مشاهدة النسخة كاملة : الشنقيطي : الديمقراطي تطبيق للجانب الدستوري للشريعة الإسلامية


ام نسيبة
11-21-2010, 11:51 AM
الشنقيطي : الديمقراطي تطبيق للجانب الدستوري للشريعة الإسلامية


قال الكاتب محمد المختار الشنقيطي إن الحركات الإسلامية بحاجة إلى مراجعة رؤيتها في التغيير، أخلاقيا واستراتيجيا، من رؤية محكومة بالخوف من السلطة والطمع فيها، إلى رؤية محكومة بالأمل في الشعب والسعي إلى تحريره، مضيفا أن هذا النهج هو الذي انتهجتْه القوى الإسلامية في تركيا، وقصرت فيه القوى الإسلامية في الدول العربية حتى الآن. وقال الشنقيطي: "إن الديمقراطية تطبيق للشريعة في شقها الدستوري، وذلك أهم وأسبق في الترتيب من تطبيق الشريعة في شقها القانوني التفصيلي"، حسب تعبيره.



مشروع النهضة: هل لكم أن توجزوا لقرائنا مواقف الإسلاميين من الديمقراطية؟

محمد بن المختار الشنقيطي: شكرا موصولا.. لقد حسمتْ كل الحركات الإسلامية السياسية موقفها من الديمقراطية، بتبني الديمقراطية، والاقتناع بأن الشرعية السياسية هي مفتاح الأداء السياسي الجيد والتراكم السياسي المتوازن الذي ينهض بالمجتمعات. وباستثناء التيار السلفي الذي لا يزال متناقضا في موقفه من الديمقراطية -إذ هو يقاوم الاستبداد عمليا ويسوِّغه نظريا- فإن هذا الأمر أصبح محسوما في الأدبيات الإسلامية.

مشروع النهضة: لكن بعض الإسلاميين يرون الديمقراطية نقيضا عقديا للإسلام، أليس كذلك؟

محمد بن المختار الشنقيطي: يوجد هذا اللبس النظري في أذهان بعض لا يفهمون ماهية الديمقراطية. فالديمقراطية ليست موقفا عقديا، وإنما هي صيغة إجرائية تسمح لنظام العقائد والقيم في المجتمع بالتعبير عن نفسه بحرية، وبتجسيد ذاته في قوانين وضوابط عملية. والقيم والعقائد تختلف من مجتمع لآخر. فقد يصوت برلمان دولة أوربية لصالح قانون يبيح عمل قوم لوط، بينما يصوت برلمان دولة مسلمة على قانون يحرم ذالك، وتتم كلتا العمليتين بأسلوب ديمقراطي شفاف رغم تناقض النتائج. فنتيجة الديمقراطية في مجتمع مسلم ستأتي بأحكام الإسلام من دون ريب، ونتائجها في مجتمع غير مسلم ستأتي بغير ذلك، ولا يتوقع منها غير ذلك. ويكفي النص في الدستور على وجوب انسجام القوانين مع الشرع الإسلامي، وتشكيل هيئة رقابة قضائية –على شاكلة المحكمة العليا في الولايات المتحدة ومجلس الدولة في فرنسا- لضمان انسجام القوانين مع هذا النص الدستوري. فالمعركة من أجل الديمقراطية اليوم هي جزء من المعركة من أجل الحياة الإسلامية، والديمقراطية هي الطريق إلى الإسلام، وليست انحرافا عنه.

