مشاهدة النسخة كاملة : من حسن إلى جميل مسيرة تيار


أبوسمية
11-20-2010, 05:09 PM
من حسن لجميل مسيرة تيار
الشيخ ولد لحبيب

المتابع لمسيرة أول حزب شكله التيار الإسلامي هنا وهو حزب الأمة، يطلع بوضوح على ذلك، ففي شريط صوتي يسجل ويوثق إحدى الندوات التي أقيمت في مساجد العاصمة نواكشوط، بعد رفض حزب الأمة من طرف نظام ولد الطايع، (..) يتحدث الأستاذ جميل، رئيس حزب تواصل الإسلامي حاليا، ليقول واصفا حزب الأمة آنذاك: "..نحن حزب الله وبقية الأحزاب علمانية".."
لا تكاد تمر فترة إلا ويأتينا" إخوة جميل" بطارق جديد، فتارة إذا بنا أمام "الناس" المساءلين أمام "دين دساتيرهم" على طريقة المفكر الإسلامي "محمد بن المختار الشنقيطي"، وطورا إذا بنا أمام محاولة حثيثة لاستنساخ " التجربة التركية الأردوغانية"، لأنها تمثل "حسب الإخوة" نموذجا لتجربة "التحديث " الإسلامية. أما في مجال الثقافة الجماهيرية فكأن الإخوة قد اكتشفوا على حين غرة، أن بإمكانهم أن يذرعوه ذهابا وإيابا، طولا وعرضا، فإذا هم ينتقلون من "مرحلة حرمة الوتر والغناء" إلى مرحلة جواز "التغني بالمقطوعات الموسيقية" التي تشبه ترنيمة الراحلة فايزة أحمد "يا حبيبتي يا أمي" حسب الرأي المنسوب للدكتور يوسف القرضاوي.. إن كل ذلك "الإبداع" الإخواني يستقر تحت هاجس يبدو محفورا في عمق ممارستهم السياسية المعاصرة، ويتعلق أساسا بالرغبة في أن يظهروا لمناوئيهم من العلمانيين "حكاما، ومثقفين، وسياسيين لا ينتمون للسلطة" أنهم قادرون على الظهور بثوب "حداثي"، ديمقراطي، منفتح على شروط "القبول التبادلية" التي ما فتئت ترفع في وجوههم في كل مناسبة، فهل نفهم هذه السياسة "الحداثية البراغماتية" لو كانت مجرد تكتيك سياسي لا يؤثر في نسيج الفكرة الإخوانية، ولا يلغي الربط بينها وبين أفكار مؤسسها حسن البنا؟، وهل يمكن أن تكون حركة الإخوان قد سارت وفق نمط لا يلتقي مع النمط "التاريخي" بل ويعاكسه في خط السير؟، وهل تنجح فعلا محاولات " التحديث" هذه، في إقناع "ذئاب العلمانية" بالتعايش مع "حملان الإخوان المسلمين"؟. وهل نحن بحاجة أصلا لحداثة على الطريقة الغربية المعروفة؟.
1. بداية " بالنهاية ":
هل كان لقيام الكيان الصهيوني سنة 1948 ، وما صاحب ذلك من إحساس شعبي عام تقريبا بالهزيمة والانكسار، دور في رسم ذلك التحول الفكري الجذري لدى المرحوم حسن البنا ، والذي تجلى في مقاله المنشور في جريدة الإخوان المسلمين اليومية في أواخر سنة 1948 ؟؟؟، ...لقد علق بعض " الإخوة" عندما نشرنا مقتطفات من المقال المذكور في الحلقة الماضية وقالوا ما معناه : هل تريد أن تظهر "حسن" وكأنه أصل لفكر تنظيم القاعدة والسلفية التكفيرية؟؟؟.
إننا وتوخيا لاستعراض السياق الذي أورد فيه السيد محمد قطب مقال حسن البنا في الصفحة 407 من كتابه:" واقعنا المعاصر"، سنعيد هنا المقتطفات التي أوردناها في الحلقة السابقة ، ثم سنورد هنا تعليقات السيد محمد قطب الاخواني العتيد عليها ،قبل أن نسايرها مع مسيرة إخوة "جميل " في مبدئهم وحالهم الآني، لنكتشف إلى أي حد يظل " البناء" موجودا ومتماسكا بعد " البنا" ونهايته الفكرية؟.
