مشاهدة النسخة كاملة : بعثيو موريتانيا: معارك العروبة وانتفاضة لم توقف


ام خديجة
11-28-2010, 06:42 PM
بعثيو موريتانيا: معارك العروبة وانتفاضة لم توقف

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=300w__memed.jpg

القيادي في تيار البعث ممد ولد أحمد خلال مقابلة شاملة مع وكالة الأخبار (تصوير الأخبار)

بخطواته الوئيدة، وطلاقته في التعبير وببساطته المعتادة، وبصراحة غير معتادة في زعيم حركة سياسية عملت خلف أستار السرية عدة سنوات ..يتحدث القيادي البعثي ممد ولد أحمد عن تاريخ حركة البعثيين الموريتانيين.

وباعتزاز فخم بماضيه السياسي والإيديولوجي الذي يرافق دولة الاستقلال و لا يزال يتواصل ضمن فعاليات سياسية متعددة المسميات،يستعيد القيادي البعثي ممد ولد أحمد تاريخ واحدة من أبرز الحركات السياسية،ظل طوال سنوات عديدة،عنصرها الأبرز،وأباها ’’ الروحي’’ ..كما ظل يرفض تولي قيادتها الفعلية، طوال سنوات ’’السر والعلن.’’

ممد ولد أحمد فتح لوكالة "الأخبار" المستقلة، صفحات أرشيف حركته السياسي، ولم يكن الأمر أكثر من صفحات مطوية من عمر الرجل، فمسيرة الرجل والحركة، متكاملتان، ولم تكن سنوات الشد والجذب وسنوات الألق وفترات السجون التي عانى منها البعثيون،إلا ملامح من شخصية ممد،الذي لاقى في ’’ سبيل البعث’’ السجن والتعذيب،وفي ’’ سبيل البعث ’’ أيضا كان أول عنصر مدني ينتمي إلى مجموعة الانقلاب العسكري الذي أطاح بأول رئيس مدني لموريتانيا المرحوم المختار ولد داداه.


البداية الشامية
استهلت حركة البعث شامية’’ واستمد الرفاق البعثيون في موريتانيا - كما يؤكد الأستاذ ممد ولد أحمد- جذور الانتماء الأولى من القادة السوريين ومن حركة "الشباطيين" بالخصوص متأخرين نسبيا عن أغلب الحركات القطرية التابعة للحركة المركزية التي أنشأها ميشال عفلق منتصف الأربعينيات؟

ويؤكد ممد ولد أحمد الشاب القادم من حركة النهضة والذي يرنو بشيء من الإكبار إلى المقاومة الوطنية،التي وضعت أسلحتها قبل 26 سنة فقط قبل الاستقلال، أن الدافع الوطني،والسعي إلى مواجهة الاستعمار الثقافي،الذي يعتبر أبرز ميزة للاحتلال الفرنسي،هو ما دفعه ورفاقه إلى اعتناق الفكرة القومية.

ويضيف ممد ’’ كما تعلمون الاستعمار الفرنسي في بلادنا كان استعمارا ثقافيا بالدرجة الأولى أكثر منه اقتصاديا، وفي الحقيقة فترة النضال ضد الاستعمار لم يمض عليها حينها سوى 20 سنة تقريبا، قررنا نحن أيضا أنه لا بد أن نتابعها بموضوعية وأمانة وبأقل تكلفة ووجدنا أنفسنا نحن والحزب الحاكم نلتقي في الكثير من الأهداف’’وبدأ الرفاق ’’ناصريين’’ ينظرون إلى المشروع العروبي الذي يقدمه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر باعتباره بوابة الوحدة والحل الوحيد لأزمة الأمة العرب،ولم يكن ممد ورفاقه يرون أن تناقض بين الطرحين الناصري والبعثي.

وفي هذه الظروف كان كل شيء يجمعنا مع البعثيين، خصوصا الطموح إلى النهوض بالعرب عموما، وأيضا النضال بجدية ضد المستعمر الذي كان يعزل البلد في الصحراء وكان يتقوى علينا بسبب انقسامنا’’ يضيف ممد.

