مشاهدة النسخة كاملة : استشراف المستقبل: ضرورة أم رفاهية؟


ابو نسيبة
11-24-2010, 02:27 AM
استشراف المستقبل: ضرورة أم رفاهية؟

د. أحمد يوسف أحمد
لا يختلف اثنان حول درجة التردي الذي وصلت إليه الأوضاع العربية في السنوات الأخيرة، وهو ما يطرح قضية تتعلق بكيفية المواجهة: هل يكفي أن نركز على مواجهة التحديات والمخاطر الراهنة التي تعصف بنا عصفاً منعاً لمزيد من التدهور في أوضاعنا؟ أم أن المطلوب -بالإضافة إلى ذلك- أن تمتد جهودنا إلى محاولة استشراف المستقبل وتبين ملامحه ولو بصورة تقريبية سعياً للتخطيط لمواجهته والتأثير في صنعه، باعتبار أن هذا المستقبل ليس قدراً حتميّاً لا نملك إلا الاستسلام في مواجهته؟
يلاحظ أن الجهود البحثية لاستشراف مستقبل الوطن العربي قد ازدهرت في أواخر سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته في ظل ظروف مشابهة من التردي، ففي ذلك الوقت كان الصدع في العلاقات المصرية - العربية بسبب مسألة التسوية السلمية للصراع العربي- الإسرائيلي قد بلغ ذروته، ومثّلَ نجاح الثورة الإيرانية في 1979 تهديداً جديداً للنظم العربية والأمن العربي، ووصل الأمر ب"إسرائيل" إلى أن أقدمت على غزو دولة عربية مستقلة ودخول عاصمتها في 1982. هذا بالإضافة إلى ما تبلور من تطورات مقلقة ومربكة على صعيد قيادة النظام العالمي بعد وصول جورباتشوف إلى سدة القيادة في الاتحاد السوفييتي في 1985، واتباعه سياسات عززت مناخ الانفراج في العلاقة بين العملاقين الأميركي والسوفييتي وصولاً إلى علاقة وفاق حقيقي بينهما، وكانت لهذه التطورات تداعياتها الإقليمية التي نال العرب نصيبٌ كبير منها تمثلت أهم أبعاده في توقف الاتحاد السوفييتي عن تسليح الدول العربية الراغبة في استمرار المواجهة مع "إسرائيل"، وفتحه الأبواب على مصاريعها أمام هجرة اليهود السوفييت إلى "إسرائيل".
في هذا المناخ تسارعت خطى جهود استشراف المستقبل العربي، وبرز في هذا الصدد مشروعان رئيسيان هما مشروع استشراف مستقبل الأمة العربية الذي رعاه وموله "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت، ومشروع المستقبلات العربية البديلة الذي رعته ومولته جامعة الأمم المتحدة. وقد أثمر المشروعان كمّاً يعتد به من الدراسات التي شكلت وما زالت تشكل قاعدة معرفية عربية رصينة، لكن تلك الجهود الجبارة عصفت بها المتغيرات التي شهدها النظام العالمي في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، والتي بلغت أوجها بتفكك الاتحاد السوفييتي في 1991، وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي. وكانت لهذا الأمر تداعياته الواضحة على بدائل المستقبل العربي، وفي أقل القليل أصبحت الدولة التي تدعم "إسرائيل" في صراعها مع العرب صاحبة اليد المنفردة عالميّاً، ولم يعد ثمة "اتحاد سوفييتي" يمكن أن يلوذ به العرب سعياً لتوازن مفقود، ناهيك عن تقلص خيارات التنمية بعد أن بدا وكأن النموذج الرأسمالي الأميركي قد حقق نجاحاً أكيداً.
ومن المفارقة أن نتصور أن جهود استشراف جديدة قد استوعبت تلك المتغيرات وبدأت تنطلق منها لكي نكتشف بعد أقل من عقدين أن المشروع الأميركي لقيادة العالم يواجه تحديات حقيقية لا تجعل منه قدَراً مفروضاً على الدول، وحتى إذا كان ممكناً في حينه الافتراض بأن "الأحادية القطبية" إلى زوال انطلاقاً من خبرة التاريخ ومن طبيعة المشروع الأميركي نفسه، فإن الأزمة المالية العالمية الأخيرة قد فاجأت الجميع ربما بدرجة لا تقل عن مفاجأة تفكك الاتحاد السوفييتي. ويُظهر هذا كله صعوبة الإبحار في عالم استشراف المستقبل، ويضيف إلى هذه الصعوبة في الحالة العربية أننا نتحدث عن "طرف عربي واحد" بينما حقيقة الأمر أننا نتعامل في الاستشراف مع اثنين وعشرين كياناً قد يتفق بعضها ويختلف الآخر، ولكن كلاً من هذه الكيانات يبقى صاحب إرادة سياسية ليس من الضروري أن تتوافق مع إرادات الآخرين، وبالتالي فإننا سنتحدث عن "مستقبلات" عربية وليس عن مستقبل واحد، وهو ما يقلل من قدرة العرب على ضبط المستقبل والتأثير فيه.
