مشاهدة النسخة كاملة : جنرال موريتانيا . . أرجل من حديد


ام نسيبة
11-25-2010, 03:42 AM
جنرال موريتانيا . . أرجل من حديد

http://img252.imageshack.us/img252/6524/128705.jpg

نواكشوط - المختار السالم:

ودع الموريتانيون الأسبوع الماضي حمى “النهار الكبير”، الاسم المحلي لعيد الأضحى هنا، وتشرئب أعناقهم إلى عيد آخر هو الثامن والعشرون من نوفمبر تاريخ خمسينية الاستقلال .

مصدر الترقب الشديد هنا للخطاب الذي سيلقيه الرئيس محمد ولد عبدالعزيز بهذه المناسبة، هل سيمثل هذا الخطاب تحولاً في مسيرة البلد، بعد “الجلبة” الرسمية لتخليد هذه الذكرى واعتبارها منعطفا جديدا في مسار الدولة، وهل سيحيي “الخطاب المنتظر” الحساسية الشديدة لدى الموريتانيين إزاء الخطابات و”البيانات” المرقمة؟ والأكثر إلحاحاً بالنسبة للطبقات المسحوقة، هو هل سيتضمن زيادات أجور، وبرامج ومشاريع إنمائية جديدة، وتعهدات بعلاج ناجع لنقص السيولة والارتفاع الجنوني للأسعار؟ إلى غيرها من ملفات .

لا تنطلق دواعي الانتظار من فراغ، فقد شهدت البلاد نهاية الأسبوع الماضي وبداية الجاري تحولاً سياسياً واضحاً في معسكر المعارضة وعلاقته بالنظام، وبدأت بالفعل موريتانيا تمرن “حنجرتها” الصوتية على نطق “المليار”.

ولنبدأ بما كشفته “الخليج” قبل الآخرين عن مشروع الرئيس عزيز لاستغلال ثروات البلاد وخاصة الثروة المنجمية.

فقد أعلن وزير الصناعة والمعادن محمد عبدالله ولد أوداعه حصيلة نتائج المؤتمر الدولي الأول للمعادن في موريتانيا، الذي جرى بحضور 400 مندوب من أكثر من ثلاثين شركة عالمية للمعادن .

ومن خلال خطابات رسمية و43 محاضرة، أكدت موريتانيا انتهاج الليبرالية لتشجيع الاستثمارات والقطاع الخاص، وما اعتبرته إطاراً تشريعياً شفافاً للاستثمار في القطاع المعدني، وخطة عسكرية وأمنية لتأمين استغلال المناجم وأعلن أن شركة “اكستراتا” السويسرية والتي تعد رابع شركة منجمية في العالم، ستستثمر 6 مليارات دولار في مناجم الحديد بولاية “تيرس زمور” (شمال)، ليصل إنتاجها على المدى القريب إلى 50 مليون طن سنويا من الحديد، أي ما يضاعف إنتاج البلاد من الحديد أربع مرات عن مستواه الحالي عند الشركة الموريتانية للحديد والمناجم “أسنيم” البالغ 12 مليون طن سنويا، أي المصدر الثامن للحديد عالميا . وكانت هذه الشركة بدورها، والتي تعد أكبر شركات الدولة، قد حصلت على مليار دولار مؤخرا لتمويل توسيع نشاطاتها المنجمية .

كما أعلن الوزير أن شركة “كين روص” رابع شركة عالمية في مجال الذهب ستستثمر ملياراً ونصف (المليار) دولار في “مصنع ذهب تازيازت موريتانيا”، (250 كلم شمال نواكشوط)، ليصل إلى مليون أونصة من الذهب سنويا .

وأعلن الوزير أن احتياطي الذهب المكتشف في “تازيازت” وصل إلى 20 مليون أونصة من الذهب (ما قيمته 28 مليار دولار بالأسعار الحالية) .

ورأى الوزير أن هذه لاستثمارات ستسمح بخلق الآلاف من فرص العمل وزيادة مداخيل الخزينة العامة للدولة وخلق بنى تحتية جديدة وتمويل مشاريع مكافحة الفقر .

وأكد الوزير أن احتياطات موريتانيا من الحديد تقدر بمليارات الأطنان، أي ما يتيح لموريتانيا مئتي سنة من التصدير .

كما تحدث الوزير عن نتائج مشجعة للتنقيب عن المعادن الثمينة الأخرى مشيرا إلى وجود 50 شركة عالمية ووطنية تمارس التنقيب في البلاد .