مشروع النهضة: كتبتم مرة عن عجز بعض الإسلاميين في بعض الدول العربية عن تجاوز مرحلة التأسيس إلى مرحلة الامتداد والانفتاح. هل من توضيح لهذه الفكرة؟

محمد بن المختار الشنقيطي: صحيح أن بعض الإسلاميين في الدول العربية عاجزون عن تجاوز مرحلة التأسيس، وهو من أسباب التباطؤ في تطور بعض الحركات الإسلامية، وتلكؤ التغيير الإسلامي. وخذ –مثلا- قضية العمل السري الذي كان جزءا من تراث الحركات الإسلامية في طور التأسيس، بحكم ظروف القمع التي ولدت فيها تلك الحركات. فالعمل السري لم يعد ضروريا في بعض الدول العربية. لكن بعض الإسلاميين لا يملكون شجاعة العمل العلني، ومواجهة المجتمع في فضاء مفتوح يمحِّص الكفاءات، ويظهر الخلل وجوانب القصور في حركة التغيير الاجتماعي. بل يميل هؤلاء إلى العمل في الظل، والتحرك تحت جنح الظلام، لأن ذلك أستر للعيوب، وأضمن للابتعاد عن عين الرقيب المتربص من خارج الصف، وعين المحاسب النبيه من داخل الصف. والعمل في الظلام من خصائص المستبد، كما لاحظ عبد الرحمن الكواكبي، فكتب منذ أكثر من مائة عام في كتابه (طبائع الاستبداد): "لو كان المستبد طيرا لكان خفاشا يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشا لكان ابن آوى يتلقف دواجن الحواظر في غشاء الليل". وفي أجواء العمل السري يسهل على من لا كفاءة لهم أن يتشبثوا بالقيادة، ويسدوا منافذها أمام غيرهم، فحالة الطوارئ الذهنية والعملية التي تصاحب العمل السري هي أحسن مُعين لعديمي الكفاءة على بقائهم في أي منصب قيادي، ولمن تجاوزتهم حركة المجتمع للتشبث بما ليسوا له بأهل، حيث لا مجال للفرز الواضح أو للمدافعة العاصمة من الفساد. والمحافظة على شرعية القيادة مع ظلمات العمل السري أمر عسير للغاية، فالشرعية والسرية أمران لا يجتمعان في الغالب الأعم، والاستبداد والسرية حليفان في الغالب الأعم. فكما تميل أنظمة الاستبداد بحكم طبيعتها الاستبدادية إلى السرية والتكتم، فإن الحركات السرية تميل بحكم طبيعتها السرية إلى الاستبداد.

مشروع النهضة: يواجه الإسلاميون أحيانا تهمة السعي إلى الاستيلاء على السلطة، والاستعجال في ذلك، بما في ذلك اللجوء إلى الانقلابات العسكرية، كما حدث في السودان. ما رأيكم؟

محمد بن المختار الشنقيطي من الطبيعي أن تسعى كل حركة سياسية أو حزب سياسي إلى الوصول إلى السلطة، فهذا جزء من تعريف العمل السياسي. ولا ينبغي أن تكون هذه تهمة، إلا من باب قول الشاعر:

وعيَّرني الواشون أني أحبها وتلك شَكاة ظاهرٌ عنك عارها

لكن الوصول إلى السلطة ليس غاية في ذاته وإنما هو وسيلة لخدمة المجتمع وبناء الحضارة. ومع ذلك فلا يبدو لي أن الحركات الإسلامية تستعجل الوصول إلى السلطة اليوم، خصوصا مع الاعتبار بالانتكاسة في السودان. وإنما الحركات الإسلامية إلى أن تكون جزءا فاعلا في الفضاء السياسي، وأن تتمتع بالحرية الكاملة في إبلاغ رسالتها الفكرية والسياسية إلى الناس. وعموما فأنا أنصح الإسلاميين في كل مكان بعدم القفز إلى السلطة بوسائل غير شرعية، حتى وإن مكنهم ميزان القوى الداخلي من ذلك. ويتعين هذا الأمر في الدول التي تعيش تحولا ديمقراطيا، ويتمتع فيها الإسلاميون بحقوقهم الدستورية في العمل السياسي. فالموقف السليم أخلاقيا وسياسيا في هذه الدول هو أن ترضى القوى الإسلامية بموقعها، جزءا من التطور السياسي السلمي نحو سلطة شرعية وفاعلة، حتى تنمو إلى حزب أغلبية يحكم بالقانون ويحكُمه القانون.