هذا عن الوضع في الداخل،أما الخارج الذي يأتي منه ’’ البعث’’ فقد كانت ظروفه هي الأخرى مواتية، لميلاد حركة قطرية للقوميين البعثيين في موريتانيا’’ فحركة التحرر العالمية في بداية نضوجها وقوتها، وحرب التحرير في الجزائر مستمرة وكذلك في المغرب وتونس، وصوت العرب في القاهرة لا يزال مهما ومؤثرا، وفلسطين حروبها مستمرة، إذن في هذا الظرف الدولي والعربي والمحلي’’ كل ذلك كان عوامل مؤثرة في خلق الوعي الجماعي للشباب البعثيين في موريتانيا،لكن ذلك أيضا كان كفيلا بأن يكتشف الرفاق أن ’’حركة عبد الناصر غير أن تسارع الأحداث سيغير وجهة ’’الرفيق ممد’’ عندما يكتشف لاحقا أن حركة الناصريين العرب ’’هي كلام وعاطفة دون جدية، وأن حزب البعث أكثر فاعلية’’ حسب تعبير الأستاذ ممد ولد أحمد.

وكما تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي الأب بشباب من خريجي الجامعات الفرنسية، كان على النسخة الموريتانية أن تنتظر هي الأخرى ظهور شخصية الصحفي محمد يحظيه ولد أبريد الليل، الذي درس في فرنسا والتقى بقيادات عروبية من الطلاب المبتعثين إلى فرنسا،ليكون العام 1967 تاريخ النكسة المشهور بداية ميلاد حركة البعثيين في موريتانيا.

ويتذكر ممد رفيقه محمد يحظيه ولد أبريد الليل ..حينما جمعتهما الحركة القومية منذ العام 1962، قبل أن يغادر أبريد الليل باتجاه فرنسا، ليعود منها بعد ثلاث سنوات، حاملا ’’ميلاد القيادة القطرية لحركة البعث في موريتانيا’’ بالإضافة إلى زميله الداه ولد الحسين الذي درس هو الآخر في فرنسا وقبلها في سوريا، والذي سيتولى لاحقا قيادة ’’ الجناح العسكري للبعثيين ’’في الجيش الموريتاني.

وعن الروافد الأساسية للحركة الناشئة، يؤكد ممد ولد أحمد أن البعثيين الموريتانيين، بدأوا اتصالاتهم الأولى مع حركة الشباطيين السوريين التي استولت على الحكم في سوريا سنة 1966 بعد أن تمكنت من إزاحة نظام حزب البعث ونفي أغلب قادته وخصوصا العنصريين الأساسيين ميشال عفلق وصلاح البيطار.

البدايات لم تكن محكمة كل الإحكام،فالسابقون الأولون من أعضاء حركة البعثيين في موريتانيا،مجموعات من الطلاب والعمال،والمنشور الفكري الأساسي لتكوين أفراد الحركة البعثية،لم يكن أكثر من ’’مجلة موريتانيا العربية’’ التي بدأت الصدور منذ العام 1964 بإشراف من الأستاذ ممد.
أما ’’الأوكار’’ أو بيوت الاجتماعات السرية كما يسميها البعثيون فقد كان منزل المحامي محمدن ولد الشدو ’’ المأوى الأول’’لحركة القوميين البعثيين،سرعان ما غادروه بعد أن استقبل ولد الشدو القبلة الشيوعية،مع مجموعة من رفاقه العروبيين الذين حولت ’’النكسة’’ مسارهم إلى اعتناق معالم الفكر الشيوعي،في طبعته الصينية كما يقول ولد احمد.

يتذكر ممد بدايات الصراع بين البعثيين وخصومهم سواء في النظام،الذي كان البعثيون يخافون اطلاعه على أبسط معلومة عن تنظيمهم الخاص، رغم أن الاجتماعات الأولية كانت تعقد في العراء وعلى مقربة من قيادة أركان الحرس الحالية.


لكن الأوكار ستنقل من العراء إلى بيوتات تنظيمية خاصة، سواء في منزل محمدن ولد الشدو، أو في منازل خاصة، في مدينة3، قبل أن تخرج العملية التنظيمية إلى العلن من خلال الثانوية الوطنية.