لا يخفي المسؤولون الموريتانيون أن هذه الاستثمارات ستمكن من رفع مساهمة القطاع المعدني في الناتج الوطني من 11% حاليا إلى 30% خلال الفترة القادمة، لكن مقربين من الرئيس عزيز أكدوا ل”الخليج” أن السياسة المعدنية الجديدة تستهدف زيادة مداخيل البلاد من القطاع المعدني بنسبة 50% خلال العقد القادم، وهو الشيء الذي إذا تحقق سيعد بحق قفزة تنموية هائلة في البلاد، لعلها كانت الرهان الأكبر لنظام الجنرال الذي أصر على شعار استغلال “كنوز الصحراء المخفية” . وأكد هذا الأسبوع أنه أصبح نظاما يقف على “أرضية معدنية” . إلا أن الهاجس هنا لا يتعلق هذه المرة بما يسميه المسؤولون الموريتانيون الترتيبات الداخلية والإقليمية لتأمين استخراج هذه الثروات، بل إن عبدالسلام ولد حرمة عضو رئاسة “منسقية أحزاب العمل القومي”، في حديثه إلى “الخليج” حول هذا الموضوع، يحذر من وقوع موريتانيا، البلد الضعيف، في مجال تجاذبات الشركات الكبرى وما يقع بين تلك الشركات من صراعات على استغلال الثروات، حيث حطم ذلك الصراع كيانات بلدان بأكملها، مطالبا بانتهاج سياسة ذكية تراعي التوازن والشفافية ومصالح البلد أولا .

هل لغة المليارات المقبلة من الخارج لاستخراج معادن البلاد ستمكن النظام الموريتاني من السير بأرجل معدنية، وتحقيق ما عجزت عنه الأنظمة السابقة في إقامة تنمية حقيقية أم ستكون مجرد وسيلة لاستنزاف ثروات البلاد كما حدث مع الثروة السمكية؟

ومن هذا “التحول المعدني”، الذي يرفع سقوف الأمل لشارع أضناه “قيظ الصحراء”، إلى تحول سياسي محض، فقد بدأ الرأي العام الموريتاني هذا الأسبوع يتساءل عما يجري في معسكر المعارضة وعلاقته بالنظام .

فقد كان لافتاً حضور أبرز زعيمين في المعارضة أحمد ولد داداه ومسعود ولد بلخير على التوالي زعيم المعارضة، ورئيس البرلمان، لأنشطة الرئيس عزيز وسيرهما معه جنبا إلى جنب في نشاط عمومي، بل ومخاطبته لهما بصفتهما الوظيفية في آخر خطاباته، ما يعني أن الساحة السياسية مقبلة ولا شك على هدنة لم تكن متوقعة بأي حال، خاصة أنه لم تمض سوى أشهر قليلة على خروج زعماء المعارضة إلى الشارع وتهديدهم بالإطاحة بالنظام .

هل قرر زعماء المعارضة الموريتانية السير خلف عزيز؟ وما استحقاقات ذلك؟ ما السر في التراجع السريع في حدة خطابات رئيس البرلمان ووقوفه في الوسط خلال خطابه الأخير ودعوته المعارضة والأغلبية معا للترفع عن الخلافات الضيقة والتفرغ لحماية البلد من المخاطر التي تواجهه والعمل يدا بيد لبنائه واستقراره وتنميته؟ ثم الاجتماع المفاجئ بين الرئيس عزيز ورئيس البرلمان المعارض والذي لم يتسرب عنه شيء .

وما سر اللقاءات الدورية بين زعيم المعارضة ولد داداه والرئيس عزيز، ومساندة ولد داداه للجيش في الحرب على الإرهاب، وتخفيف لهجته نحو النظام إلى ما لم يكن يخطر على بال، والمبادرة إلى الاعتراف بشرعية النظام تحت مبرر أن الأمور استتبت للرئيس عزيز بعد سنة على الانتخابات، وأن الأولوية الآن لضمان مصالح البلد العليا؟

وهل سيبقى عبء “التصعيد” على كاهل حزب “اتحاد قوى التقدم” (اليسار) الموريتاني، ورفاقه من الأحزاب المجهرية في منسقية المعارضة، مع إعلان حزب “عادل” (رئيس الوزراء السابق) جهارا نهارا دخوله المفاوضات مع الحزب الحاكم من أجل الانضمام للأغلبية، ووقوف بيجل ولد حميد (حزب الوئام) متفرجاً على ما يجري، بينما غادر حزب “حركة التجديد” إلى الموالاة “غير نادم”؟

من البديهي أن الزعمين مسعود وداداه يهيمنان على المعارضة وبنسبة لا تقل عن 80% من جمهورها، ويعني تراجع الزعيمين إلى ساحة المعارضة “العقلانية” أكثر من خطوة تكتيكية، كما لا يتصور أن يكون وليد صفقة مناصب في الوقت الراهن .

وفي ذروة هذا الوضع تنبت علامات الاستفهام على أرضية أسباب “الاعتدال” الطارئ والمفاجئ في موقف زعيمي المعارضة و”رضيعي لبانها” .

