مشاهدة النسخة كاملة : تعديل الحكومة ضرورة أم خيار؟


ام خديجة
11-18-2010, 07:30 PM
تعديل الحكومة ضرورة أم خيار؟

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__ahmed_1_.jpg

من حين لآخر تتناول بعض وسائل الإعلام المستقلة، إمكانية تشكيل حكومة جديدة بعد الاحتفالات المخلدة لخمسينية الاستقلال، ولا تستبعد بعض هذه التكهنات ان تضم الحكومة أوجها معارضة، أما الملتحقون من المعارضة بالأغلبية، فلا خلاف على ضمهم، مع التأكيد على خروج أوجه أخرى داخل الحكومة .

الراجمون بالغيب كثيرا ما تجاوزوا أسئلة جوهرية، بإمكان الإجابة عليها أن تكشف بعض اللبس الذي قد يعتري دواعي اتخاذ هذه الخطوة، من قبيل هل التعديل مطلب شعبي، ما مدى الحاجة في الوقت الراهن لهكذا تعديل، واذا كان ذلك كذلك ما هي دواعي هذا التعديل، وكيف سيكون تأثير ذلك على الملفات الهامة التي كان يمسك بها بعض الوزراء؟

إذا بدأنا بالسؤال الأخير فان التعديلات الحكومية المتتالية والسريعة مؤشر سيئ، له انعكاسات خطيرة على تنفيذ البرامج، خصوصا إذا كانت الإدارة تتميز بطابعها الشخصي وغياب التنسيق، ليواصل اللاحق عمل السابق، فكل مسؤول حديث غالبا ما "يمسح الطاولة" ليبدأ من جديد لأسباب يضيق المقام عن حصرها، رحلة الألف الميل تبقى العمل الإداري في حلقة مفرغة، وبالتالي فان أي تغيير قد يحمل في طياته جزء من سلبيات الفساد الإداري في موريتانيا، المتمنع لحد الآن على الإصلاح، لكن يبقى هذا التغيير خيارا ضروريا من اجل تحسين الأداء.

وحين نعود إلى موضوع الحكومة الحالية، لا جدال في أنها مع تعديلها اللاحق لتشكيلها الأول، كانت نتاجا طبيعيا لانتخابات رئاسية، كان لرئيس الجمهورية وكارزميته المجسدة في خطابه الثوري لدي البعض، الصادم لآخرين، الدور الاساسي في نجاحه خلال الشوط الأول، وبدرجة ثانية القواعد الشعبية العريضة، غير المحسوبة على جهة محددة، وتلك التي تخلت عن مواقعها السابقة، المسحورة بهذا الخطاب السياسي الجديد غير المألوف، من جهات مازالت بالنسبة للغالبية لحظة الانتخابات تمثل السلطة القائمة، هذا الوضع المريح، سمح لرئيس الجمهورية المنتخب في ظل غياب قوى سياسية ـ رفضت التصويت له ـ شكلت دوما رقما صعبا في المعادلة السياسية في البلد، منذ انطلاق التعددية السياسية ، ان يختار حكومة سمتها الأساسية قيادة "الأخ الأكبر"، لغياب اكراهات التحالفات السياسية، وضرورة مكافأة ما يمكن ان نسميه بالناخبين الكبار، والشخصيات المثيرة للجدل، كما كان للوضع السياسي المعقد الذي خرج منه البلد، وموقف غالبية أحزاب المعارضة و المرشحين من نتيجة الانتخابات، محدد آخر غير مرئي، ألقى بظلاله على هذه التشكيلة، التي راعت دقة وضع البلد، منعا لإثارة حساسيات النظام في غنى عنها، قبل أن يرسخ أقدامه في الأرضية المتحركة التي يقف عليها، فجاءت الحكومة حسب المراقبين ،لينة العريكة، لا طعم لها ولا رائحة، لا تسر صديقا، ولا تسوء عدوا، ولم يتوانى بعض العوام عن وصفها بالمثل الشعبي بـ"بندقية فلان..." مما فرض على الرئيس في وقت لاحق أن يضطر للتدخل في كل شاردة وواردة، فانعكس ذلك على الأداء الحكومي في بعض جوانبه، رغم المحصلة المقبولة عموما ـ خلال سنة واحدة من المأمورية ـ والتي مكنت من تحقيق العديد من المشاريع المتضمنة في البرنامج الانتخابي لرئيس الجمهورية التي لمسها كل واحد حسب قدراته الإدراكية وأحيانا موقفه من النظام، مما يفسر الاختلاف في التقييم، والذي يشطح فيه البعض لدرجة وصف وضع البلد بأنه أسوء مما كان غداة أغسطس 2008.