قال البنا في مقاله المعنون ب: " معركة المصحف- أين حكم الله؟" : " .. الإسلام دين ودولة ما في ذلك شك،ومعنى هذا التعبير بالقول الواضح أن الإسلام شريعة ربانية جاءت بتعاليم إنسانية وأحكام اجتماعية، وكلت حمايتها ونشرها والإشراف على تنفيذها بين المؤمنين بها،وتبليغها للذين لم يؤمنوا بها إلى الدولة، أي إلى الحاكم الذي يرأس جماعة المسلمين ويحكم أمتهم،وإذا قصر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكما إسلاميا،وإذا أهملت الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية،وإذا رضيت الجماعة أو الأمة الإسلامية بهذا الإهمال ووافقت عليه لم تعد هي الأخرى إسلامية، مهما ادعت ذلك بلسانها "، ثم يقول حسن البنا في مقطع آخر: ".. الدولة لا يكفي أن تعلن في دستورها أنها دولة مسلمة، وأن دينها الرسمي هو الإسلام، أو أن تحكم بأحكام الله في الأحوال الشخصية، وتحكم بما يصطدم بأحكام الله في الدماء والأموال والأعراض، أو يقول رجال الحكم فيها أنهم مسلمون سواء أكانت أعمالهم الشخصية توافق هذا القول أم تخالفه، لا يكفي هذا بحال، ولكن المقصود بحكم الله في الدولة أن تكون دولة دعوة.."، ثم يختم حسن البنا قائلا: " ..يا دولة رئيس الحكومة أنت المسئول بالأصالة...، ويا معالي وزير العدل أنت المسئول بالاختصاص،ويا نواب الأمة وشيوخها أنتم المسئولون باسم أمانة العلم والتبليغ التي أخذ الله عليكم ميثاقها، ويا أيتها الأمة أنت المسئولة عن الرضا بهذا الخروج عن حكم الله، لأنك مصدر السلطات، فناضلي حكامك وألزميهم النزول على حكم الله ، وخوضي معهم معركة المصحف ولك النصر بإذن الله".
ويرى السيد محمد قطب أن هذا التوجه الذي عكسه المقال ، جاء بعد مرحلة شهدت فيها الحركة الإخوانية الكثير من المضايقات والاعتقالات ، وأن السبب الرئيس الذي أدى إلى ذلك هو أن الحركة تسرعت في الظهور على واجهة المشهد السياسي ، وأنها قامت باستعراض عضلاتها قبل الأوان عن طريق فرق الجوالة ، والنشاط الطلابي ، ومحاولات دخول الانتخابات، ثم عن طريق دخول الفدائيين الإخوان حرب فلسطين، غير أنه يقول في صفحة 398 وفي إشارة مهمة تعكس عدم قناعة البنا بذلك الاشتراك الفدائي : "...ليس لدي الآن ما يثبت أن الإمام الشهيد قد اتخذ قرار دخول الفدائيين فلسطين بمحض رغبته، أم بضغط من الشباب وإلحاحهم عليه...، وأحسب أن ما سبق من اشتراك الجماعة في القضايا المثارة على الساحة، هو الذي جعل دخول الإخوان المعركة في فلسطين هو الأمر " الواجب " سواء كان قائد الجماعة مقتنعا بجدواه أم غير مقتنع، فما دامت الجماعة قد شاركت في الأحداث من قبل، وهي تنادي بالجهاد والفداء فإن قعودها عن دخول المعركة، كان سيعد بالنسبة إليها نكوصا عن المبادئ التي أعلنتها من قبل ودعت الجماهير إليها، وأيا كان الأمر فقد وقع قدر الله، واكتشفت الصليبية والصهيونية الخطورة البالغة لهذه الجماعة على كل مخططاتها، وعلى وجود الدولة اليهودية بصفة خاصة، فكان ما كان من المذابح المتوالية التي تعرضت لها الجماعة ، قبل أن يتم لها النضج وتكون في مستوى الأحداث".
