مشاهدة النسخة كاملة : خمسينية استقلال موريتانيا { المختار السالم}


ام خديجة
11-28-2010, 10:09 AM
خمسينية استقلال موريتانيا
المختار السالم:


http://img593.imageshack.us/img593/872/129361.jpg


قبل خمسين سنة وفي مثل هذا اليوم (28 نوفمبر/ تشرين الثاني1960)، حصلت موريتانيا على استقلالها عن المستعمر الفرنسي الذي احتل البلاد لمدة 55 عاماً، تعرض خلالها لمقاومة عسكرية حتى سنة ،1934 لكن الفرنسيين جوبهوا بمقاومة ثقافية غير مسبوقة جعلتهم يعيشون هم وأعوانهم من خلالها في شبه عزلة تامة عن المجتمع .

حصلت موريتانيا على استقلالها تحت خيمة في سهل نواكشوط على شاطئ الأطلسي، ولم تكن البلاد تضم أي بنية تحتية وقتها، بل كانت مجموعة من البدو الرحل في صحراء مترامية الأطراف .

وقد سلم المستعمر الفرنسي السلطة لنخبة افرانكفونية بعضها مستورد من الدول الإفريقية (جنوب) لتباشر تأسيس الدولة وتحقق لفرنسا ما عجزت عنه، حيث أصبحت تلك النخبة وصية على هوية الدولة التي ستصبح الأقل استقراراً في شبه المنطقة .

تعرضت موريتانيا لهزات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة جراء الأحداث العرقية (سنوات ،1966 ،1989 ،1990 1991)، وحرب الصحراء (1976-1978)، ثم مسلسل الانقلابات العسكرية البيضاء والحمراء الذي وصل إلى 14 انقلاباً ومحاولة انقلابية ما بين (10 يوليو/ تموز 1978 و6 أغسطس/ آب 2008) . حصيلة ذلك 9 رؤساء بينهم مدنيان فقط .

منذ سنة 1992 دخلت موريتانيا مجال التعددية الحزبية، وشهدت معارك سياسية وانتخابية شرسة، انتهت إلى ما يسميه بعض الموريتانيين “تجربة ديمقراطية نموذجية” ويسميه البعض الآخر “ديكتاتورية مقنعة”، أو “أجمل كذبة” بتعبير مثقفين موريتانيين .

وخلاصة القول في هذا المجال إن الموريتانيين بأحزابهم البالغة 75 حزباً سياسياً، وصحفهم (650 عنواناً)، ونقاباتهم العمالية (9 نقابات)، ومنظماتهم المدنية (4 آلاف منظمة غير حكومية)، وبعد 50 سنة من الاستقلال، تصحو موريتانيا على تحديات كبيرة وبالغة الخطورة على استقرارها ومستقبلها . ومن أبرز هذه التحديات:

مشكل الهوية: لقد حسمت هوية الدولة دستورياً ك”دولة عربية إفريقية إسلامية”، في دستور العشرين من يوليو/ تموز ،1991 ولكن وبالرغم من الإرث العربي المعروف لموريتانيا (بلاد شنقيط)، والدين الإسلامي الذي يوحد جميع مكونات الشعب الموريتاني، فإن السجال حول الهوية ظل مستمراً للعقود الخمسة الماضية ووصل إلى حد الدموية عدة مرات كان آخرها السنة الحالية (أحداث جامعة نواكشوط 15 إبريل/ نيسان 2010) .

فالأقلية الإفريقية (5 .16%) ترفض تعريب التعليم والإدارة وتعتبره تذويبا لهويتها الإفريقية، وهي مدعومة في هذا الملف من الفرانكفونيين العرب الأكثر خطورة وكذلك المستعمر الحاضر دائماً فرنسا .

وقد بدأ قوميو الأقلية الإفريقية رفع مطلبهم إلى شطب اللغة العربية من صفتها لغة رسمية للبلاد، وتوزيع الثروات والمناصب على أساس عرقي، ومنح حكم ذاتي للأفارقة، وكذلك إعادة تأسيس الجيش على أساس عرقي، كما طالبوا بتغيير اسم الدولة ونشيدها وعلمها .

وقد اضطر نظام الرئيس عزيز إلى الإعلان صراحة عن عجز الحكومة لوحدها عن تسوية ملف التعليم معلناً عن مشاورات وطنية لهذا الملف . خاصة وأن الفرانكفونيين وفرنسا يقدمون اللغة الفرنسية ك”لغة توحيد وتواصل بين أعراق الموريتانيين”، وهو ما يرفضه القوميون العرب الذين يرون في ذلك مسخاً لهوية وتاريخ البلاد، وخضوعاً لأبشع أنواع الاستعمار الجديد . ويرى متابعون للميدان أن حل مشكل التعليم، الذي هو حسم لهوية البلد، أحد أخطر الملفات التي تواجه البلاد حاليا .

مشكل الحراطين: عانت هذه الشريحة العربية المكونة بنسبة كبيرة من الأرقاء السابقين من غبن واضح في جميع محطات تاريخ الدولة، وعانت من ويلات الاسترقاق تاريخياً فيما تعاني حالياً من التهميش .