ويتذكر ممد كيف كان الرفاق يتندرون ببعض الأشعار الحسانية، التي تعكس سخريتهم من ’’ العملاء’’ مرددين:

الله يبًرك كل حال من ذ لأحوال أعلين* والله يبكم حد قال للحكومة شي فين


الإعدام لآكلي المال العام
ورغم أن ممد ولد أحمد أول عناصر حزب البعث في موريتانيا،إلا أن أول قيادة للحركة الناشئة أوكلت إلى الشاب المشاكس،الذي طالما طرد من مقاعد الثانويات سواء في لكوارب أو كيهيدي أو نواكشوط، لإصراره الدائم على تسيير إضرابات مناهضة لعدد من قرارات النظام الداداهي محمد يحظيه ولد ابريد الليل حيث حظي في فرنسا بلقاءات متعددة،وكان صلة الوصل التام بين الحركة وقيادات "الشباطيين" ويتذكر الأستاذ ممد ولد أحمد من بين تلك الأسماء السورية اللامعة التي ربطتها صلات تنظيمية بالبعثيين الموريتانيين كلا من صلاح البيطار وصلاح الكيد و’’هو شخصية هامة من الشباطيين’’ يضيف ممد إضافة إلى براهيم مخوص ويوسف الزعيم.

لكن ممد الذي لا يزال يتذكر أن ’’ الكلام لايقال كله’’ يؤكد أن العلاقة مع السوريين ستشهد بعض الفتور،بعد أن تتحول وصاية ’’ الأخ الكبير’’ إلى البعث العراقي الذي سيتولى السيطرة على مقاليد الأمر في بلاد الرافدين،والذي سيولي اهتماما خاصا للرفاق الموريتانيين،من خلال دعمهم بالمال والرعاية السياسية،عبر أحد مسؤولي السفارة العراقية في نواكشوط، طوال عقود السبعينيات وحتى منتصف التسعينيات،ويتذكر ممد بإكبار أن العراقيين لم يألوا أي جهد في دعم الرفاق الموريتانيين، لكنه يتذكر أيضا أن ذلك الدعم لم يكن لسواد العيون ’’فقد أرسلت القيادة القومية في العراق بعض السلاح لإعدام بعض القادة البعثيين في موريتانيا بعدما أدانتهم بخيانة التنظيم’’ لكن البعثيين الموريتانيين أشفقوا على رفاقهم ’’الخائنين’’ ولم ينفذوا الحكم الذي طالبت به القيادة المركزية ضد هذين الشخصين الذين يقول ممد ولد أحمد أن أحدهما توفي رحمه الله فيما لا يزال الآخر حيا وهو الذي كان البعثيون اشتروا دارا باسمه في العاصمة ليتم تأجيرها ويعود ريعها على العمل فقام ببيعها و أكل ثمنها وهو يضيف ولد أحمد يا لسخرية القدر لا يزال اليوم رجلا مهما في الساحة الوطنية.

يذ1كر ولد أحمد أيضا أن السلاح الذي بعثت به القيادة لم يستخدم مطلقا حيث قام البعثيون بإخفائه أخفوا نواكشوط المتحركة حيث غطت الرمال كل أثر للسلاح،قبل أن يكشف ممد للأخبار عن الواقعة المثيرة.


معارك طرد الزنوج
يذكر ممد ولد أحمد أن الشرارة الأولى للصراع العرقي، انطلقت من الثانوية الوطنية حيث بدأت الاشتباكات بين الطلاب العرب والزنوج سنة 1966

وقد أدرك البعثيون من خلال تلك الاشتباكات أنهم أصبحوا’’قوة مهمة’’يمكن أن تلتف قطاعات واسعة حول مطالبها بالتعريب، ويضيف ممد ’’وعندما حلت ذكرى الاستقلال قامت حركتنا بمظاهرات تحمل فيها مناشير أمام الرسميين والوفود الأجنبية، ومن هنا بدأت التطورات المعروفة بين الزنوج والعرب ورد الزنوج أن البلد تم احتلاله من طرف العرب وتدعمهم في ذلك السفارة الفرنسية في نواكشوط، وبعد ذلك استمرت المواجهات بعد أن طردنا مجموعات من الزنوج من الثانوية وبدأت الاشتباكات وتم إلغاء السنة الدراسية، إذن تأسيس الحركة جاء بعد معارك طويلة ومدروسة’’.