لقد بدأت الجماعة إذن بداية سياسية بامتياز، لكن مؤسسها ومرشدها الأب فضل أن يكتب مقاله المذكور هنا قبل اغتياله بقليل، وفضل أن يعلن من خلاله قطيعة مع النموذج الذي كانت تسير عليه الجماعة ، وفضل ترسيخ نموذج جديد يبدو عند بعض " إخوة جميل" اليوم متماهيا جدا مع طرح القاعدة والسلفية القتالية، فلماذا؟.
إن محمد قطب يرى في صفحة 401 أن : " الإمام الشهيد قام بتصحيح جانب من العطب الذي أصاب " لا إله إلا الله" في قلوب المسلمين، ذلك الجانب الذي كانت قد أفسدته الصوفية والفكر الإرجائي، ثم دعا إلى تحكيم شريعة الله، وإلى وجوب إقامة الدولة المسلمة التي تحكم بشريعة الله، ووجد استجابة الجماهير من حوله ، فاطمأن إلى هذا الظاهر، فلم يول الأمر في مبدأ الأمر من العناية ما أثبتت التجربة أن الأمر في حاجة شديدة إليه".
ثم يرى محمد قطب أن المقال المهم للبنا مثل تصحيحا وعودة لفكرة الحاكمية الصحيحة والشرعية والسليمة، ثم يقرر أن المقال تجسيد لحس ظهر في وعي الإمام لكنه لم يجد الفرصة لترسيخه وغرسه في نفوس الإخوان العاملين لأنه اغتيل بعد أشهر قليلة من ذلك.
وقد ظهر نفس الاتجاه والرأي في " الحاكمية" ، ولكن بصورة أكثر حدة وملتبسا بتكفير واضح للمجتمع " بعد ذلك عند المرحوم سيد قطب ،وفي مرحلته الأخيرة أيضا ، كما يقرر ذلك الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه : " إبن القرية والكتاب/ الجزء الثالث /صفحة 445 "، فهل سارت وتسير الحركة الاخوانية اليوم في سبيل " مرحلة أخيرة" تبدل فيها هي الأخرى قناعاتها وممارستها ، لتتحول إلى شكل متطور "للقاعدة والسلفية الجهادية"؟؟؟.
نحن نعتقد أن المثال الموريتاني حتى الآن يسير في اتجاه معاكس تماما لمسار التطور الذي شهده "الإخوان التاريخيون"، ابتداء من حسن ومرورا بسيد قطب، ذلك أن " الإخوة" ابتدئوا مسيرتهم في ربوع هذا المنكب البرزخي بقدر كبير من "الانعزالية الفكرية" ، إن لم نقل محاولة إظهار التمايز الحاد عن بقية الفاعلين السياسيين على أساس عقائدي، ولعل المتابع لمسيرة أول حزب شكله التيار الإسلامي هنا وهو حزب الأمة، يطلع بوضوح على ذلك، ففي شريط صوتي يسجل ويوثق إحدى الندوات التي أقيمت في مساجد العاصمة نواكشوط، بعد رفض حزب الأمة من طرف نظام ولد الطايع، يظهر ذلك الاستقطاب جليا حين يقول الأستاذ ولد السنهوري مقدما للندوة: ".. إنطلقنا من رحاب بيوت الله، ومن يوم أن برز حزب الأمة، حزب الله، حزب القرآن، من يوم أن برز هذا الحزب للوجود، توالت الندوات الكبرى والتجمعات الحاشدة، جاءت المرأة المؤمنة تدنى عليها جلبابها تمشى في حياء واستحياء، جاء الشيخ الهرم الذي يتوكأ على عصاه، وجاء الطفل، وجاء الفتى المسلم، وجاء الرجل المتوسط، جاؤوا كلهم ليقولوا نعم لقيادة العلماء، نعم لدولة القرآن"، ثم يضيف محمد الأمين ولد الحسن والأستاذ جميل منصور بعد ذلك من كلامهما ما يعمق هذا الاتجاه "الاستئثاري" بالتدين، فيقول الإمام ولد الحسن في حديثه عن المنهج الرباني والحلول المتوخاة منه: "..ها أنتم اليوم تجاهدون بالصرخة والكلام في أيام لا ينفع فيها إلا قول الحق، وإلا تحدى الكفر بمعانيه وبدراساته، وبمناهجه، ها أنتم اليوم تجاهدون معشر المسلمين بتجمعكم هذا لأنه يغيظ الكفار، ولأنه من العدة التي أمركم الله بإعدادها.."، ثم يتحدث بعده الأستاذ جميل، رئيس حزب التواصل الإسلامي حاليا، ليقول واصفا حزب الأمة آنذاك: "..نحن حزب الله وبقية الأحزاب علمانية".