ونعود في هذا السياق إلى إثارة السؤال الذي بدأنا به: هل نكتفي في مواجهة التردي والعجز الذي أصابنا والتحديات والمخاطر التي تحيط بنا بالمواجهة المباشرة؟ أم أن جهودنا يجب أن تمتد إلى استشراف المستقبل لعلنا نستطيع تحديد ملامحه أو بعضها بما يفتح السبل لمحاولة التأثير في صنعه؟ ثمة فريق يجيب على السؤال الأول بالإيجاب، أي يؤمن بالاكتفاء بمواجهة ما هو راهن من المشكلات والتحديات والمخاطر، وحجة هذا الفريق أن البيئة المطلوبة لنجاح استشراف المستقبل غير موجودة في وطننا العربي، فالمعلومات التي تشكل أساساً لأي استشراف غير متوفرة، والبيئة العلمية التي تنمو فيها التقاليد المنهاجية المطلوبة لنجاح الاستشراف غائبة، والحريات الأكاديمية التي لا غنى عنها لكي ينطق الباحثون بما ينتهي إليه التحليل العلمي مشكوك في وجودها أصلاً، فضلاً عن صعوبة التمويل الضخم الذي تحتاجه مشروعات استشراف المستقبل، والذي أدى غيابه إلى وأد بعض هذه المشروعات في مهدها، والأخطر عندما تتقدم جهات دولية لتوفير التمويل، فتحدد بذلك "جدول أعمال" الاستشراف، وبالتالي تكون فكرة التخطيط "العربي" لمواجهة المستقبل ومحاولة التأثير في صياغته غير واردة أصلاً، ناهيك عما كشفت عنه خبرة مشروعات استشراف المستقبل من غياب للجسور بين "النخبة العلمية" و"النخبة الحاكمة"، فبينما يأتي الحاكم في دولة كالولايات المتحدة معتمداً على وثيقة تتضمن برنامجاً سياسيّاً وضعته عقول مفكرة تسير هذه العلاقة في الاتجاه العكسي في الحالة العربية.
ولكن ثمة فريقاً آخر يرى أن الاكتفاء بمواجهة المشكلات والتحديات والمخاطر يضعنا في موقع رد الفعل، وعلى رغم أن رد الفعل الناجح أمر إيجابي إلا أن ذلك يعني أننا أسرى طريق مرسوم لا نستطيع منه فكاكاً حتى وإن تمردنا عليه من حين لآخر، وليس مسار المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية والطريقة التي تدير بها كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة هذا المسار سوى مثال على هذا، فقد يتخذ المفاوض الفلسطيني قراراً برفض هذه الخطوة أو تلك أثناء المفاوضات، بل قد يتمرد على المسار التفاوضي أصلاً، ولكنه يبقى في التحليل الأخير دون رؤية بديلة. ويرى أنصار هذا الفريق أيضاً أن أصغر الدول شأناً يستطيع -إن امتلك الإرادة السياسية- أن يشارك بفعالية في صنع مستقبله، وأن بناء الجسور بين النخبة العلمية وصناع القرارات يبقى أملاً ممكناً خاصة عندما تتفاقم الأزمات إلى الحد الذي قد يشعر معه صانع القرار بحاجته إلى مشورة علمية، كما أن مراكز البحوث العربية يمكنها إن تضافرت أن توجِد حلاً لمشكلة التمويل، ناهيك عن أن تعاونها في هذا الصدد سيكون ذا مردود إيجابي لاشك فيه.
لقد تدافعت هذه الخواطر إلى ذهني بمناسبة الندوة التي تعقدها "المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم" غداً وبعد غد في مدينة تونس بعنوان "العمل الاستشرافي العربي: الواقع والتحديات"، ويعني هذا أن القائمين على أمر المنظمة ينتمون إلى الفريق الذي يؤمن بجدوى استشراف المستقبل. وقد يقال إن الندوة ستركز بحكم تخصص المنظمة على الجوانب الثقافية والتربوية والعلمية، ولكن المشكلات المنهاجية المتعلقة بالاستشراف تبقى واحدة، ذلك بالإضافة إلى أن استشراف المستقبل في هذه المجالات غير منبت الصلة باستشراف المستقبل العربي بصفة عامة، بل إن هذه المجالات كثيراً ما غابت عن جهود استشراف سابقة، ومن ثم فإن الندوة تسد نقصاً مهمّاً في الخبرة المتراكمة لجهود استشراف المستقبل العربي. ويبقى أن ننتظر انعقاد الندوة كي نستطيع الحكم على ما قدمته من جهد علمي في هذا الموضوع بالغ الأهمية لحاضرنا ومستقبلنا.

نقلا عن المركز الفلسطيني