مشروع النهضة: وما هي العبرة من التجربة الإسلامية السودانية؟

محمد بن المختار الشنقيطي: لقد كتبت عن هذا الموضوع مؤخرا فصلا بعنوان: "فقه الحركة وفقه الدولة.. عبرة التجربة الإسلامية في السودان"، ضمن كتاب سيصدر قريبا عن "مركز المسبار" في دبي. فأرجو الاطلاع عليه حين يصدر. وأكتفي الآن بالقول إن الحركة الإسلامية في السودان استعجلت الثمرة في ظروف تهديد وخوف، فاقتطفت الثمرة مريرة المذاق، وأساءت التصرف في المسؤولية التي تحمَّلتها افتئاتا على شعبها، وهدمت تراث نصف قرن من تاريخها، كان مفعما بالعمل التنظيمي والسياسي المبدع.

مشروع النهضة: وقد كتبتم سفرا كبيرا تشيدون فيه بالحركة الإسلامية في السودان، خصوصا بمنهجها الاستراتيجي والتنظيمي..

محمد بن المختار الشنقيطي: هذا صحيح. وقد كان انقلاب الإنقاذ في السودان آخر نجاح باهر للمنهج الحركي الذي انتهجه الإسلاميون السودانيون، لكنه وضعهم على عتبة أول فشل سياسي مدوٍّ في تاريخهم. وهكذا تحوَّل ذلك الاختراق العظيم لجهاز الدولة الذي نجح فيه الإسلاميون السودانيون، وفشل فيه غيرهم من الإسلاميين في الدول العربية، إلى أكبر كارثة على حركة التغيير التي بشر بها قادة الحركة، وربَّوا عليها أجيالا من الإسلاميين داخل السودان وخارجه. لقد تمخض النجاح العظيم في منهج الحركة عن فشل عظيم في إدارة الدولة، وهنا تكمن المفارقة، وتظهر العبرة التي نحتاج إلى الاعتبار بها اليوم. وتكمن العبرة هنا في أن التضحية بالشرعية السياسية لصالح أي قيمة أخرى هدم لأساس الاجتماع السياسي، واختلال في الموازين الأخلاقية والسياسية. وليست الحركة الإسلامية السودانية هي وحدها التي تستحق العتب على هذه النكسة في التطور السياسي السوداني، ولكن يتحمل ذلك أيضا أولئك الضباط المغامرون من قادة الجيش السوداني الذين هددوا الحكومة السودانية المنتخبة عام 1989 بالتخلص من الإسلاميين أو مواجهة العواقب، في تهديد صريح بالانقلاب العسكري عليها وعلى الإسلاميين. فالمشكلة في جوهرها ترجع إلى ضعف الثقة بين الفاعلين الاجتماعيين في أوطاننا، وتفريطهم في بناء قواعد سلمية لتداول السلطة وحل الخلاف.

مشروع النهضة: فما هو البديل إذن إذا كان الاستيلاء على السلطة بالقوة غير مناسب؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أنا أرى أن المستقبل في الدول العربية خصوصا، وفي العالم الإسلامي عموما، سيكون لمن يتبنون منهج (الليبرالية الإسلامية) التي تتمسك بقيم الإسلام دون إكراه، وتتشبث بحرية الفرد والمجتمع دون وصاية. كما أرى أن الحركات الإسلامية بحاجة إلى مراجعة رؤيتها السياسية في التغيير أخلاقيا واستراتيجيا، من رؤية محكومة بالخوف من السلطة والطمع فيها، إلى رؤية محكومة بالأمل في الشعب والسعي إلى تحريره. وهذا النهج هو الذي انتهجتْه القوى الإسلامية في تركيا، وقصرت فيه القوى الإسلامية في الدول العربية حتى الآن. كان نيلسون مانديلا يقول مزدهيا وهو شاب يافع يقود الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الإفريقي: "إن الحق والديناميت إلى جانبنا." وكان يقول: "إذا حرَمك أهل السلطة من الحرية فإن طريقك إلى الحرية هو السلطة". لكن ذلك الحكيم الإفريقي أدرك -بعد أن عركتْه التجارب وأنضجتْه السنون- أن الحق يمكن أن ينتصر من دون الديناميت، وأن تحدي القوة الغاشمة بالحق الظاهر غير الملجلِج كفيل بتعريتها وهدّ أركانها في النهاية. ويبدو أن الحركة الإسلامية في السودان نهجت نهج الزعيم الإفريقي الشاب، حينما قررت أن لا يستضعفها نظام قمعي أو يصادر مشروعها السياسي، كما استضعف غيرها من الحركات الإسلامية وصادر مشروعها بطلقة بندقية وتسطير بيان.. لكنها فرطت في الحكمة السياسية التي توصل إليها مانديلا في كهولته ونضجه، وعبر عنها في مذكراته المعنونة (طريقي الطويل نحن الحرية) بالقول: "الثورة ليست مجرد الضغط على الزناد، ولكنها حركة تهدف إلى إقامة مجتمع العدل والإنصاف".

