مشاهدة النسخة كاملة : كبش الأستاذة معاذة { قصة من كتاب “البخلاء” }


ام عمار
11-21-2010, 03:41 AM
كبش الأستاذة معاذة

http://img403.imageshack.us/img403/7863/455i.jpg

عبداللطيف الزبيدي

تذكرت في عيد الأضحى المبارك الأستاذة “معاذة العنبريّة” . ففي قصتها، التي رواها لنا الجاحظ في كتاب “البخلاء”، ما يُصلح حال الاقتصادات العربية بحسن التدبير والإدارة . ولو فرضت الأمّة حفظها عن ظهر قلب على كل كبير وصغير في الوزارات والمؤسسات كافة، لصار النمو يحلّق تحليق الصقور والنسور .

أبوعثمان يدرك جيّدا أن خطة معاذة لا علاقة لها بالبخل، فهي خبيرة اقتصاد، وإنما حشرها مع البخلاء من باب الدعابة والتفكه، وإلا صارت القصة في غير محلّها من الكتاب .

أهدى إليها ابن عمّ لها أضحيّة، فرآها أحدهم كئيبة مفكرة، فسألها، قالت: “أنا امرأة لا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي . وقد ذهب الذين كانوا يدبّرونه ويقومون بحقه . ولست أعرف وضع جميع أجزاء هذه الشاة في أماكنها . وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا في غيرها شيئاً لا منفعة فيه . ولكن المرء يعجز لا محالة” .

تأملوا هذا التشويق القصصيّ، وكيف ستتجلى كفاءاتها، تقول: “أمّا القرن فالوجه فيه معروف، وهو أن يُجعل منه كالخطاف، ويُسمّر في جذع من أجذاع السقف فيُعلّق عليه كل ما يُخاف عليه من الفأر والنمل والحيّات . وأمّا المصران فإنه لأوتار المندفة، وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة . وأمّا قحف الرأس وسائر العظام فسبيله أن يطبخ، فما ارتفع من الدسم كان للمصباح وللإدام وللعصيدة ولغير ذلك (شغل مكعبات ماجي) . ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها، فلم يَرَ الناس قط أصفى ولا أحسن لهباً منها . وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر لقلّة ما يخالطها من الدخان” .

كل ذلك ليس سوى أوّل الغيث، تضيف في الاقتصاد الكبشيّ: “وأمّا الإهاب فالجلد نفسه جراب . وللصوف وجوه لا تُعدّ . وأمّا البعر فحطب إذا جُفف عجيب . بقي علينا الانتفاع بالدم . وقد علمت أن الله، عز وجلّ، لم يحرّم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه، وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها . وإنْ أنا لم أقع على علم ذلك، صار كيّة في قلبي وهمّاً لا يزال يعودني” .

في الفقرة الأخيرة عقدة تشويقيّة أخرى . يروي الرجل الذي رآها كئيبة، أنه ما لبث أن رآها تبسّمت، فسألها، فقالت: “أجل ذكرت (أي تذكرت) أن عندي قدوراً شاميّة جُدُداً، وقد زعموا أن ليس شيء أدبغَ ولا أزيدَ في قوّتها من التلطيخ بالدم الحارّ الدسم . وقد استرحت الآن، إذ وقع كل شيء في مكانه” . بعد ستة أشهر لقيها الرجل فسألها عن القديد كيف كان . قالت: “بأبي أنت، لم يجئ وقت القديد بعد . لنا في الشحم والألية وفي غير ذلك معاش” . ملاذ الاقتصاد العربي: الأستاذة معاذة .


نقلا عن الخليج