ولقد دخل " إخوة جميل" في مخاض طويل ،مرة في السجن ومرة خارجه، ليخرجوا من عباءة " التدين الاستئثاري" وقام " الإخوة" بالمشاركة في الانتخابات البلدية والبرلمانية سنة 2006 تحت يافطة مثلت تغيرا نوعيا هي " الإصلاحيون الوسطيون"، وقام الإخوة بالتحالف السياسي مع عدة أطراف، ودخلوا اللعبة الانتخابية بكل تحفز واستعداد، وكانت كل المؤشرات تنبئ أن الإخوة أجروا مراجعة راديكالية لسبيلهم، وقد قال " جميل" في لقاء صحفي أجريته معه قبل تلك الانتخابات: " ...نحن لم ندعى قولا ولا عملا احتكار الإسلام،....نحن منفتحون على الآخر حتى على أمريكا دون أن نخضع لها"، و لربما كانت هذه الرسائل الإيجابية تجاه الغرب، وتجاه السياسيين المحليين، سببا في قرار حكومة الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله منح ترخيص حزب " التواصل الإخواني"، ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن " إخوة جميل" قد استفادوا من تجربة رفض الحزبين الإسلاميين السابقين، فقد تخلوا في ملف تواصل المقدم للترخيص عن كل الشعارات الدينية، أو التي تشف عن كونه حزبا دينيا، وهي التهمة التي كانت سببا دائما لرفض الترخيص للإخوان، ثم كانت تصريحات " جميل" بعد ذلك وفي السنة الماضية تحديدا حين قال إن تواصل ليس حزبا للإخوان وإن كان بعض كوادره من الإخوان.
لقد كانت تلك إذا نهاية " التمسك" بالنهج الإخواني التاريخي ، ومرورا لطروحات " حداثية وتحديثية" جسدتها تصريحات ومحاضرات الإخوة في مصر " عبد المنعم أبو الفتوح، عصام العريان..."، التي يبدون فيها رغبة واضحة في التعامل السياسي مع الحكومة المدنية ، ومع رغبة الأغلبية إن كانت لا تريد تطبيق الشريعة الإسلامية، ومع حرية الشيوعيين في التمسك بحزبهم في ظل وصول الإخوان للحكم" راجع ندوة : الإخوان المسلمون والحكومة المدنية/ الجزيرة مباشر". أما الجانب العملي فقد كانت الحداثة الإسلامية الإخوانية التركية جذابة " لإخوة جميل"، حتى أنهم يشبهون أردوغان وإخوته بالعثمانيين الجدد، وهم يهرعون في كل حين إلى أنقرة للتزود بالمدد في معركة " الحداثة " في أنواكشوط، لكن سؤالا يطرح وبشكل ملح: هل تتطابق الحلول الحداثية التركية مع " الحالة إسلامية"؟؟؟. وهل فعلا هي " حداثة وتحديث للإسلام"؟؟؟.
