مشاهدة النسخة كاملة : شهادات الاستقلال: التاريخ المحنط والتاريخ المنسي...!


ام خديجة
11-22-2010, 01:35 PM
شهادات الاستقلال: التاريخ المحنّط والتاريخ المنسي!

http://img403.imageshack.us/img403/1558/arton1668ededc.jpg

هل يمكن الحديث عن الاستقلال، دون ذكر رجالات الحركة الوطنية البارزين من أمثال: محمد فال بن عمير المنحدر من أبرز الأسر الأميرية البيضانية، وأحمدو بن حرمة بن بابانا أول قائد سياسي وطني يواجه الاستعمار من داخله، أو يمكن ذلك الحديث من دون تقديم زعيم النهضة المناضل الأسطوري بوياگي بن عابدين، وغيرهم من الرجال الوطنيين الشرفاء.

لكن التلفزة الموريتانية، وربما الإذاعة أيضا، لا همّ لهما، هذه الأيام، إلا الحديث عن بداية الاستقلال السياسي وتقديم "شهادات"، مبتورة، وبعضها مريب، لشخصيات مختلفة أغلبها من صناعة "العهد الأول" . يتم الحديث عن كل شيئ، من حياة العهد الأول، عن مؤتمراته وخلافاته الحزبية، وعن "بناء" حوائط قميئة وشق شوارع ضيقة على غرار هذا النهج الباريسي الثانوي أو ذاك، في بلاد حباها الله بعرض ما بين الرمل والبحر، ليأكل السابقون الحصرم وليضرس اللاحقون.

فأكبر شارع في العاصمة، يمتد بك من "المطار" إلى قرب البحر، وأنت مرغم على التحديق في الشمس رابعة النهار في سماء الصحراء الملتهبة، لأن حكومة "الاستقلال" أرادت أن يكون ما يريده مهندسو الطرق الذين جاؤوا من فرنسا أو حتى من السنغال ـ سواء ـ الذين يعرفون كل شيء إلا إنتاج المجال الرحب واستعادة جسد المدينة العربية الإسلامية في الصحراء.

وهو سبب اختيار العاصمة، في إطار مشروع (موراگ) سيئ الذكر، الفرنسي تخطيطا وتنظيما وقرارا لتنبثق مدينة مشوهة شكلا ومضمونا من رمال قميئة مصفرة ليس فيها من المعالم الشاخصة غير حائط استعماري يريد أن ينقض على مواطن مار، أو بئر معطلة كان يشرب منها ضابط فرنسي لوثها بسؤره أبد الدهر.

نبتة شيطانية سيئة الطالع والاسم أيضا، بل لعلها التسمية "البربرية" الوحيدة في عواصم الدنيا، بنيت على جسد التاريخ المرابطي، في مواطن قبيلة تندغا بين انياگليدة وتيارت الحسيان.. ليأتي وزير تعليم سابق ومعروف ليقول بين "أصدقائه" بالمركز الفرنسي: لم يكن في المنطقة أي شعب ولا تاريخ....! يومها لم يلق غير رد عابر من مؤرخ مشغول، لكن الله لن ينسى لوزير التهذيب مقولته الشهيرة في جمع كلهم أحياء يرزقون: لا أهمية لمادة التربية الإسلامية وضارب 1 (واحد) يكفيها وزيادة! وها هو نفسه في حلقات التاريخ المحنّط عبر التلفزة، وقبل يومين، يقول إن علينا أن نتحدث عن التربية والتعليم في منتديات عامة ليس فيها أي من أصحاب النيات السيئة. وبالطبع فالمقصود هم أهل العربية والدين لا غيرهم.

