مشاهدة النسخة كاملة : اشهد يا عالم علينا وعا...أوسلو


ابو نسيبة
11-22-2010, 01:49 AM
اشهد يا عالم علينا وعا...أوسلو

رشيد ثابت
"يا شوفة للنسر...بيسافر بعيدي...بايده اشارة نصر...والعودة أكيدي"
هل سبق لكم أن استمعتم لهذه الأغنية؟ منذ أن وردت بعض مقاطعها في برنامج وثائقي للجزيرة عن الأغنية أو الأنشودة الفلسطينية وأنا أحاول العثور على نسخة منها بتسجيل ذي جودة عالية، ولكن دون جدوى. كلمات لطيفة حملها لحن عذب؛ لكن يبدو أن أجمل الشعر أكذبه فعلا. فها هو العائد يعود وليست يده ترسم شارة نصر؛ بل هي تحمل وثيقة سفر ممهورة بختم مرور من "دولة إسرائيل" (العدو الصهيوني سابقا)
مصيبة الشعب الفلسطيني في العاشقين وأغانيها الوطنية عظيمة للغاية. يكفي أنني حين أردت أن أقرأ عن خبر حفلهم في رام الله فإن أول مصدر للأنباء عرض في خاطري كمكان محتمل لتسجيل أخبار الرحلة كان وكالة الأنباء الفلسطينية وفا – الوكالة التي ينشر فيها محمود عباس وفريقه الكلام "المجعلك" في التنظير للسلام والاحتجاج لواقعية ومشروعية بل ضرورة الاستسلام والحط من المقاومة واستهداف عناصرها.
وكأن سعي وفا بذمة التأريخ لرحلة العاشقين لا يكفي ليصدم وعينا، فكان لا بد لصورة للفرقة بصحبة ياسر عبد ربه أن تتصدر الصفحات! كيف لحديث المقاومة ورد الآلية على أعقابها في بيروت أن ينسجم مع الولاية الحميمة مع ياسر عبدربه بكل ما يمثل ويختزل من تناقض مع المقاومة والعمل الفدائي لئلا نقول أكثر من ذلك؟ نعم أعرف أن الكذب في الشعر مسموح، لكن هل البهتان هو أيضا من مندوبات هذا اللون من الفنون؟!
في الأثر حديث نبوي شريف عن فتن تنزل بالناس وتكون كقطع الليل المظلم. ولأنها فتن مركبة ومعقدة فإنها تدع الحليم حيرانا – أي يحار في أمرها حتى الفاهمون وأصحاب العقول. لكن البلايا التي تعصف بنا الآن وتطحننا على مستوى فلسطين ومستوى الأمة فتن لا يحار فيها لا عاقل ولا محمق بنصف عقل. فقط صاحب لوثة سيعتقد أن وجه الشبه بين السرقة والبيع والشراء عميق جدا لأن ظاهر الأمور يوحي بأن الأداتين طريقان تفضيان لانتقال الملكية. وفقط انسان صاحب حواس معطلة سيعتقد أن وصول طلائع القوات المصرية لمضائق سيناء عشية الجولة الأولى من معركة العبور – هذا لو أكملت الزحف – يشبه وصول قوات الأمن المركزي للحدود مع فلسطين وحتى آخر متر مربع من سيناء، ولكن كاستحقاق لزيارة أنور السادات للقدس. ليس الزنا كالزواج وليس دخول فلسطين تحت عين الصهاينة وبإذنهم للغناء لأزلامهم في "المنطقة السوداء" في رام الله – ليس هذا الدخول مثل دخولها محررة.
كان على فكرة زيارة فلسطين بإذن الكيان الصهيوني أن توقظ القوم. كان على الغناء لمحمود عباس أن يستفز وعيهم حتى لو كان هذا الوعي مدفونا تحت أكوام من ركام التيه والاختلاط واشتباه الرؤية. كان على الإنشاد باسم المقاومة وباسم عمليات بيروت في حضرة من لو سبقوا "سعد حداد" بيوم لحرموه من أن يذكره التاريخ – كان على هذا أن ينبه النائم! أما الوقوف إلى جانب ياسر عبدربه والابتسام للكاميرا فكان كفيلا بأن يكون هذا الانتباه من النوم مصحوبا بصراخ الخائف الفزع – هذا لو كانت فيه بقية من حياة!
كان بوسع العاشقين أن يزوروا ثغرا فلسطينيا مقاوما ومحررا إلى حد ما – اسمه قطاع غزة – وكان سيكون لأغاني العاشقين عن بيروت والمقاومة فيها معنى وأي معنى...وكان الفعل سيصدق القول وكانت شهادة العدالة السياسية ستكون من نصيب العاشقين عن جدارة واستحقاق – حتى لو لم تعجب أغانيهم وفنونهم إسلاميي حماس "المتزمتين". أما وإنهم اختاروا رام الله بكل تجلياتها السياسية فليس لهم أن يغنوا لبيروت المقاومة. بوسعهم طبعا أن يغنوا لبيروت إن كانوا يتأولونها بيروت سعد الحريري – المعادل الموضوعي لمحمود عباس في أرض "قنسرين". لكن لأن الضاحية لا تبعد كثيرا عن بيروت فإن مداخل سوء الفهم واسعة، ولذلك فإن الأسلم أن يغني العاشقون لأوسلو أو لشرم الشيخ أو حتى لكامب ديفيد وواي ريفر وكل مواطن الفتوح العبربية (نسبة لعبد ربه) والمعارك العباسية (نسبة لبطل التمسك بثابت وقف الاستيطان مؤقتا في بعض مناطق الضفة).
سبحان الله. لحكمة من عنده يريد جل وعلا أن لا تنقضي هذه الحقبة إلا والفلسطينيون قد امتازوا إلى معسكراتهم وخياراتهم، ودون أن يبقى هناك أدنى شك في جوهر مواقف كل فصيل وجماعة وفئة منا...حتى فرق الغناء والدبكة!
وداعا "يا شوفة للنسر"... لقد فقدت الأمل بوجود نسخة ذات "جودة عالية"!

نقلا عن المركز الفلسطيني