2. لا شيء جديد ، لا شيء حديث:
يشتط كثير من العلمانيين والملحدين حين يصفون الإسلام بالتخلف، ويقررون أن التراكمية التاريخية الثقافية التي مر بها المسلمون ، تعد السبب الرئيس وراء فشلهم وتقهقرهم اليوم، ويستخدم الكتاب في ذلك المجال، مجموعة مصطلحات تمثل بحق ما أعتبره الشاعر " أو كتافيو باث" : إنحراقات اللغة ، وذلك حين يتحدث في مقاله ذاك عن " تزييف وتمييع مصطلح الثورة"، إن اللغة " الحداثية" التي يتحدث بها دعاة " تخطئة الذات من العلمانيين واللامتدينين"، ترتكز على أقانيم يمثل نقد المجتمع الأبوي العربي والإسلامي أبرزها، ويستنتج هؤلاء حتمية ثقافية من ذلك مفادها أننا معاشر المسلمين لا نستطيع بحالتنا هذه تمثل الأفكار الديمقراطية ، والنجاح في التحول لاقتصاد السوق الذي يبرزون تفوقه النوعي على غيره!!.
لكن المساءلة العقبة أمام هؤلاء هي أنهم يريدون قراءة التراث أو" تجديده أو غربلته: كلها مستخدمة كمصطلحات"، وهم في قراءتهم هذه يكشفون " بعبقرية؟؟؟" أن هذا " التراث = الإسلام" ليس صالحا بشكله الحالي للتعايش مع الآخرين في مجتمع " ما بعد الحداثة"، وربما تكمن عبقريتهم في أنهم يبدءون قراءتهم " بالبنيوية كما فعل عابد الجابري" ليصلوا إلى " تفكيكية تحيل النص إلى هرطقة"؟؟؟، ثم لا يمكن اكتشاف كيف استطاعوا أن يخلطوا بين تلك وهذه.
لقد حاول كل من د هشام شرابي في مؤلفه " الأبوية الجديدة"، ثم حاول عبد الله حمودي في " الشيخ والمريد"، أن يقولوا وفق نفس النهج المتصل حتى عند صغار الكتبة: مجتمعاتنا لن تستطيع أن تتقدم وتتحول إلى دول حديثة ، يشعر المرء فيها بالأمان والسعادة، حتى تتخلى عن " الأبوية وتاريخها وتراثها ومقدساتها"، وإن " الفر داني" سيكون بالتأكيد الضامن لازدهار الفكر، ذلك إذا ما استطاع كل شخص أن يعبر بصراحة ودون خوف عن رأيه وانطباعه الخاص في كل شيء حتى في فائدة وأهمية المقدس!!!، ...يالسعادة!!!!.
لكن السؤال المعرفي الذي لن يبدو مبهجا بالنسبة " للحداثيين العرب والمسلمين"، هو ذلك الذي تطرحه كتابات وآراء أساطين علم الاجتماع السياسي الغربيين المعاصرين أمثال: جان فرانسوا ليوتار، وهربرت ماركيوز، وجيمس ديبري،هؤلاء يبدون مشغولين بهاجس " السعادة"، إنهم يرون عن كثب أنه توجد أزمة عميقة في الغرب، تؤكد أن "ثمة شيئا قد تداعى في فلسفته" ، ما هو ذلك الشيء؟؟، إنهم يؤكدون أن تحول المجتمعات الغربية إلى مجتمعات " فردنة قصوى"، جعل الاجتماعي يضمحل في تعاكس مع تطور مؤسساته، وهذا يؤدي إلى ظهور القلق الاجتماعي ، وانتشار ثقافة الموضة والثقافة الجنسية ، وهو ما يأتي حثيثا على عملية التراكم الرأسمالي، ويخلق أزمة ادخار، ومن ثم يخلق الكساد والتضخم وووو، إن المعبد يوشك أن ينهار أو هو بدأ في ذلك وعلمانيونا والملحدون كذلك لا يشعرون بذلك، أما " إخواننا" فهم مندفعون لتقديم صورة" لعلها تبدو مقبولة" عند هؤلاء الحداثيين الذين لا يشعرون!!!!؟.
إن الإسلام حديث وحداثي بطبيعته، ولا يحتاج إلى الاقتباس من أي نظريات وضعية: هذا قول اعتدنا معاشر المسلمين أن نردده، وحاول " الحداثيون الإخوان الأتراك أن يجسدوه"، ثم يحاول " جميل وإخوته" أن يقتفوا الأثر.
