مشاهدة النسخة كاملة : إلى السيد الرئيس.. يد واحدة لا تصفق..


ابن تيارت
11-27-2010, 05:01 PM
إلى السيد الرئيس.. يد واحدة لا تصفق..

سيد محمد ولد أخليل


هل نحن مقبلون على حقبة جديدة من الرخاء؟.. كيف نقيم إنجازاتنا المتواضعة؟ وما هو العمل مع أولئك الذين لا يتقدم البناء بسبب معاول الهدم التي يهدون بها أحلامنا؟.. هل يكفي أن يؤمن الرئيس بالإيجابية ويعمل من أجل تحقيقها وحده؟ وغيره يصر على عدم التفكير في أبعد من بطنه وفرجه..

متى نؤمن بالإصلاح الحقيقي بدل هذا النفاق الذي خيم علينا؟.. متى يسقط أحدنا في إدارة أو مصلحة وتسلم من شروره؟ ..

عندما أرى الرئيس بزيه المتواضع الذي يذكر بموضة أحمدي نجاد وتشافيز التقشفية، يزداد أملي في الإصلاح، وأدعو في سري أن لا يرافق ذلك التقشف تقشفا في الأفكار أو جنونا فيها..

أتذكر وأنا أشاهده أن التلفزيون يمجد الأشخاص ويقدسهم بجنون المنافق الذي فقد السيطرة على عقله.. ألاحظ غياب العقل المشرف الذي يصحح الأخطاء ويقترح الحلول.. ذلك الإشراف الذي يميز الخلل في جلسة الضيوف على طاولة البرامج.. ويلاحظ تنطع المذيع أو قصوره في الإندماج في برنامجه.. ذلك العقل الذي نحتاجه في جميع مرافقنا العمومية والخصوصية..

أتذكر بمناسبة حديث الرئيس عن التعليم أن المخططون للتعليم لا يزالون يهيمون على وجوههم بدليل مسابقة الأستاذة الأخيرة التي رغم ضعف المشاركة فيها (في تخصص الرياضيات كان عدد المشاركين 18 والمطلوب 30 ونجح 2 فقط؟! وفي تخصص الرياضيات والمعلوماتية كان عدد المشاركون 22 والمطلوب 20 ونجح 2 فقط؟! وفي تخصص الرياضيات والكيمياء كان عدد المترشحين 14 والمطلوب 30 ونجح 1 فقط؟! وكما تلاحظون من بين 90 مقعدا معروضا لم يتم اكتتاب إلا 5 أشخاص!! كان ما يهم الوزارة هو أن يعلن الوزير على الملأ توفير الدولة لآلاف الوظائف ويقتل آلاف العاطلين عن العمل بالأمل الكاذب، ثم يتم اكتتاب أرقاما شحيحة لا تنبئ بخير) لم ينجح فيها إلا القليل.. ومن المعروف أن الطلب على الأساتذة كبير، وفي كل سنة يوجد تعاقد بين الوزارة وأساتذة من الشراع يحملون نفس مؤهل المقصيين لتغطية النقص المتواصل لديها فيهم، ورغم ذلك تكتتب الوزارة هذا العدد البخيل (5 فقط) كأنها تريد أن تقول للأساتذة الذين كان إقبالهم على المسابقة ضعيفا مقارنة بالمسابقات الأخرى: أنتم الذين تريدوننا؟..

وإذا حدث هذا في مسابقة الأساتذة وهي الأقرب إلى الشفافية، فما بالك بغيرها من المسابقات؟ وآخرها مسابقة العدو الريفي (مفتشو الرياضة) الأخيرة التي تقدم لها 3000 عاطل عن العمل أجزم أن منهم من لم يهرول مئة متر بعد طفولته (وقد يكون من بين الناجحين، لا غرابة) تنافسوا على 85 وظيفة غير مضمونة.. فأي تخطيط هذا؟ أليس المهم في الأساتذة هو قدرتهم على تدريس الإعدادية التي يكتتبون من أجلها، ولا يوجد غبي واحد حاصل على شهادة السلك الأول في الرياضيات من مصدر موثوق، إلا ويقدر على ذلك خصوصا وأن أمامه عامان آخران من التكوين في مدرستهم العليا؟ ألا يمكن أن يكون حظه في الأسئلة سيئا، أو تكون مجنونة كواضعها؟ أو يتصادف يوم الامتحان مع صداع ألم به أو كارثة حلت به؟ فلماذا التشديد على الناس شدد الله على من شدد عليهم..

وبدلا من التقشف كان بالإمكان التأكد فقط أن المتقدم للمسابقة حاصل على الشهادة المطلوبة من خلال أسئلة ذكية ومنطقية تبرز إحاطته بمقرر السلك الأول في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والمعلوماتية، أما طريقة التمارين الموحلة فطريقة غبية لأنه ومهما بلغ الطالب أو الأستاذ من البراعة، يوجد قطعا ما يعجزان عن مجرد التفكير فيه إما لبعد عهد (ومن المشاركين من هو مزداد في 1970 ولديه باكالوريا 1990) أو لجهل وعدم توفيق.. وطريقة وضع أسئلة الامتحان امتحان آخر لواضعها يبرز حقيقيته التي هو عليها..