في المسجد العتيق الأول، كان عالم البلاد وإمامها الشيخ بداه بن البصيري، بل الله ثراه، وقدس روحه، يهز المنابر بقراءته المهيبة الندية وصوته القوي مشددا النكير على من يهمه الأمر مطالبا بغلق البارات ومراكز السوء ومنددا بأشياء كثرة، فلا يلقى من الرئيس مختار غير الجواب المشهور: هل أصاب المسجد بلل؟ وهل ينقصه شيئ؟ فيفهم الإمام العالم المهيب أن ذلك تصريح بالعلمانية وزجر خفي لمن تسول له نفسه تصور دور للدين غير الصلاة والصيام.

ولن ينسى التاريخ، وهو محفوظ مدون، ما ظل الشيخ بدّاه يردده أكثر من مرة على مسامع تلاميذه ومحبيه: لقد قال الرئيس الأسبق مختار أيام تأسيس حزب الشعب: إننا لا نلزم أحدا بالدخول في حزبنا، لكننا لن نعتني به إذا وجدناه لديغا تحت شجرة في بيداء! تصريح في قمة التفرعن على عباد الله وفي أيام يراد لها أن تكون أيام فرح وأكل وشرب تمهيدا لدولة العدل والمساوة والأخوة، التي لن ينالها غير الحزبيين وحوارييهم، أما العلماء فقد رحلوا ولم يلقوا تكريما ولا عناية، ولعل أهلنا لا يعلمون أن الشيخ بداه كان يتلقى راتبا قدره 3000 فحسب، لكن الله في علوه المقدس حاكم على الناس وقد قيض عبده فيصل بن عبد العزيز ورابطة العالم الإسلامي، وإنْ في أخْريات أيام العالم الإمام، لعونه وتعضديه، بعد أن تآمر عليه الأقربون والأبعدون ومنهم علماء بأسمائهم.

يقول بعض المتحدثين "المحظوظين"، اخترت العلَم وقسته على علم دولة الباكستان. ولم يقل لنا أن المثال الذي جرى احتذاؤه كان الرمز الوهراني الاستعماري المعروف مع تعديل وتشذيب ربما اقتضته الحكمة والحذر والهدف أيضا، لكن الذي لم يتبين هو طريقة انتقاء الشعارات المريبة: شرف ـ أخاء ـ عدل، وهي تذكر أولي البصائر بأشياء إن صحت فنحن في مسرح هزلي منذ ما يسمى بالاستقلال.

ولكنك لن تجد تفسيرا لذلك التناقض بين نشيد وطني سلفي أصيل، وجمهورية علمانية بلبوس إسلامي، في جمع بين الضب والنون، وخلط بين الماء والنار، شوش على إيمان الأهل وأنتج من بينهم مُخلّطة وحتى جاحدين.

حلقات يراد لها أن تجعل العامة تصدق، وهي أذكى من الجميع، ما يقوله رجال يتشدقون بالمسؤولية والإيمان بالدولة وهم معروفون بالتعصب للأهل والجهة وحتى لربوع بعينها.

ويتم الحديث عن الاستعمار وعن فرنسا، وعن المحادثات الشاقة معها، وكأن شيئا من ذلك يمكن أن يسوغ في العقول السليمة.

والواقع هو أن فرنسا كانت تحاور نفسها، وهي التي جاءت ببعضها لتودعه "أمانة" تركتها إلى حين.

