مشاهدة النسخة كاملة : خمسينية الاستقلال.. باء تجر وأخرى باء لا تجر


ام خديجة
11-24-2010, 10:07 AM
خمسينية الاستقلال.. باءٌ تجرُّ وباءٌ لا تجرُّ

http://img225.imageshack.us/img225/7352/indexphprexresize180wim.jpg

أحمد يعقوب - أستاذ بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

من يمرر الذاكرة على سنوات الاستقلال الخمسين في العدد، ويرجع البصر كرة أو كرتين على واقع البلد وأحواله يستطيع أن يفهم نسبية آينشتاين أكثر ويعرف ما معنى السفر عبر الزمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أصبحنا نتحكم في إبطائه وإيقافه والرجوع به إلى ما قبل العصر الحجري. ويستطيع أن يفهم من خلال مقابلة الضد بالضد ما ذا يعني أن تكون الصلوات الخمس التي فرضها الله سبحانه خمسا في العدد وخمسين في الأجر تطوي مسافات الزمان والمكان والعدد التقليدية.
ومن يتتبع الدعايات المملة لتخليد خمسينية الاستقلال وبرامجها المكررة يجد أنها تختزل التاريخ الحديث لموريتانيا في كلمات غير تامة عن بدايات الاستقلال الأولى، وأغان أقرب إلى اللاهوية منها إلى الهوية الوطنية، وصور للجنرال الرئيس في عهده الثاني مرشحا ورئيسا ومدشنا وخطيبا.. وبعض من الشيب في ما تبقى من شعر في رؤوس المؤسسين الأوائل، ومقابلات ـ تكاد تقول إنها أنتجت قبل اكتشاف الكاميرات الرقمية ـ يبكون فيها أطلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية..
العيد ليس كلمة تقال ولا لقبا يمنح أو يمنع، وإنما هو حالة عاطفية ومشاعر تترسخ في قلوب الناس وتتكرر على مر السنين لتعيد للجميع ذكريات الماضي الصعب أو الجميل أو هما معا. فالأعياد الوطنية أو أعياد الاستقلال في كل دول العالم إما أن تكون تذكرا للتضحيات العظام وتأبينا للشهداء الأبرار الذين قدموا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله من أجل تحرير الأرض وحماية العرض، ومن هنا فليس من الغريب أن تجد الاحتفال بالعيد الوطني الجزائري ـ مثلا ـ يغلب عليه الطابع التأبيني الممزوج بالشعور بالنصر ورد بعض الجميل للمقاومة والجهاد، لأنك لا تكاد تجد بيتا جزائريا إلا وقد قدم شهيدا أو شهيدين في مواجهة الاستعمار الذي اندحر آخر المطاف بثمن ليس بالرخيص. وإما أن تكون الأعياد الوطنية تذكيرا بما كان عليه الحال قبل وأثناء أيام الاستقلال من تفرقة سياسية وعجز اقتصادي ومشاكل اجتماعية، ولفتا للأنظار إلى ما كان وصار وأصبح وأمسى بعد ذلك من نضج وتطور وتقدم في شتى الميادين، ومن هنا نجد الدول التي كانت متفرقة فتوحدت أو فقيرة فاستغنت يغلب على احتفالها بأعيادها الوطنية المقارنة بين ما كان أمس وما هو كائن اليوم.
أما نحن فلا هذا ولا ذاك، فلا نحن ضحينا في مواجهة الاستعمار تضحيات كبرى يمكن أن تتذكر وتمجد، اللهم إلا مبادرات فردية آتت بعض النتائج الجزئية لكنها لا يمكن أن تسمى مشروعا وطنيا للمقاومة، وشيء من الرفض الثقافي والديني للمستعمر يغلب الطابع السلبي الانسحابي أكثر من الطابع الإيجابي المقاوم، فقد هجر عدد من العلماء والصلحاء البلد وخلوا بينه وبين المستعمرين وأعوانهم بدعوى الخوف على دينهم وعقيدتهم من الانحراف، والحذر على دنياهم من أن يتحكم فيها النصارى والمرتدون.