مشروع النهضة: يرى البعض أن الصحوة الإسلامية مجرد بديل لتراجع المد اليساري في الدول العربية منذ بداية السبعينات..

محمد بن المختار الشنقيطي: أعتقد أن في هذا تبسيطا للظاهرة السياسية الإسلامية، وهي ظاهرة كانت ضاربة الجذور في تراث الأمة وتاريخها قبل وجود اليسار. فاليسار ليس أكثر من صفحة عابرة في تاريخ هذه الأمة، ظهر في عتمة التأثير الأجنبي، ثم انحسر بانحساره. بينما تعتبر الصحوة الإسلامية امتدادا لتاريخ طويل من حركات الإحياء والإصلاح. فليست الصحوة الإسلامية بديلا عن اليسار، بل هي امتداد ليقظة أمة تتقدم إلى مسرح التاريخ بعد ليل طويل من الانحطاط والاستعمار. ولست أقلل من شأن اليسار ودوره في حركات التحرر ومقارعة الاستبداد، لكني أرى أن الربط بينه وبين الصحوة الإسلامية ربط غير سديد بمنطق التحليل التاريخي.

مشروع النهضة: هل أنتم راضون عن وضع المرأة في العالم الإسلامي؟ وهل من رؤية إسلامية تسمح بقراءة جديدة للنصوص الإسلامية في هذا الشأن؟

محمد بن المختار الشنقيطي: أنا أميل إلى عدم شطر المشكلات الاجتماعية والسياسية أو تجزئتها. وأرى أن مشكلة المرأة المقهورة لا يمكن فصلها عن مشكلة الرجل المقهور. فجوهر القضية هي الإنسان المقهور في أوطاننا، وكيف نحرره ليحقق رسالته في الحياة، ويعيش بكرامة واحترام للذات وللغير. كما أن مشكلة الأقليات المضطهدة، جزء من معضلة أكبر هي معضلة الأكثريات المضطهدة على أيدي حكامها. نحن بحاجة إلى رؤية تأسيسية، تقوم على بعث نظام أخلاقي يتأسس على الإيمان المبدئي بكرامة الإنسان، وبحرية الفرد بغض النظر عن دينه وجنسه وبشرته ولغته. وحينما نتوصل إلى ذلك، نستطيع أن ننزل إلى التفاصيل، وننظر في مستوى التوزيع العادل للحرية والكرامة بين الأكثرية والأقلية، وبين الرجل والمرأة...الخ أما الصراع على توزيع عدالة مفقودة وحرية محجوبة فهو وضع للعربة أمام الحصان. وأما النص الشرعي فليس عقبة في وجه تحرر المرأة أو الرجل، ففي أجواء الحرية وإطلاق العنان للاجتهاد، سنتوصل إلى حلول إسلامية لكل المشكلات.