ليس في الأمر سر، وحتى قدح أو تشهير، حين نكرّر ما يعرفه الجميع، وهو أن الرئيس الراحل مختار لم يكن امتدادا للحركة الوطنية ولا لتراث المقاومة المسلحة التي قادها الأمراء والفرسان والعلماء والأعيان.. وقد قام نظامه بتصفية تآمرية لرجالات الحركة الوطنية والتنكيل الخفي، بالتهميش والحرمان من الحقوق، لقبائل وشعوب من الناس رفضت السير في ركاب مشروع دولة التراجمة، وأبرز مثال عليها منع السكان الأصليين لنواقشوط (إشُگان، أهل بوحبيني، وغيرهم من تندغة...) من حقوقهم التاريخية في الأرض والتعويض عنها بالقطع الترابية في محيط مترامي الأطراف يكفي الملايين، لكن الرئيس الأول استمر في المماطلة (عكست ذلك رسالة مرفوعة إليه من واحد من وزرائه الزنوج طلب حلا للمسألة نهائيا)، كان ذلك نكاية في موقف تلك القبيلة وفصيلة منها، وبعد تصويتها ضد نعم الاستعمارية في الاستفتاء المعروف، ومن التفافها حول مواقف الرفض التي قادها الزعيم المشظوفي الأسطوري بوياگي بن عابدين الذي ظل يكرر رفضه لمشروع الرئيس مختار، وينبه على خطورته ومراميه الخفية السيئة. ولذلك ناله قسط من عذاب الاستعمار الفرنسي في مالي ثم في موريتانيا ومن نظام مختار نفسه، ونالته لعنات مذكرات مختار ومن حوله، حتى أنه قال على فراش الموت مخاطبا أحمد بن محمد صالح: أنا على الحال التي تتمناها لي أنت ومختار.

لقد نشر الكاتب المقتدر الراحل خي بابا شياخ فصولا تراجيدية عن حياة أسرة أول رئيس للبلاد، وعن الصلة الوشيجة بين عمه مختار بضباط الحملة الاستعمارية ودور العم في فصول مؤلمة للمقاومة من تاريخ الاحتلال، وهو ما يراد لنا أن ننساه كي لا نذهب بعيدا لفهم السر الكامن وراء "اختيار" ابن الأخ لرئاسة الكيان المصنوع على عين الاستعمار وآذانه أيضا.

ولكي لا نعرف أيضا صلة ذلك "بتحييد" دور آل الشيخ سيديا، رغم ولائهم المعلن للفرنسيين، كي لا تكون في السلطة أسرة لها منة على فرنسا، تمنعها التصرف بحرية في الكيان الجديد، ولأن في ذلك نوعا من الاستمرارية ـ ولو قليلا ـ لدعوة الإسلام السني السلفي والخروج من أسْر محنة الفقه الفروعي في طبعته المعروفة، والتفاف الناس ولو قليلا حول أسرة لها وزن ديني وعلمي، في أنموذج قد يحتذى ويخرج على المخطط المرسوم.

كل ذلك قد كان، وكل ما أريد للرجل ودوره كائن بقدرة الله التي جعلت فرنسا، تصنع من الرجل بطلا "يتحداها" في إفريقيا وآسيا، وغيرها من القارات التي كانت سفارات فرنسا فيها محل إقامة رجال الحكم الجديد للحصول على دعم الدول الأخرى للاستقلال: إنها الطريقة الانجليزية الشهيرة: ما تريده اجعل الآخرين يقومون به نيابة عنك، فتلك قمة المهارة والمكر أيضا.

لا أحد بمكنته تجريد الرئيس مختار من ميزاته المعروفة: الصبر، الصمت، الانضباط، التكتم، صون السر الوظيفي، التفاصح باللغة الأجنبية.. لأنها صفات ضرورية لأي ترجمان نال حظوة المستعمر.

هل يراد لنا، بتلك الشهادات، أن ننسى محطة معاوية، أم لنستعيد حقبة مختار؟ أو أن نقتنع بجدوائية المرحلة الأولى لنجعلها أداة للقياس والبرهنة والحكم، أي للتعقل؟

يبدو الأمر وكأنه حملة لتذكير الجميع بشيء ما، ربما بلحظة يراد لها أن تكون تأسيسية لكل شيئ: للدولة، وللمجتمع أيضا، بل وحتى للتاريخ ..

لكن الغريب هو القفز على محطات تالية من التاريخ الموريتاني المعاصر، ومن تاريخها القريب جدا، والذي ما زلنا نجتره ونعيشه ونتخاصم حوله، حتى بتنا نتصوره قائما بيننا.