ثم لماذا لا يعطون الأولية في مسابقاتهم -قللها الله لما تضيع من أوقات المنتظرين لها- للمساكين المتعفنين الذين لا يزالون يبحثون عن وظيفة العمر وهم على مشارف الأربعين، ألا يستحقون بعض التعاطف والتساهل لأن فرصهم أقل من فرص أبناء التسعينات الذين أمامهم الكثير من الوقت لتجربة حظوظهم واللعب قبل إدراك أهمية الوظيفة والاستقرار..

من جهة أخرى إذا تابعت بعض المواقع الإلكترونية المحلية والكتابات الصحفية تلاحظ بعدها الواضح عن المنهجية في التعاطي مع الأمور، توجد مواقع معارضة (أو كتاب حاقدون) تستغل الفرصة تلو الأخرى للطعن في إنجازات كل من يفعل شيئا لمجرد مخالفتها له أو على الأقل تهميشها وإبراز ما يناقضها في نفس الوقت عملا بمبدأ غط على النظافة بالأوساخ، فلا تكاد تسمع بإنجاز للرئيس –أو غيره- إلا وسارعت إلى نبش قبور أخطائه وتعكيره بما تصطاده من تلك المياه العكرة، وهنالك في الجهة المقابلة مواقع موالية لا تستريح من الرقص والتصفيق أبدا، بل يفتح أصحابها بيوتهم ودكاكينهم التجارية من ذلك النفاق المشين..

أين الوسطية والعدل والإنصاف؟..

من جهة أخرى نقرأ بعض المواضيع في بعض المواقع التي يزورها الناس ويفترض أن توجههم التوجيه الصحيح، فنسخط على أصحابها لأنهم سمحوا لتلك المحاولات الطفولية برؤية النور على صفحات مواقعهم، لم ينتقدوها بل ولم يقرؤوها، فإذا كان الكاتب أعمى أفلا كان المشرف بصيرا؟.. وكيف يشرف على البناء من ليس من أهله؟..

شركة بيزورنو تنظف ما لا أمل في نظافته والمواطن يلطخ !

الدولة تبني الثانويات والوزارة تركل الأساتذة!

الرئيس يواصل إنجازاته والمعارضة تبغض الحق إن كان بجانبه!

الأخلاق الحميدة تنسحب من المعركة مولية دبرها للوقاحة والإختلاس والإنتهازية!

الصادق الأمين يستحي من مبادئه ويسترها لأنها لم تعد تجلب له سوى التهكم والخراب..

ماذا أنجزنا على مدى الخمسين عاما الماضية؟ هل بنينا مدنا مشرفة؟ هل بنينا مواطنون مشرفون؟ هل نجحنا في سن قوانين محترمة يقدرها القائمون عليها قبل المتعرضون؟ هل تقاسمنا الثروة مع الكزرة وأخواتها؟ هل وضعنا الأشخاص المناسبون في الأماكن المناسبة؟ هل قضينا على البدع والخرافة؟ هل عاقبنا السحرة الذين يعيثون فسادا في بيوتنا؟ هل سجنا جهويا واحدا قدم أهله بجاهلية على بقية الناس؟ هل أوقفنا التعينات التي تمطرها مراكز النفوذ لتجلب أشخاصا لا خلاق لهم في العمل والأخلاق إلى إدارات يتربعون على عرشها مباشرة، من الشارع والبطالة إلى مدير لإدارة؟ يدير من سبقه بعشرات السنين؟ وغيره ممن هو أعلى منه شهادة وذكاء يرزح تحت وطأة البطالة؟ ويتمنى العمل كحارس لبناية تلك الإدارة.

هل يوجد أمل في القضاء على البطالة ومسابقة مثل مسابقة مفتشي الرياضة يتقدم لها 3000 مشارك لينجح 85 فقط! هذا إن استطاعوا؟

وفي الأخير هذه بعض الحلول التي تضحك في هذا البلد:

1- تنحية المصفقين والمنافقين الذين يستغلون الفرصة تلو الأخرى لإظهار ولائهم الكاذب دون إنجاز شيء ملموس.. فكم أفسدوا من الرؤساء وكم أضلوا من الحسناوات، وكم عاثوا في الأرض فسادا.. ألم يحن الوقت بعد لتنحيتهم إن لم يكن معاقبتهم؟..

2- سن القوانين التي تعاقب الجيوب أكثر مما تعاقب الأبدان.. لم لا نعاقب على الأخطاء بسوط الأوقية (مثلا التوقف في عرض الطريق، والسب العلني، وإفساد الطابور، والجرأة على تقديم الرشوة.... إلخ) لم لا نجتز من ناصية كل وقح يقوم بذلك بضع آلاف (دون تعجيزه) لكي تغتني الخزينة ولا يتكرر الخطأ الذي أصبح سنة محمودة في هذا البلد..

