذلك ذللوا الصعاب و عضوا على النواجذ و سهروا الليالي من أجل بناء أسس هذا الوطن , وقد نجحوا في ذلك .

لقد تبوأت موريتانيا في هذه الفترة مكانة عالية بين الدول بفضل سياسة و دهاء الأستاذ المختار ولد داداه ( رحمة الله علينا و عليه ) , إذ استطاع ان ينتصر على كل الذين طعنوا البلد في الظهر و الخاصرة , في فترة الولادة القيصرية القاسية .نعم لقد أرسى المختار و رفاقه أسسا لدولة عصرية , بسطت سيطرتها على جميع الامارات و المشيخات دون حروب أو مشاكل , دولة كانت تطارد البدو لكي تدخل أبنائهم المدارس و لكي تقريهم في المدن و لكي تقدم لهم ما توفر من خدمات .و رغم الهزات التي تعرضت لها هذه الدولة ابتداء من مشاكل التأسيس , و سنين الجفاف العجاف , و ويلات الحرب التي خاضتها الدولة من أجل تحرير جزء من التراب كانت ترى فيه امتدادها الطبيعي , رغم كل ذلك استطاعت هذه الدولة الفتية أن تقدم التعليم المجاني لأبنائها و كذلك الدواء و التوظيف , وهذه الركائز التي تقوم عليها الدول . وهذا ما عجزت عنه الدولة منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا .
لقد اختلف البعض مع المختار في كثير من المسائل وهذه هي سنة الحياة , و لقد قامت حركات لمعارضته , خضع لمطالب البعض , و أحتوى البعض , و ظل ذلك في إطار من احترام الدولة و احترام لباني و مؤسس هذه الدولة , و ما شهادات قادة الكادحين و الحركات القومية آنذاك التي يقدمونها في هذه الأيام إلا دليلا واضحا على جدية ووطنية الجميع حيث اختلفوا مع الرجل و لكن لم يغمطوه حقه كما يفعل البعض هذه الأيام ممن يصفون أنفسهم بالاشتغال بالتاريخ و التاريخ منهم براء , و كذلك بعض المتسولين على بساط صاحبة الجلالة .

لقد اسائت الأنظمة العسكرية المتعاقبة إلينا و إلى المختار _ و ذلك ديدنها _ فحكمت عليه بالإعدام طورا بعد أن أعدمت الشعب , و سحبت منه الهوية الوطنية بعد أن سحبت هوية الشعب كله طورا آخر , و تجاهلته و تركته للضياع بعد أن فعلت الشيء نفسه للمواطن . فظل مصير المختار مقترنا بمصير الشعب .

لقد رحل المختار ذات مساء أشهب من مساءاتنا البائسة دون أن نقدم له أي شيء مقابل ما قدم لنا , و لعل تلك طبيعتنا التي جبلنا عليها و هي أن نحتفي بالشخص ما دام بيننا سواء أساء إلينا أم أحسن , و أن ننساه لحظة مفارقته لنا , مهما كانت ظروف غيابه .. إلا أن هذا الراحل لم يكن كالرجال , كانت قامتة أطول , و كانت يده أبيض , و كان عقله أرجح , و كان صدره أوسع , كان رجلا مختلفا بجميع المقاييس , أختلف عن رجالنا برجاحة عقله ’ و بوطنيته , و بزهده الشديد في دنيانا التي وفر لنا و غادرنا دون أن تطالها يده .. رحمك الله يا أبانا , فقد ربيت , و علمت , و هذبت , و رشدت , و عطفت , و آويت , و ساويت , فكنت خير أب , لأبناء لم يشبهوك في شيء .. فتآمروا على الوطن و ألقوه في جب الضياع و النسيان , و منعوا منه الكيل حتى مس أهله الضر , فاستغفر لنا يا أبانا لعل رحمة من الله تنزل علينا بعدك .


نقلا عن الأخبار