مشروع النهضة: لم نعد نسمع الكثير عن تطبيق الشرعية في الخطاب السياسي الإسلامي، فهل تخلى الإسلاميون عن مطلب تطبيق الشريعة الإسلامية؟

محمد بن المختار الشنقيطي: كلا، لم يتخلى الإسلاميون طبعا عن مطلب تطبيق الشريعة، ولن يتخلوا عن ذلك، لكنهم -في اعتقادي- أصبحوا أكثر نضجا ومنهجية في فهمهم لتطبيق الشريعة. لقد كان مفهوم تطبيق الشريعة مشوها في أذهان الكثير من الإسلاميين، إذ حولوه مفهوما جنائيا، وكأن قطع يد سارق سرق دريهمات على يد سارق سرق مليارات هو الشرع ذاته!! أو كأن رد بيت من مغتصبه إلى صاحبه على يد من اغتصب وطنا بأكمله هو العدل عينه!! أو كأن تحرير فرد واحد من السجن على يد من تحكم في رقاب ملايين البشر أمرا ذا بال!! والحق أن تطبيق الشريعة يبدأ أولا ببناء نظام سياسي يكون القانون فيه فوق الإنسان، حاكما ومحكوما. فأساس الشريعة العدل، ولا عدل إذا ظل بين المواطنين من هو فوق القانون ومن هو تحت القانون. ومهما يكن جمال القانون - سماويا كان أو أرضيا- فلن يكون له أثر عملي إذا لم يتصف بصفة العموم والإطلاق. كان أبراهام لنكولون يقول: "لا أحد فوق القانون ولا أحد تحت القانون"، وكان جان جاك روسو يقول: "هذه هي المشكلة الكبرى في السياسة: إيجاد شكل من الحكم يضع القانون فوق الإنسان". وبهذا التفكير استطاع الإنسان الغربي أن يحقق العدل لنفسه في وطنه، رغم قصور قوانينه الأرضية عن شريعة الإسلام السماوية، ورغم جوره في تعامله مع الآخرين خارج حدود أرضه. أما في دنيا العرب والمسلمين فلا يزال الحاكم فوق القانون لا يُسأل عما يُفعل، ولا يزال أغلب الشعب تحت القانون لا يجد إنصافا ولا عدلا. ولا يزال هوى الفرد المتأله هو المرجع الأخير.

فإن أحسن الحاكم منَع مواطنيه من بعض التظالم فيما بينهم، مع ولوغه هو في ظلمهم جميعا. فمثله مثل الإقطاعي القديم، الذي يمنع عبيده من اعتداء بعضهم على بعض، لكنه يمارس الاسترقاق والظلم عليهم جميعا. وهذا اختلال خطير في الأولويات الشرعية، أدى إلى اختلال في التطبيق.

فكم يدا تم بترها ويد الحاكم الذي بترها أولى بالبتر، وجرمه أكبر، وسجل مظالمه أعرض. وكم سجينا عانى وامتهنت كرامته الإنسانية في أرض يدين أهلها بشريعة العدل الإسلامية. ولذلك فإن إقامة حكم سياسي ديمقراطي يحترم إرادة الأمة وحرية الفرد هو السبيل إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، بل هو أهم جزء من هذا التطبيق في أخطر مناحي الحياة وأكثرها إثارة للخلاف، موضوع سالت فيه الدماء والدموع مدرارة، وهو موضوع: من يحكم من؟ ومن يخضع لمن؟ وأعتقد أن هذا الأمر هو الذي ينبغي أن يلح عليه الإسلاميون في المستقبل: الشرعية السياسية أولا، ثم تطبيق الشريعة بعد ذلك.

والحق إن الديمقراطية تطبيق للشريعة في شقها الدستوري، وذلك أهم وأسبق في الترتيب من تطبيق الشريعة في شقها القانوني التفصيلي، وما ندعوه اليوم "تطبيق الشريعة" مجرد تنفيذ لأحكام الشرع لها الجانب القانوني التفصيلي. وكل من يفهم السياسة والقانون يدرك أولوية الدستور على القوانين التفصيلية. وعموما، فلن تقام أحكام الشريعة إلا إذا احتضنتها الغالبية من أبناء الشعب، وأصبحت تعبيرا إجرائيا عن إرادة أمة حرة، يلتزم بها جميع السياسيين طوعا وكرها، كما هو شأن الأحكام الدستورية والقانونية في دول الغرب اليوم. ولن ينجح مشروع سياسي لا يجعل حرية الإنسان وكرامته همه الأهم.