وبمقارنة بسيطة بين نموذج " الحداثة المقلق للغرب قبل غيرهم" وبين نموذج الحداثة في الإسلام، قد نلاحظ أنه في المجتمع " الحداثي الوضعي" يعتبر هشام شرابي، أن العلاقات ينبغي أن تكون " أفقية لا هرمية" ، وهو ما يحيلنا إلى " الفراغ وإلى تحول المجتمع إلى ذرات منعزلة "، وذلك بالضبط هو ما يخلق الأزمة في الثقافة البرجوازية والليبرالية الحديثة، أما النموذج الإسلامي فهو يقدم مجتمعا تنبني فيه العلاقات بشكل أفقي ، ومتعدد الأهرام، وحتى بين الأهرام تسود العلاقات الندية الأفقية، التي تضمن روح المساواة والتكافل الاجتماعي، وتميز القادة ، وضرورة وإمكانية محاسبتهم ، كل ذلك محدد بنص سني في الطاعة" لا طاعة إلا في معروف" ، أخرجه الشيخان، ويعاضد ذلك آيات قرآنية كثيرة تضبط العلاقات الأبوية والأفقية، وإذن فإن المثلب الأساسي ليس في " النص المقدس قطعا"،وهذا هو ما استنتجه " الإخوان"، فهل بذلوا الجهد في ترسيم ذلك؟
إن التجربة التركية الاخوانية، التي يثني عليها العلمانيون والملحدون قبل الإخوة، لا يمكن الجزم البتة أنها تجربة حداثية إسلامية بضوابط علمانية ، أو أنها تجربة إسلامية حداثية ، استطاعت أن تقتفي روح وتعاليم النص المقدس، لتحولها إلى انجازات حضارية وثقافية؟؟، ذلك أن التجربة مازالت تتطور في سيرورتها ، وأنها حتى الآن لا تعد إسلامية خالصة، وقد يكون مبررها في عدم الإفصاح حتى الآن عن إسلاميتها الخالصة ، هو تلك الضغوط العسكرية والسياسية وحتى التاريخية التي تواجهها،غير أننا يمكن أن نلاحظ هنا أن مفكرين إسلاميين كثر قد قرروا أن " النموذج الإسلامي هو نموذج قيم" ، وبالتالي فإن الحداثة الإسلامية لن تكون ذات شأن ما لم تكن مبنية على " الأخلاق وعلى استكشاف وتغذية الروح"، إن " الإخوة" مطالبون قبل كل شيء، بأن يؤسسوا " لمجتمع روحاني قيمي إسلامي"، إنه الضامن الوحيد للتحول نحو الحداثة القادرة على أن تصبح بحق هديا للعالمين، لكن " إخوة جميل" أثناء اقتفاءهم " اللاهث للحداثة والتحديث والإصلاح ووو..." ينسون ويتناسون تلك الحقيقة ، وذلك الواجب، ولعلني هنا أذكر موقفا اعتبرته من أكثر المواقف تجسيدا لهذا الخلل: كنت أتحاور مع زميل وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، وموظف في مؤسسة السراج الاخوانية، وكان موضوع النقاش عن الضوابط الإسلامية الأخلاقية في نقل الخبر والتعامل مع مصدره، ولقد فاجأني " الأخ" بقوله: لو اتبعنا هذه الضوابط في عملنا الإعلامي، فسنغلق أبواب مؤسستنا قريبا!!!.
فهل يمكن بعد هذا كله الحديث عن "حداثة" إسلامية تفارق الموروث الاخواني التاريخي منذ عهد حسن وإخوته؟؟؟. وهل نحن أمام تحول على طريقة " المراحل الأخيرة" كما ظهر مع حسن البنا؟؟، أم أنه سيذهب الذين يذهبون بما " حدثوا وبما أحدثوا"، وسيبقى الإسلام وحداثته ، كما هي في انتظار من ينصره ويسعده الله بها؟؟؟.