رغم الحيز الزمني القصير، فإن الانجازات المقبولة التي تحققت حتى الآن تظل دون المستوى الذي يتوق له العديدون، ربما لتوهج جذوة الأمل التي بعثها المشروع، و صدق النوايا التي تبرهن عليها الوقائع من حين لآخر، والقدرة الفريدة على فتح ملفات واتخاذ قرارات كان التطرق لها من سابع المستحيلات، إن هذا النقص تقف وراءه أسباب ينبغي البحث عنها ومحاولة تحييدها، كما أن المتغيرات الجديدة على الساحة السياسية والأمنية بعد عام ونيف، تفرض مراجعة بعض الخيارات السابقة، إضافة إلى اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية والبلدية التي بقي عليها اقل من عام، معطى آخر يفرض أن يحسب له حسابه.

من هنا يكون من الضرورة بمكان ان تستدعى المعطيات وضع إستراتيجية جديدة تأخذ في الحسبان إمكانية استبدال العربة التي تجر المشروع، أو على اقل تقدير استبدال بعض قطع الغيار التي تجاوزت عمرها الافتراضي وأبانت عن عجزها فى المسايرة، وأخرى باتت تثير من الضجيج ما يوحى بأنها تعمل على قلب العربة.
ان المعطى الأبرز المتمثل في الانتخابات القادمة يفترض ان يكون المحدد الرئيسي للتشكيلة الحكومية القادمة، وانطلاقا من ان المناصب الحكومية مناصب سياسية، تفترض أن يكون الفريق الحكومي القادم فريق انتخابي قادر على إدارة ملف الانتخابات ـ بشفافية ـ يضمن للرئيس أغلبية مريحة داخل البرلمان وعلى مستوى المنتخبين المحليين، مما يجعل إدخال وجوه من خارج الأغلبية إلي الحكومة تحت أي غطاء سينعكس بشكل سلبي على النتيجة المتحصل عليها في الانتخابات، وبالتالي فان حكومة أغلبية خالصة ـ تحترم الكفاءة والأسبقيةـ يقودها الحزب الحاكم تبقى الخيار الموضوعي لكسب هذا الرهان.

كما ان ضمانات تؤكد استمرارية البقاء داخل الأغلبية مستقبلا، تبقى ضرورية بالنسبة للمنضمين الجدد، حتى لا يغنم هؤلاء بدخول الحكومة قبل الانتخابات، ويخرجوا بعد ذلك بمكاسبهم الانتخابية.

أما المعطي الثاني فيتمثل في عدم قدرة بعض القطاعات، على تسجيل تقدم يذكر في مجالها حيث ان غالبيتها مازالت تراوح مكانها ما قبل الانتخابات الرئاسية، وفي حالات أضيق تراجعت، ومكمن الخطورة هنا هو مدى انعكاس عمل هذه القطاعات على الحياة اليومية للمواطنين مثل الأسعار التي ارتفعت ـ ونسجل هنا أنها لم تصل بعد إلى مستوى ما قبل أغسطس ـ إضافة الى قطاعات أخرى أصبح الإزعاج ديدن منتسبيها، وأخرى بات الحديث عن استعصائها على الإصلاح لازمة لكل حديث .
ان التعديل المرتقب يجب ان يستفيد من هنات تعديلات النظام السابق، وان يختار فريقا بمقدوره أن يترك بصمة واضحة في قطاعاته بعيدا عن التوجيهات النيرة ويمكنه ان يزيح جزء من المسؤولية عن كاهل رئيس الجمهورية، خصوصا في القطاعات غير السيادية، ولتمكين هذا الفريق من القيام بدوره يفترض ان يمنح صلاحيات كاملة، وهذا لا يمنع من مراقبته وتحميله مسؤولية قراراته، بما في ذلك السلبية التي يتعامل بها بعض المسؤولين والذي ينتظر ان يفهم ما تريده القيادة، ليقوم به مما يتسبب في غالب الأحيان بتعطيل العمل، ضاربا عرض الحائط بروح المبادرة والقدرة عن اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية المترتبة على ذلك دون الرجوع إلى الجهات العليا.

أخيرا يبقى دخول الحكومة على أساس النفاق أو القدرات الخارقة في شتم الخصوم بأقذع الألفاط أسوء معيار يمكن ان يختار على أساسه المسؤول.

احمد ولد محمدو

نقلا عن الأخبار