تكليف قيادي

ممد يتذكر أيضا أول قيادة بعثية في موريتانيا، لقد كان الأمر تكليفا قادما من وراء الحدود، أيضا ففي سنة 1968 ’’ تم تكليفي بها بعد عودتي من دكار عام 1968 وجدت أمامي أساسا محمد يحظيه والإمام ولد أبن وموسى ولد أبن الروائي المشهور وأحمد ولد بياه.

أما هرمية التنظيم، فقد اعتمدت السرية الكاملة، خوفا من الأمن ’’ الذي يتربص بنا بالإضافة إلى أن مناضلي الحركة شباب من البدو وهذه أول مرة تعرف فيها البلاد مثل هذه الحركات والتنظيمات’’ يضيف الأستاذ ممد ولد أحمد.

القيادة لم تكن اختيارا محليا خالصا’’وبحسب ممد فإن تلك القيادة’’يتم تعيينها هنا ثم ترفع إلى القيادة القطرية المركزية، لكن الوثائق في هذا الشأن يتم إحراقها خوفا من تسربها إلى الجهات الأمنية، مما تسبب في ضياع الكثير من هذا التاريخ’’ أما مراحل التنظيم فإن ممد يتذكر مرحلتين أساسيتين هما خالد والمثنى ’’وحركة ثالثة لم أعد أتذكرها’’ بينما يؤكد قيادي بعثي آخر أن تلك الثالثة لم تكن غير ’’صلاح الدين’’ التنظيم العسكري للبعثيين.

وخلال تلك الفترة عملت قيادة البعثيين على وضع البرنامج السياسي للحزب، جرى كل ذلك من خلال اجتماع خاص ينعقد فجرا خلال يومين محددين من كل أسبوع.وسعت الحركة البعثية إلى مد أواصر الارتباط مع الحركات الأخرى من خلال لجنة السياسات التي ضمت كلا من ممد ولد أحمد محمد يحظيه ولد ابريد الليل، ومحمد فاضل ولد سيدي هيبة أما الأهداف العامة للتنظيم فيختصرها ممد في التالي ’’كنا نخطط أساسا لربط موريتانيا بالعالم العربي والتعريب وتوقيف سيل المهاجرين من الجنوب ورفض الشيوعية، ومع مرور الزمن أصبح لنا مطلب آخر هو العدالة الاجتماعية، وكنا نتوقع أيضا الوصول للسلطة وحكم البلد عن طريق ثورة شعبية ولم نقتنع بفكرة الانقلاب إلا بعد ذلك بكثير بعد تأثير بعض الزملاء مثل جدو ولد السالك وذلك من الأخطاء التي كانت سببا في فشل الحركة.


عين على الجيش
جدو ولد السالك الذي سيظهر لاحقا كأحد أهم الأسماء التي قادت الانقلاب العسكري ضد الرئيس الأسبق المختار ولد داداه كان البوابة الأولى للبعثيين نحو الجيش.

ويضيف ممد ’’لم نهتم بالجيش أبدا إلا بعد أن جاءنا جدو ولد السالك وأقنعنا بأن حرب الصحراء دمرت البلد وأن المختار ولد داداه مريض ووزير الداخلية أحمد ولد محمد صالح ذهب إلى السعودية في رحلة من شهر للحصول على تمويل ولم يعد بشيء ويوجد على التراب الوطني 38 ألف جندي مغربي والبلد معرض للاحتلال من المغرب، والسكة الحديدية تم ضربها من طرف البوليساريو وأوشكت أن تتوقف’’لقد كانت صورة سوداوية أغرت البعثيين الموريتانيين باعتناق الانقلاب العسكري الذي كان حينها أحد المفردات الأصيلة في فلسفة حزب البعث العربي الاشتراكي القومي، باعتباره الخيار الثاني لإقامة وحدة عربية، وذلك إذا لم تقم ثورة شعبية للإطاحة بالأنظمة التي تقف ’’ في سبيل البعث، هنا يضيف ممد - جاءت فكرة الانقلاب بعد أن أقنعنا بأنه سيتم تقييم الاقتصاد ثم نعيد السلطة بعد ذلك للمدنيين.