وقبل سن القوانين يجب إعادة تأهيل المطبقين لها ومحاصرتهم بالقوانين المعاقبة حتى يكونوا أداة فعالة في قطعيتها بدل أن يكونوا أول عدو لها..

إن التجربة الغربية تدلنا على أن القانون يصنع الرقي، فما بالك بقانون يقف خلفه الإسلام..

3- إعطاء الأولية للمفكرين والمستقيمين دون غيرهم –وما أكثرهم في الكبة- لكي يرسموا لهذا البلد معالمه التي يجب أن يسير عليها بدل هذه العربدة، ولا مانع من أن يقودهم الرئيس أو الوزير أو حتى الغفير..

4- التركيز في جميع مؤسساتنا على الإشراف، وهو دور كل من له نظرة صائبة إلى الأمور، مثلا: لو وجد الإشراف الجيد لما رأينا صحفيا يتنطع ويتشدق ويخاطب المتصلين ببرنامجه بفظاظة أو يقطع الخط في وجوههم، ولما رأينا تلك الطاولة الصغيرة التي يحتشد عليها ضيوف البرامج مثل الأسماك في علبة السردين، ولما رأينا نافذة واحدة تسجل آلاف الطلبة الراغبين في دخول الجامعة... إلخ..

إن الإشراف هو النظر إلى تلك النقائص والعيوب بعين الناقد الخبير الذي بإمكانه الملاحظة والتصحيح. والمشرف شخص متطور موجه لغيره نحو الإبداع والعطاء ونحن نفتقده في أغلب مرافقنا.. وهو دور غالبا ما يعطى للمدير مما قلل من فعاليته لأن المدير في الغالب غير متفرغ لتلك الصغائر –كما يراها- وهو في الأول والأخير –مثل الرئيس- يد واحدة لا تقدر على التصفيق، فلا بأس من دعمه ببعض المشرفين الذين لا دور لهم إلا المراقبة وتصحيح الأخطاء إن وجدت ممن يجهل حدوثها أو أهميتها، وهم كثيرون عندنا..

عندما أفكر في الرئيس الحالي أحزن لأنني أراه –وأنا أحكم بالظاهر حسب قاعدة المسلمين- لا يدخر جهدا من أجل البناء، الشوارع تشق حتى في المدن البعيدة، والتعليم يعطى أهمية كبيرة رغم غباء المشرفين عليه، والكهرباء والمياه على قائمة البرامج والأولويات، والشفافية تصارع رغم الخروقات الكثيرة من أجل الوقوف على قدميها في بلد يعذبها فيه أغلب مواطنوه كما يعذب صغاره الكلاب..

ألاحظ أن الغالبية مقتنعة بالفساد الذي عاشت فيه لحقب طويلة واتخذته دينا..

5- لا بد من إضافة مادة عن الحياة إلى المناهج التعليمية تعلم أبنائنا كيف يتعايشون مع غيرهم، كيف يقفون في الطابور ويحترمون الآخر في المرور، والكثير من أساسيات هذه الحياة التي لم يعد الآباء يجدون وقتا لتعليمهم إياها خصوصا بعد خروج المرأة إلى ساحة الوغى بحثا عن الرزق مثل رجلها.. والمضحك أنني كنت أعتقد أن الفكرة من بنات أفكاري قبل أن أتفاجأ بمعرفة أنه يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية 35 ألف مدرسة أدخلت إلى مناهجها مادة عن الحياة..

ولا بأس من التركيز في الإبتدائية على اللغات الثلاث (العربية والفرنسية والإنجليزية) والتربية الإسلامية النافعة (التي تعلم أسس الدين العملية كطريقة الصلاة) والحساب الذي ينفع في دخول السوق، والتخلص من المواد التثقيفية التي كانوا يحفظون للنجاح فقط، بعدها سيخرج الطفل فاهما للحياة قادرا على أداء فرائضه الدينية عارفا بأصول الحساب، وهذه الثلاثة في رأيي تكفي لمواجهة ما بعدها بكل يسر دون تخبط وعقد.. إن التركيز على هذه المواد الخمسة وسلامتها من منافسة المواد الغير مهمة، في ست أو سبع سنين يعطي فرصة أكبر للطفل لإتقانها وهو المطلوب.. وبالمناسبة أذكر أنني وكثيرون مثلي خرجنا من الابتدائية ونحن لا نعرف طريقة الوضوء العملية، وكان لمرابط موجودا ولكنه كان منهمكا في كتابة السور على اللوح، وفي مواجهة أعباء الحياة، في غياب أي تخطيط لإفهامنا أسس ديننا الحنيف.. كما خرجنا من الباكالوريا ونحن محتارون في اللغة الفرنسية التي أصبحت لغة العمل فيما بعد.. أما الحياة فحدث ولا حرج، أخطاء تكررت، وتجارب تعاقبت قبل استيعاب الدرس، ولو وجد التخطيط لإفهامنا لما ضاع الكثير من الجهد في سبيل الفهم والتصرف السليم وهما أساس التحضر والرقي..

"""عن صحيفة البداية"""