أما الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين حول هوية القوانين التي تحكم المجتمع، هل يجب أن تكون إسلامية أو وضعية، فهو صراع زائف في الوقت الحاضر، ما دامت دولنا لم تؤسس لحكم القانون أصلا. أعتقد أن الإخوان وضعوا أقدامهم على الطريق الصحيح بتركيزهم على حكم القانون بدل التركيز على هوية القانون. وحينما نحسم الأمر لصالح حكم القانون، ونتخلص من حكم الهوى الفردي لحكامنا، ستصبح الظروف ناضجة للنقاش حول هوية القوانين التي ستحكمنا. وحينها سيتحيز الإخوان –بل غالبية المسلمين- إلى تطبيق الشريعة في شقها القانوني التفصيلي، ويصبح ما ندعوه اليوم "تطبيق الشريعة" إجراء عمليا، لا شعارا سياسيا.

مشروع النهضة: أخيرا.. هل أنتم ممن يعتقد أن الصوفية عائق في وجه التيار الإسلامي؟

محمد بن المختار الشنقيطي: لا أعتقد أن الصوفية عائق في وجه حركة التيار الإسلامي، بل أرى التصوف رافدا من روافد الصحوة الإسلامية. وقد نشأت حركة الإخوان المسلمين منذ البدء بخلفية صوفية، فمؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا كان عضوا في طريقة صوفية، هي الطريقة الحصافية. ورغم أن المنحى التجديدي لدى شباب الحركة يميل بهم إلى الرجوع إلى أصل الدين ومنابعه الأولى، وإلى التجافي عن طرائق التدين العرفية التي شابها بعض الغبش والبدع، فإن فقه الحركة فقه إصلاحي مبني على استثارة مكامن الخير حيثما كانت، ولو لا بسها بعض انحراف.

وبناء على هذا النظر الفقهي والتقدير المصلحي انفتحت حركة الإخوان في بلدان كثيرة على الطرق الصوفية واستوعبت منهم كثيرين، فأفادوها حشدا وكمًّا سياسيا، وأفادتهم فقها شرعيا وعملا ميدانيا. ولئن كانت بعض التيارات السلفية قد شغلتها محاربة البدع التي شابت التصوف، وبالغت في ذلك إلى حد الجفاء، فإن حركة الإخوان لم تجد مسوغا للتركيز على هذا الجانب، نظرا لأن البدع الموروثة في طريقها إلى التلاشي أمام الوعي الإسلامي الأصيل، والثقافة العقلية المعاصرة، كما أن أسلوب الجفاء والإنكار برهن على فشله في كسب قلوب المتدينين على الفطرة من المتصوفة. ولذلك اتجهت الحركة إلى التركيز على البدع السياسية، مثل بدعة الشيوعية والعلمانية والاستبداد. وما وقع من خلاف بين الإخوان والصوفية كان مبنيا على اختلاف المواقف السياسية، لا على أساس المفاصلة العقدية أو الفقهية. ذلك أن بعض مشايخ التصوف تخلوا عن شعار الزهد، وارتبطوا ببعض المصالح العاجلة مع بعض الحكام المستبدين، فأخذت الحركات الإسلامية عليهم ذلك.

ولا تزال الحركات الإسلامية ترتبط بعلاقة وثيقة مع بعض شيوخ التصوف الذين جمعوا بين العلم الشرعي والموقف الشرعي، كما أن في صفوف هذه الحركات عدد من المتصوفة المجاهرين بانتمائهم الصوفي، وهو ما لا ترى الحركة فيه تناقضا مع الولاء السياسي لها ولرسالتها الإصلاحية.


نقلا عن السراج