قبل أشهر لم يكن امتناع الرئيس عزيز عن الرد على تهديد الزعيمين بالإطاحة به مفهوما، وظل يتعلل بأنه مشغول بالعمل على تحقيق وعوده للمواطنين بتوفير السكن والصحة والطرق والمدارس .

واليوم يتضح أن الرئيس عزيز كان في ذلك الوقت يراهن على الخلافات داخل صفوف المعارضة، كان يرى الشرارة الصغيرة التي ستحرق الغابة، إن لم يكن “هو” من وضعها بنفسه وعن سبق إصرار وترصد .

صحيح أن نظام الجنرال تمكن بالفعل خلال الأشهر الماضية من تنفيذ مشاريع تنموية طموحه، وجلب تمويلات وهبات واستثمارات دولية، وحصل على تزكية المجموعة الدولية، ولعب ورقة الحرب إقليميا على الجماعات السلفية المسلحة .

وأمام واقع كهذا اتجهت المعارضة للتفرغ نسبيا لخلافاتها الداخلية على مسألة الزعامة، وهي الخلافات التي يعود عمرها إلى عقدين من الزمن .

وقد سعت أغلب أحزاب المعارضة إلى إنشاء منسقية المعارضة التي رأى فيها أنصار ولد داداه إضعافا لمؤسسة زعيم المعارضة ومحاولة لإقصاء “الزعيم” بطريقة ناعمة، الشيء الذي جاء الرد عليه خارج التوقعات، حيث طوى ولد داداه ورقة شرعية الرئاسة، ثم مد يده للحوار مع النظام .

ويؤكد مطلعون على هذا الملف أن ولد داداه لم يدخل مع النظام في أي صفقة محاصصة حكومية، ولهذا وكخطوة للمكافأة المدروسة، من غير المستبعد لجوء النظام إلى تعديل قانون مؤسسة زعيم المعارضة لتمكين ولد داداه من السيطرة على المؤسسة التي تعد قانونيا الناطق الرسمي باسم المعارضة والإطار الشرعي الأهم لها تمثيلا وتمويلا على المستوى الداخلي والخارجي .

وتبقى النقطة الثانية المهمة هي ما يتعلق بالانتخابات النيابية والبلدية القادمة، والمؤكد حتى الآن أن النظام سيبحث مع زعيم المعارضة ملف إجراء هذه الانتخابات التي تعد مصيرية بالنسبة لكافة القوى الحزبية في البلاد، إذ يتوقع أن تخرج قوى سياسية فاعلة وبارزة الآن في الساحة من هذه الانتخابات بخسائر فادحة جراء تحولات الناخبين وتنامي قوة الحزب الحاكم في السيطرة على القواعد الشعبية لاعتبارات متعددة .

وتبقى نقطة أخرى لا يجوز إغفالها في هذا الإطار، وهي الخلافات البينية داخل العديد من أحزاب المعارضة وخاصة حزب التحالف الشعبي (حزب رئيس البرلمان) الذي يعيش منذ فترة على وقع الصراع بين قياداته، الأمر الذي سيكون كارثيا على الحزب بدخول أجهزة النظام لترشيح كفة هذا الطرف أو ذاك .

على أن مقربين من رئيس البرلمان يؤكدون أن “ليونة” خطابه تعود إلى شعوره بخطورة تنامي الدعوات العنصرية داخل شرائح المجتمع خلال السنتين الأخيرتين، وبشكل غير مسبوق خاصة بعد أن اتضح أن دولا ومنظمات حقوقية وسياسية خارجية ضالعة في الصراع العرقي والشرائحي في موريتانيا، ما ينذر بتحول خطر يهدد كيان الدولة .

إن رصدا دقيقا للتحولات الجارية في معسكر المعارضة لا يمكّن في الوقت الراهن من إصدار أحكام وتصنيفات للخارطة السياسية في هذا المعسكر، خاصة أن المعارضة الموريتانية أثبتت قدرتها على الانتقال السريع المفاجئ بين خطي التشدد والاعتدال .

ويري المحلل السياسي رياض ولد أحمد الهادي أنه “أيا كانت نتائج الحراك الراهن في الساحة السياسية الموريتانية، فإن ما يتردد في أروقة السياسة من حديث عن قرب إجراء تغيير حكومي واسع، واستعداد لانتخابات 2011 البلدية والتشريعية، يجعل من الوارد جدا توقع إقدام الرئيس محمد ولد عبدالعزيز على خطوات عملية ربما لا تتوقعها أوساط أغلبيته، بهدف استمالة أكثر أطراف المعارضة تأثيرا في الخريطة السياسية، وبالتالي النيل من قوة خصومه”.


نقلا عن الخليج