أما من ناحية الإنجازات السياسية والنظم الدستورية التي يفترض أنها تتراكم على مر السنين فلا نملك إلا أن نقول إننا نسير خطوتين للخلف كلما قطعنا خطوة إلى الأمام، وبدل أن نأخذ جرعة انقلاب كل عشرين سنة أصبحنا نتعاطى الانقلابات الظاهرة والباطنة كل خمس سنين، ولم نحطم من الأرقام القياسية العالمية إلا رقم أعداد الانقلابات. وبعد أن بدأت في مرحلة التأسيس هيبة الدولة تترسخ وهوية الوطن تتعمق عدنا عشرين سنة ضوئية للوراء ورجعنا لعصبية العرق والقبيلة والجهة باسم الديمقراطية.
وفي الإدارة التي طالما شكا فيها المؤسسون من قلة الكوادر المؤهلة أصبحنا نحن بعد خمسين سنة من الاستقلال نشتكي من كثرتهم ونغلق الفرص أمامهم ونقدم غيرهم عليهم ممن لا يحمل من المؤهلات إلا دعم الرئيس، ولا من الأمانة غير حفظ أسرار مصادر الإثراء المشبوه لهم ولمن أعانهم أو أعانوه. ويكفيك أن تكون لك أبسط مهمة عند أية إدارة لتقضي حياتك في الزحام والتشتت وغياب المسؤولية رغم حكايات محاربة الفساد على طريقة حل السحر بالسحر.
أما في التعليم فلم يتغير أي شيء منذ خمسين سنة غير إلغاء بعض الخدمات المدرسية التي كانت مضمونة رغم شح الموارد حينها، ومبان متهالكة أغلبها هبات مقدمة من جهات أجنبية لم تعد تثق بنا فصارت تقوم بالإشراف المباشر على التنفيذ، دون أن أنسى الكراسي المدرسية المنتجة محليا في عهد الرئيس محمد عبد العزيز بشهادة التلفزيون، والاكتظاظ وزيادة الأعداد التي لا يمكن أن تحسب من إنجازات أي رئيس سابق ولا لا حق لأن العامل البيولوجي هو صاحب القرار الأول والأخير في الموضوع.
أما البنى التحتية والخدمات الأساسية فهي خير شاهد، وهي جميعا تقسم بالله وتشهد ألا صحة ولا ماء ولا كهرباء ولا طرق في العاصمة فما بالكم بغيرها، ومن البلايا المضحكة أن تسمع عن مشاريع عملاقة ولا ترى سوى تمرير جرافة من وسط أحد الأحياء العشوائية وتوزيع الأراضي القاحلة على ناس الله وحده يعلم من يستحق منهم ومن لا يستحق، والمن بعد ذلك على الناس بهذه الخطوة وتخصيص البرامج ذوات العدد للحديث عن صفاتها الحميدة وخصال القائمين عليها بشكل مباشر وغير مباشر. رأيت أحد التقارير عن ترحيل أحد الأحياء العشوائية في نواذيبو إلى مكان لا ظل في ولا كن ومع ذلك يقول صاحب التقرير إنه مطل على البحر، وما يفعل هؤلاء بإطلالة البحر غير مزيد من الرطوبة والإزعاج. وفي زيارة الرئيس الأخيرة ترى وزيرا يقف أمام قرية نائية ليست بها أي مقومات للحياة ليعلن أمام الناس بناء جسر عملاق وفندق خمس نجوم في قلب العاصمة، ومع ذلك يهللون له ويثنون عليه بمحامد لم يثنوا بها على رئيس من قبله.
إن الاحتفال بخمسينية الاستقلال ـ الذي كان يراد أن يكون له ما بعده وتحول بين عشية وضحاها إلى احتفال بسيط بسبب التكاليف والفساد ـ ليس إلا مقطعا من أسطوانة مشروخة تدور منذ سنين لتمجيد صاحب السلطة أيا كان وكيفما كان، أو نوع من التقليد السياسي رأى فيه البعض جميع دول العالم لها أعياد وطنية تمجد فيها ماضيها وتعتز خلالها بحاضرها، فأراد أن يجرب التجربة ذاتها دون أن يعرف فوارق التوقيت. وهم في ذلك تبع للمغفل العربي الشهير لما سأله السائل: ما فعل أبوك بجملِه؟ فقال: باعِه. فاستغرب السائل كسره العين في كلمة: باعه، فرد عليه قائلا: سبحان الله! باؤك تجر وبائي لا تجر!

نقلا عن الأخبار

Dah_2010
11-24-2010, 11:45 AM
شكرا لك ام خديجة وتقبلي احترامي و تقديري .. وجهة نظر لا ألوم صاحبها ففي قوة الزوبعة يختلط الغبار بالحصي وتتلبد سماء الرؤية غيما وتهطل زخات الشكوك مطرا ويمتلأ الوادي رغاءا .. طبعا يصعب او يستحيل في ارضية الشوك حصاد الزهور ! فهل باء العموم تجر وباء الخصوص لا تجر ؟


تحياتي

ام خديجة
11-24-2010, 02:49 PM
شكرا لك أخي Dah_2010 على المرور والتعليق

تحياتي