وقد فشلت جميع الحلول التي وضعت لمعالجة مشكل مخلفات الاسترقاق، إلا أن الجديد هو بروز تيارات سياسية من هذه الشريحة تدعو لفصلها عن العروبة وتصنيفها كقومية مستقلة ذات جذور إفريقية . وتؤكد تقارير ذات مصداقية عالية أن “إسرائيل” ودول ومنظمات غربية ودول الجوار الإفريقي (السنغال، مالي) ودول أخرى في القارة (بوركينافاسو)، ضالعة في هذا الملف الخطير .

مشكل التنمية: منذ استقلالها وقعت موريتانيا بين سندان الجفاف ومطرقة الفساد، وكانت النتيجة كارثية، فموريتانيا التي لا يتجاوز عدد سكانها 3 .3 مليون نسمة، وتبلغ مساحتها أكثر من مليون كيلومتر مربع (ثالث أكبر دولة عربية مساحة)، وتتمتع بثروات طبيعية هائلة، تصل فيها اليوم نسبة الفقر إلى 76% ونسبة الأمية إلى 60%، ويعيش أكثر من نصف سكانها في مدن وقرى الصفيح، فيما لا تغطي القطاعات الخدمية سوى 15% من احتياجات السكان وكل ذلك وسط غياب شبه تام للبنية التحتية .

المشكل الأمني: منذ خمس سنوات وقعت موريتانيا (الجارة بحرياً لأوروبا) في مثلث الإرهاب والهجرة السرية وشبكات تهريب المخدرات، ومن شبه المؤكد أن معالجة هذا التحدي تتطلب وقتاً طويلاً وإمكانيات كبيرة، خاصة في ظل تناقض رؤية دول الجوار للاستراتيجية التي يجب اتباعها إزاء هذا الملف، والتعامل بحذر مع ارتباطاته الإقليمية والدولية جراء تنامي تنظيم القاعدة في منطقة الساحل .

ما الذي أعدته موريتانيا للخروج من هذا الواقع؟

تبدو مقاربة النظام الحالي واضحة وهي وفق تعبيره “إعادة تأسيس الدولة” عبر التصميم على محاربة الفقر، وإنشاء بنية تحتية، وإطلاق حزمة كبيرة من المشاريع التنموية، واستخراج ثروات البلاد، وتسليح الجيش، وحل كل القضايا المستعصية عبر الحوار .

ومما لا شك فيه أن طلائع الجانب المادي لهذه المقاربة بدأت بالفعل تظهر للعيان من خلال سياسة معدنية ستسمح بمضاعفة إنتاج الذهب والحديد خمس مرات، واستخراج الحقول النفطية والغازية المكتشفة، ووضع حجر الأساس لمشاريع طموحة في مجالات السكن والصحة والكهرباء والمياه والطرق، والزراعة، والصيد البحري، والنجاح النسبي في مجال ضبط الأمن ومواجهة الجماعات المسلحة وشبكات تهريب المخدرات والبشر .

غير أن العديد من المراقبين والمحللين والسياسيين والمثقفين يرون أن “مؤسسة الدولة” التي تركت الحبل على الغارب لدعوات التفرقة والعنصرية والتجزئة والتقسيم، لتعيث ما شاءت، لا محالة قد تجد نفسها (الدولة) في وقت متأخر لتدارك الخطر المحدق بوحدة نسيج المجتمع الموريتاني، فالأمر أبعد ما يكون عن “متاجرة أشخاص” بملف حقوقي واجتماعي، بل هو سيناريو محكم على فرن مطبخ خارجي هو نفسه الذي أوقد النار وأنضج التشتت والحروب الأهلية في أكثر من مكان .

بعيداً من ذلك . ما هي أهم التحولات المرتقبة مع بدء موريتانيا لخمسينية جديدة؟

طرحت “الخليج” هذا السؤال على قياديين أيديولوجيين موريتانيين بارزين، وهذه خلاصة تنبؤاتهم:

على الصعيد السياسي والاجتماعي سيتم خلال العقدين القادمين انتقال السلطة (مؤسسة الرئاسة) من العرب البيض إلى العرب السمر، وستشهد البلاد تقطيعاً إدارياً جديداً .

على المستوى الاقتصادي، ستشهد البلاد طفرة نوعية في استخراج الثروات المعدنية (الحديد، الذهب، النفط، الغاز، اليورانيوم . .)، فيما يبقى مصير الثروات الأخرى (الزراعة، الصيد البحري، القطاع الريفي) مرهوناً بالخروج من حالة اللاإستراتيجية المتعبة منذ 5 عقود .

على المستوى الإقليمي، أدخل مثلث الإرهاب والهجرة والمخدرات، موريتانيا إلى “بوتقة الإقليمية الحارة”، ولأول مرة في تاريخها ستصبح موريتانيا أحد المدعوين الدائمين إلى الطاولة الدولية التي يصمم عليها “أمن” منطقة الساحل . وستبقى موريتانيا في مهب “التجاذب العنيف” بين قطبي المنطقة (المغرب، الجزائر) .

إن جردا نزيها لحصيلة خمسينية استقلال موريتانيا يؤكد استمرار “توازن نقاط الضبط والخلل”، الشيء الذي يعطي المشروعية لقلق مثقفي موريتانيا الذين طالما حذروا من مساعي أذناب الاستعمار لطمس هوية شنقيط، وتكريس مقولة “شعب فقير في دولة غنية” .

نقلا عنالخليج