مشاهدة النسخة كاملة : السياسة "فن الابتذال" {عوني صادق}


ام خديجة
11-23-2010, 03:02 AM
السياسة "فن الابتذال"
عوني صادق

لعل أوسع تعريفات السياسة انتشاراً، خصوصاً في زمن الهزائم ومراحل الانحطاط، نجده في ذلك الذي يقول إنها “فن الممكن” . هذا التعريف يقر أمرين: الأول أن السياسة “فن”، والثاني أنها تتحرك في نطاق “الممكن” . لكن هذا التعريف “المختصر المفيد”، كما يلاحظ، ليس جامعاً أو مانعاً، لأنه لم يحدد نوع ومستوى الفن المقصود، ولأن الفن أنواع ومستويات . فالأوبرا فن، و”التعري” في الكباريهات يعتبر فناً، ومن الفن ما يساعد على تحرير الإنسان ويرتقي بذائقته وثقافته وأيضاً بمتعته، ومنه ما يمسخه ويحط من إنسانيته ويعيده إلى توحشه وحيوانيته وغرائزه البدائية . أما “الممكن” فهو أكثر التباساً فقد يكون في أية نقطة على الخط بين الحرية شبه المطلقة وبين العبودية المطلقة . باختصار هناك فن مبتذل يهدم ويميت ويساعد على نشر الظلم والجهل والانحلال (والاحتلال) والعبودية، وهناك فن راق يبني ويساعد على نشر العدل والمعرفة والحرية، فن يحيي الأفراد والشعوب والأمم والمجتمعات .

في أيامنا هذه، ونحن على عتبة العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، ليس صعباً أن ندرك إلى أي حد أصبحت السياسة فناً مبتذلاً، والابتذال هنا لا يقصد به “المضمون” وحسب، بل أيضاً يقصد به الأشكال والأساليب والوسائل التي تتجسد عبرها ومن خلالها السياسة . والأمثلة كثيرة لا تحصى، وأقربها إلينا ما يسمى “عملية السلام في الشرق الأوسط” وفرعها “المفاوضات المباشرة بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية” .

آخر حلقات هذا المسلسل الممل ما يدور الحديث حوله في ما يسمى “رزمة الضمانات الأمريكية ل “إسرائيل”” من أجل إقناع بنيامين نتنياهو “بتجميد الاستيطان” لمدة ثلاثة أشهر والعودة إلى المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية في رام الله . سنأخذ أولاً الجانب الأمريكي في هذه المعادلة، ثم الجانب الفلسطيني، محاولين أن نكشف حجم الابتذال الذي يمارسه كل جانب باعتباره سياسة .

الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية نصبت نفسها حارساً على القيم الإنسانية كلها من الحرية إلى الديمقراطية إلى حقوق الإنسان، وجعلت مما تسميه “الشرعية الدولية” معيارها في تقرير كل ما يخص حل النزاعات وبهدف منع الحروب وإتاحة الفرص للشعوب لتقرر مصيرها بحرية . لسنا في حاجة إلى التذكير بالكيفية التي اعتمدتها الولايات المتحدة لتدوس بكل فظاظة على كل تلك القيم ومزاعمها بشأنها، إذ تكفي الإشارة إلى حروبها في العراق وأفغانستان وسياساتها في السودان واليمن والصومال ولبنان، وما آلت إليه الأمور في بعض هذه الدول وما ستؤول إليه في بعضها الآخر . وبالنسبة ل “عملية السلام في الشرق الأوسط” والقضية الفلسطينية، فإن الكيان الصهيوني اغتصب أكثر من نصف فلسطين بمؤامرة دولية لم يكن الدور الأمريكي بعيداً عنها على الرغم من أنها لم تكن قد تسيدت العالم، ثم احتل الصهاينة بقية فلسطين في حرب أخرى بالدعم والمساعدة الأمريكية، إلى جانب أراض عربية أخرى . وعلى الرغم من أن قرارات “الشرعية الدولية” نصت على حقوق للشعب الفلسطيني بعد حرب ،1948 وانسحاب للقوات “الإسرائيلية” من كل تلك الأراضي التي احتلت في العام ،1967 إلا أن شيئاً من ذلك لم يحدث عملياً (حتى بالنسبة لسيناء كان انسحاباً شكلياً) . لذلك يبدو مبتذلاً جداً أن تتحدث أمريكا عن “مجهوداتها لإحلال السلام في الشرق الأوسط”، كما يبدو مبتذلاً أكثر أن تتقدم برزمتها الأخيرة لإقناع نتنياهو بتجميد الاستيطان لثلاثة أشهر، وهي التي كان يفترض فيها أن تجبر الكيان الصهيوني أقلّه على تنفيذ القرار 242 من دون مفاوضات لو كانت حقاً صادقة في ما تدعيه من حرص على السلام وتحقيقه في المنطقة . وهنا لا مجال للحديث عن “الممكن” الذي تستطيعه الولايات المتحدة إزاء الكيان الصهيوني، والسياسة التي تمارسها واشنطن في هذه المسألة ليس أقل من التآمر المكشوف والدعم للأطماع الصهيونية والسبب واضح وبسيط وهو أن الكيان الصهيوني ما زال “مصلحة أمريكية” أولى .

في الوقت نفسه، تبدو مراهنة السلطة الفلسطينية على “العدالة الأمريكية” مبتذلة منذ البداية، واستمرار هذه المراهنة بعد كل ما ظهر من أكاذيب وأضاليل الإدارات الأمريكية يجعلها أكثر ابتذالاً، ولا علاقة لها بالسياسة باعتبارها “فن الممكن” ذلك لأن الاستسلام ممكن دائماً لمن قرر ذلك، ولأن الشعب الفلسطيني لديه كل الإمكانات المطلوبة لشن مواجهة قوية ضد الاحتلال لو لم تكن القيادات الفلسطينية قد استسلمت وفرّطت في كل الحقوق الوطنية . أما التمسك بتجميد الاستيطان فلا يبرئ ساحة السلطة في رام الله لأسباب كثيرة معروفة، أولها أن الاستيطان أصلاً غير شرعي بحسب “الشرعية الدولية”، وكذلك المستوطنات القائمة ويتوجب تفكيكها في أي اتفاق يمكن أن يتم مع حكومة “إسرائيلية” . وثانيها سؤال يطرح نفسه: ماذا بعد الأشهر الثلاثة، هذا على فرض أن التجميد لن يكون وهمياً كما سبق له وكان؟ وثالثها أنه مجمل السياسة التي قام عليها اتفاق أوسلو وأصحابه لا يترك أية مساحة للثقة بأن السلطة لن تتراجع عن موقفها بطريقة أو أخرى .

إن من يقبل التنازل عن حق عودة اللاجئين، ومن يبدي استعداده لقبول “تبادل الأراضي” والتنازل عن السيادة، وبمقولة “يهودية الدولة”، لن يجد مشكلة في قبول أي شروط أخرى وتقديم كل تنازلات مطلوبة . إن “الزوبعة” الجارية الآن هي مجرد شكل من أشكال السياسة المبتذلة التي تمارسها الولايات المتحدة لتصفية القضية الفلسطينية، أما ردود الفعل عليها فليست أكثر من ردود مبتذلة على سياسة مبتذلة


نقلا عن الخليج