ويؤكد ممد ولد أحمد أنه أول عنصر مدني اتصلت به مجموعة الانقلابيين، ويضيف ’’لدي معرفة مسبقة بجدو ولد السالك في الثانوية وقد اتصل بي قبل الانقلاب بسنة تقريبا، حيث كانت هناك محاولات للقيام بانقلاب لكنها تفشل حتى جاءت الفرصة للقيام به، وبالمناسبة المختار ولد داداه كان على علم بالانقلاب لكنه منهك وليست لديه أي قوة للتصدي له.

وإذا كان ممد ولد أحمد العنصر المدني الأول في حركة الانقلاب العسكري سنة 1978، فإنه يؤكد أيضا أن الجهود الكبرى التي بذلها الرفاق البعثيون في سبيل هذا الانقلاب لم تؤت أكلها، فقد انهار جسر التحالف بين الطرفين،وأكلت الثورة ’’آباءها’’.

ويضيف ممد بعد الانقلاب بدأنا في حشد الدعم من طرف الحركات الأخرى، غير أن حركة الكادحين كانت قد دخلت حزب الشعب قبل ذلك، لكن تمكنا نحن من جمع كل تلك الحركات وتمثيلها في السلطة، قبل أن ينضموا للعسكر بعد ذلك ونسجن نحن’’ورغم ذلك فإن ممد لا يخفي أن الانقلاب كان عملا مناسبا مكن من تمدد البعثيين الموريتانيين،بعد أن ظلوا قبل ذلك مجموعة قليلة من ’’الأشخاص النوعيين’’أما عن الخطط التحضيرية للانقلاب،فإن ممد يتذكر لقاءاته مع الزعيم الفعلي للانقلاب جدو ولد السالك والتي كان آخرها بعد عودة هذه الأخير من الميدان جريحا،ويتذكر ممد حواره مع ولد السالك قال لي : البلد يعيش نهايته ومن اللازم التحرك لإنقاذه، قلت له : نحن نناضل والحرب لم تقف لكن ليست لدينا حيلة أجابني سننقلب على المختار.

قلت له : لا اعتقد أن الجيش يمكن أن يحكم.

فأجابني : الجيش لن يحكم الانقلاب سأقوم به أنا وحدي وبعد أن نحكم سنقييم الاقتصاد وننهي الحرب ونعيد السلطة للمدنيين بانتخابات
وهنا اقتنع ممد بفكرة الانقلاب وانطلقت الأعمال التحضيرية لإزاحة المختار ولد داداه عن سدة السلطة،غير أن ولد السالك لم يكن يطلع شريكه ممد على كل التفاصيل،لكن هذا الأخير كان يرى أن الأمر مناسبا جدا’’ لا نرغب نحن في الاطلاع على ذلك لأمننا الشخصي وأمن الحركة’’
ويواصل ممد استعراض شريط يوميات الانقلاب’’ كنا نجتمع في منزل سيدي أحمد ولد ابنيجارة الذي كان يعمل في البنك المركزي، لم يكن بعثيا حينها ولكنه صديق لنا جميعا،غير أن الخلية الانقلابية الصغيرة،ستتوسع لتضم كلا من المحجوب ولد بيه وأحمد ولد الوافي الذي يعتبر أول مدني يتم الاتصال به،ويتم توزيع الخلايا إلى جناحين ’’ جناح مصدافى ويتولي التنسيق مع مجموعة الشيوخ الطاعنين في السن مثل شيخنا وحمود ولد أحمدو وعبد القادر كامرا،إضافة إلى تيار سياسي يقوده جدو ويضم البقية بما فيها أنا شخصيا’’ يضيف ممد ’’ كنا نقوم باكتتاب المواطنين ونقوم بإعداد الخط السياسي واتفقنا على برنامج معين، لكن رفض ولد أبنيجاره كتابته حذار من الأمن، مؤكدا أننا لن نختلف، لكننا اختلفنا بعد ذلك بقليل’’ يضيف ممد.