التاريخ في القرءان عبرة، وليس سردا للحوادث، جليلها وحقيرها، لأن الخطاب القرآني يريد للناس أن يعبروا فوق العصور والحضارات والحوادث، أيا تكن معالمها، والموقف إزاءها، لأخذ الحذر من صفات الطغيان الماثلة في فرعون، لقب ملوك الأسرات المصرية قبل ثلاثة آلاف سنة مثلا، وليس اجترار قصة الغرق وما قبلها، وهو حال قصة أصحاب الكهف، وذكر قارون، وأمثالها من القصص المعجز البليغ في محكم التنزيل.

وهو في عرف الفلسفات والأُدْلوجات التأسيسية للفكر الغربي، معرفة أو نظرية اتصالية للتفسير والنقد والتعبئة.

الماركسية ترى أن الذي يجعل البشر يتقدمون هو استعادة تاريخهم "السيئ"، فيجعلهم ذلك يحسون بالنقص فينشدون الكمال، ويكون "الماضي" البائس حافزا لهم على المضي إلى الأمام، ومن هنا كان اكتشاف التاريخ كعنصر تقدم وليس بضاعة ماضوية، حجر الزاوية في التنوير الأوروبي الحديث فالغرب المعاصر.

أما مدارس الفكر الليبرالي، فهي تخشى من الاتصالية الماركسية، وتريد تفكيكها، بتحويل التاريخ إلى معرفة نسبية مغرقة في التجزئة والفتات والعناصر التي تنتج منهجا للتفكيك والنقد والنسبية. لكنها تبقى الوجه الآخر للفكر السياسي والاجتماعي الليبرالي المهموم بالتنوع والتجاوز والتمايز.

في بلدان عالم الجنوب، ومنها موريتانيا، التاريخ الحي لدى الناس هو تاريخ عصر النبوة والخلفاء والدول الإسلامية والفتوحات، مع شيء من تاريخ البطولات العربية القديمة والحديثة، لكن هيمنة عنصر الماضي على التاريخ يجعل المجتمع بعيدا كل البعد عن الإفادة من التاريخ علما كان أو ثقافة أو معرفة نقدية أو حتى تجارب قريبة يحسن فهمها وتجاوز أخطائها على الرغم من أن الحوادث والوقائع، أي تجارب الناس في الزمان والمكان، لن ترجع كما كانت، لأن البشر أحرار في تغيير مزاجهم وخيارتهم.

في فرنسا، مستعمرتنا بالأمس، و الأنموذج الذهبي لدى أتباعها بيننا، يجرى كل بضع سنوات تعديل القراءة الوطنية لحوادث كبرى مثل الثورة الفرنسية، بدون حرج ولا حساسية، ولا يمتعض أو ينفعل أي كان من نقد ماضيه أو ماضي أسلافه.

يتم اليوم تقديم حقبة الرئيس الراحل مختار بن داداه وكأنها بداية التاريخ المعاصر، والنقطة المضيئة، وربما الوحيدة، في تاريخ شعب البيضان بعد الرحيل الرمزي للأجنبي.

يتم استدعاء رجال بعينهم، من حواريي الرجل، أو من المعجبين به على الأقل، وقد يتقدم للشهادة آخرون على النقيض منهم، لكن ذلك، بالمنطق، سيكون لتزكية الشهادات "الأولى" والهامة، أو تلك التي يُراد لها أن تكون كذلك.

وهنا يقفز للذهن مشهد غريب، ربما على طريقة علم النفس الحديث، لخطف الإدراك العمومي، حيث تمر مشاهد قديمة تتلوها أخرى حديثة جدا بل لعلها أقرب من ذلك.

وعلى البديهة، وبعد ذلك في كل وقت، يحدث الاقتران الذهني بين المَشاهد، أي بين الحقب ورجالها، فتنتج المطابقة أو ما يشبهها، ليُختزل الزمان والمكان وحوادث "الماضي" بين حقبتين، إحداهما مضت والأخرى قيد التشكل...