وإذا كان ممد يحمل مخاوف ولد ابنيجارة الأمنية مسؤولية عدم ضبط العلاقة المستقبلية مع الانقلابيين،فإنه يعتبره أيضا أحد الشخصيات الأساسية في الإطاحة بولد داداه ’’والقلعة القوية حينها كانت تضم كلا من ولد أبنيجاره ومحمد يحظيه وجدو وأحمد ولد الوافي ومحجوب ولد بيه.’’ يضيف ممد.

ويتذكر ممد بعض اللحظات الطريفة قبل الإقدام على إزاحة ولد داداه’’ لقد وقع الاختيار على قائد الأركان السابق مولاي ولد بوخريص لتنفيذ الانقلاب،كان عليه أن ينسحب بكتيبته المتمركزة في أكجوجت للإطاحة،بولد داداه، لكن ولد بوخريص فزع فزعا شديدا من هذا التكليف،وارتعدت فرائصه عندما أخبر بذلك’’،ليقوم جدو ولد السالك بعد ذلك بالانسحاب من ازويرات بكتيبته إلى نواكشوط،حيث نفذ الانقلاب.
لكن ولد بوخريص لم يكن عنصرا سلبيا في الانقلاب،فقد كان عضو لجنة ثلاثية ضمت أيضا كلا من جدو ولد السالك وسيدي أحمد ولد ابنيجارة’’طمأنت السفير الفرنسي بأن الانقلاب ليس موجها ضد مصالح باريس’’أما ممد ولد أحمد الذي بات في لكصر وعلى مقربة من القصر الرئاسي،فقد بادر بحشد الدعم اللازم للانقلاب وتسيير مظاهرة مساندة للقادة الجدد، لقد كنا يضيف ممد ’’على يقين من نجاح الانقلاب لأن المختار ضعيف في تلك الفترة والعمال لم يتلقوا رواتبهم منذ شهرين والبلد منهك بسبب الحرب والقوى السياسية ضعيفة، ومعظم رموز حركة الكادحين – التي هي أقوى الحركات حينها - خارج العاصمة، ولد بدر الدين مثلا موجود في كيهيدي وولد مولود يدرس في السنغال وقيادة حزب الشعب ضعيفة جدا في تلك الفترة، أما شيخنا ولد محمد الأغظف فقد حضر لاجتماعات المكتب السياسي للحزب وأمضي معظم الليل يحكي لهم القصص حتى يشغلهم عن التطورات الأمنية المحضرة للانقلاب’’ لقد كان الأمر أمرا قضي بليل أو على الأصح بليال متواصلة.

أطيح بولد داداه،بزناد عسكري وأصابع بعثية،وقبض على وزرائه،وطوى البعثيون أولى صفحات الانقلابات،لكنهم في المقابل سيواجهون تهما متزايدة بالمشاركة في انقلابات عسكرية،دفعوا ثمنها سجونا وعذابا وتسريحات متواصلة من الجيش بعد ذلك بسنوات.

وإذا كانت الحركة البعثية قد اختلفت سريعا مع نظام العسكر،فإنها لم تفقد الثقة في الجيش، الذي أولته اهتماما خاصا،بلغ أوجه مع الضابط الداه ولد الحسين ومحمد يحظيه ولد ابريد الليل، لكن قادة التنظيم تعرضوا للكثير من الاعتقال والاستجواب من طرف الأحكام المتتالية على البلد خصوصا في عهد حكم معاوية ولد الطايع الذي يعد السبب في القضاء على الحركة البعثية’’غير أن ممد يتذكر أيضا أن صراعات داخلية أسهمت في القضاء على الجناح العسكري للبعثيين،فمحمد يحظيه ولد ابريد الليل لم يعد مقتنعا منذ بداية نظام ولد الطايع بضرورة وجود جناح عسكري،وأقنع القيادة القومية في العراق بذلك،التي اتخذت قرارا بحل الجناح العسكري للبعثيين في موريتانيا،لكن قائده الداه ولد الحسين رفض ذلك رفضا قاطعا باعتباره،استهدافا شخصيا له.

نقلا عن الأخبار