هل يمكن القفز على تاريخ الحكم "العسكري" من 1978 حتى 2005؟ بالطبع ليس في مقدور أي كان أن يفعل ذلك.

لقد كان "انقلاب" 78 ثورة حقيقية على عقدين من الاشتراكية الإفريقية البليدة، ونتائج شعار "همزة الوصل" سيئة السمعة، وعلى أشياء أخرى مناقضة لبعض ما في ضمائر أهلنا وحياتهم.

لقد كتب بعضهم، أو قال، معبرا وبسخرية ومرارة، إن رجوع أولئك العسكر كان "فرارا" من الحرب "ليتفرغوا" لنهب المال العام!

وهو منطق مفهوم، لأنهم لو لم يقوموا بالقبض على "أب الأمة" لكانوا أبطالا أسطوريين ورجالا وطنيين.

ورغم الصراع الخفي والعلني، بين ورثة تلك "الثورة" المظلومة ومن أكلوها من الداخل، فقد أخرجت البلاد من حرب الرمال، وأعادت بوصلتها نحو العرب والمسلمين، وفرضت شيئا من هيبة الدولة وسلطانها على الناس، ورغم سنوات الجمر والرصاص، فقد وجد بصيص من الكرامة والوطنية والمسؤولية والشعبوية.

المقصود بالتناسي هو تاريخ الفترة من 12/12/1984 حتى 08 أغشت 2005، أي الفترة التي حكم فيها الرئيس الأسبق معاوية. وهي فترة طويلة امتدت أزيد من عقدين، وجرت فيها حوادث بالغة التأثير على الدولة ومصائر الشعب، ولا يمكن القفز عليها، بالرجوع إلى ما قبلها، تذكيرا وتمجيدا، وهي إلى ذلك محل النقد والمراجعة، ككل العهود والعصور.

لقد كنت، مثل كثيرين، نعتقد أن معاوية، بفساده وعناده، هو باني موريتانيا المعاصرة، وهو أيضا منقذ البيضان من الشتات والضياع وليس من الحكمة في شيئ، عدم البناء على ما راكمه من عمل وجهد ووطنية ليست محل شك، لم يعكر صوفها غير "إصلاح التعليم 1999"، وهنات هنا وهناك، ومنها مظالم النخب التي لاذت بالكرامة فطالها قمع التهميش والإقصاء، أما ظلم العلماء والدعاة فقصته تحتاج توضيحا وشهادة من أرشيفات الدولة السرية، ونفيا لكونها من فعل فاعل أو فاعلين تمهيدا لأمر وقد كان!

مشهد آخر: وزير سابق للتعليم، كان يومها مديرا للثانوية الوطنية ظل يقول لطلاب من أقاليم بعيدة ظلوا يأتون باكرين: عليكم أن ترجعوا إلى مواطنكم البعيدة، حيث الأنعام وراحة البال، وليس لكم أن تأتوا للدرس والتعلم، فلا حاجة لكم بهما. يقول ذلك بصفاقة وربما بحقد دفين يعبر عن تصور قاصر ثم يتلفع بالدولة وبنائها ويحتفل بالاستقلال..

بأي عهد يحتفلون وعلى أية حقبة يشهدون، و هم يكررون "الشهادة" نفسها، وليس فيها قبس من ضياء، غير شمعة واحدة هي قصة التأميم وما إليه، لهجت بها الألسن ولاكتها الأفواه، دون أن تعرف أنها قرار سياسي قبل أن يكون اقتصاديا يعود بالنفع على الدولة والشعب، وكلفهما معا ثمنا غاليا لتسديد "حقوق" أسرة روتشيلد اليهودية، ذات الدور الخفي والمريب في تاريخ أوروبا.

أما الفصول الأخرى من "الشهادة" فهي من قبيل أحاديث الحكواتي، الذي يزيد وينقص حسب الطلب، وحتى إن قال حقا، فهو كلام عن حياة يومية جد عادية في ترتيب الرفوف والأوراق ولقاء فلان وعلان، أما تحويل المواقف البسيطة والعادية للإدارة أمام طلاب مشاغبين في حادثة 66 إلى أعمال بطولية، أو في قضايا أخرى تتعلق بالزراعة وطلب المساعدات، فكله من التزيّد في القول وتكرار المكرّر وعرض المعروض، من غير فائدة ولا عبرة ولا نقد.

التاريخ يُكتب في ظل الدولة، أي السلطان الجامع، حيث تضرب السكة، ويجمع الناس حول دعوة بعينها، للحرب أو للسلم.

ليس سرا أن التاريخ الموريتاني لم يكتب لحد الساعة، رغم حساسية المُعطى وأهميته، في وقت تبذل دول شقيقة وجارة، جهدا مضاعفا لاستعادة تاريخها، بالتدوين والكتابة وحفظ التراث وصون الوثائق.. حتى أن المملكة المغربية عينت مؤرخا مختصا بالتاريخ الرسمي (مؤرخ المملكة)، يرأس أرشيف الدولة ويحفظ المدونات الهامة ويشهد على الوقائع الملكية في الخارج والداخل.

أما بلدنا المستقل، فهو في ريبة من التاريخ والثقافة والعلم أيضا، ولذلك يعتبر الحديث عن الماضي عنصرا هداما، بل وبرميل بارود قابل لأن ينفجر في وجه الدولة ليطيح بكيانها، أمام زحف الجموع الغاضبة من الماضي ومن الحاضر أيضا، ولذلك استقر "الرأي الرسمي السري" على أنه من الخير ترك التاريخ على ما هو عليه ذاكرة مشوهة يتسامر الناس حولها ويستعيدون بها المرارات المضحكة والمبكية ويسرحون ويمرحون حول عناصرها المفرحة وإن كانت قليلة، ويعتقدون بها أن كليبا وتغلبا وحرب البسوس كانت في نواحي مقطير والحنك ثم يورثونها أحفادهم ليكونوا منقطعين عن العالم الحقيقي، لأنهم يتصورنه خارج الزمان، وإن كانوا يلمسونه حين ينتقلون في المكان، عبر حركاتهم المزاجية.

وليس من شأن الدولة بعد ذلك أن تتألم وتتعجب، من الاستمرارية العجيبة لمزاج المجتمع المحصّن تجاه العقل والمنطق والتعاطي بالموجب مع العصرنة والتنظيم والجدية في العمل والقبول بالمساواة والعدل للجميع.

لن تكون الخمسينية المقبلة مختلفة عن سابقتها، إن لم نحسم خيارتنا الأساسية، تجاه تنظيم الحقل الديني بتجديده ورفده بعناصر اجتهادية تخفف من غلواء الجمود والتشرنق، والحسم النهائي في قضية اللغة العربية في التدريس والإدارة والحياة العمومية، وأيضا الفصل النهائي بين الحقوق التي تجب لكل مواطن وبين الامتيازات المخصصة للأعيان، والتي ينبغي تقنينها وتوجيهها لخدمة الدولة والمجتمع، وإلا فستظل سياسة الازدواجية المقيتة شوكة في حلق الدولة ودورها الإدماجي والتحديثي، وستظل تعلن خلاف ما تبطن، وتنفذ عكس ما تأمر به، تحقيقا لمقتضيات السياسة والواقع أيضا.

والظاهر أن تاريخنا يدور في حلقة مفرغة، تعيد إنتاج الأحداث نفسها، لكنها في كل مرة تكون أقصر نفسا وأقل مدة، ولذلك فستكون عشرينية مختار من الخمسينية الجديدة بنفس المسار والنهاية، لكن بزمان أقل!

ولله الأمر من قبل ومن بعد..

نقلا عن الوطن