مشاهدة النسخة كاملة : سجون بلا شجون


أبو فاطمة
11-17-2010, 03:04 PM
سجون بلا شجون
د. عبد العزيز أبو صقر

إلى كل الأسود التي تملأ قلب العِدى رُعبا و هي حبيسة تزأر في عرينها...

إلى كل ليث واجه كتيبة بمفرده،فأسفرت معركته التي خاضها أن كان الحبس مورده...

إلى كل هزبر ضحى بحريته وأفنى شبابه دفاعاً عن دينه و ذوداً عن عرينه، فكان قدره السجن...

سنخاطبكم لسمو مقامكم بكلام من كتاب الله، و بقبس من هدي مُصطفاه، و بأشعار منتقاة لأساتذة الدعاة، لأن لغتنا أعجز من أن تخاطبكم، لأنه دب فيها الوهن الذي سرى إليها من وهننا و هواننا، وضعفت بسبب ضعفنا، حتى أصبح يصفُكم من يجهل تضحياتكم ولا يعرف عظيم قدركم بقولهم " بالقابعين خلف القضبان "، و ما يدري هؤلاء بأنكم رابضين كما الأسد في غِيّلها، لا تخافون سجنا ولا تهابون سجانا، لأن الأسد لا تعرف الخوف، بل هي مبعث الخوف حتى وهي حبيسة الأقفاص، فكيف إذا انطلقت من عرينها وملأت الفضاء بزئيرها؟؟

والليثُ لنْ تحنيَ الأقفاصُ هامتَهُ وإنْ تحكّمَ فيهِ أَلْفُ سَجَّانِ

لقد ملأتم قلب سجانكم غيضا يوم جعلتم من القيد قلادة، وأحلتم السجن إلى مجالس علم وعبادة، وعلمتم الدنيا أن الأسود هي الأسود لا تضيرها القيود.

لم تنقص الأسد القيود , ولم تزد حرية , فـأرا ذليلا شاردا

إن السِلاسلَ إن رآها خانعٌ قيدا , رآها الصامدون قلائِدا

ها أنت مأسور لأنك لم تكن يوما من الأيام رقما زائدا

إن السجن و القتل و الإبعاد دروب سار عليها الرسل الكرام، و تبعهم عليها العلماء و الدعاة العظام، فسيد الرسل أخرجه الكفار من البلدة التي حرمها الله، و هو ابن سيدها ووريث المجد و السؤدد فيها أباً عن جد و كابراً عن كابر " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ".

والكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم " لبِثَ فِي السجْنِ بِضْعَ سِنين "، ونبي الله لوط يخروجه الأنجاس من قريته بسبب عفته و طهارته" فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ".

ويُمتحن إمام أهل السنة و الجماعة بالسجن و آلامه و جور السلطان وأعوانه، وذاك ابن تيمية ملأ الآفاق علماً و فتيا من قعر سجنه بعدما قعّدَ القواعد ووضع نظرية للسجناء الأحرار يعرفونها ويسيرون على هداها فقال: " ما يفعل أعدائي بي ؟ إن سجني خلوة...." وهذا الشيخ التلمساني دون في مذكراته عن سجنه ما يعجز عن وصفه البيان، وغدا مدرسة للأجيال عبر الأزمان، و سيد قطب ساد الناس وظللهم بوارف ظلاله من وراء القضبان، فكتب للدعاة قصيدة، وهو ينظر بفراسة إيمانية للمستقبل، بعد طول خبره مع السجن وتجربة مع السجان، فصارت نشيداً وسلوة للدعاة يترنمون بها أثناء مسيرتهم الطويلة في طريق الدعوة الشاق فنادهم باسم الأخوة قائلاً :

أخي أنت حرٌّ وراء السدود..... أخي أنت حرٌّ بتلك القيود

إذا كنت بالله مستعصما.... فماذا يضيرك كيد العبيد؟!!

أخي: قد سرت من يديك الدماء... أبت أن تُشلَّ بقيد الإماء

سترفع قربانها للسماء.........مخضبة بوسام الخلود

إن هذه القصيدة وأختها هو الحق يحشد أجناده... كانتا من أول ما يحفظ الدعاة عندما يتعرفون على الدعوة و يسيرون في ركبها المبارك، ولعل ذلك ما رسم لهم معالم الطريق وخفف عنهم ما يلقونه من ظلم عدو أو جحود صديق.

إن من دخل السجن منكم لم يدخله بسبب رذيلة قارفها، أو خيانة وطنية عظمى ارتكبها، ولا بجنحة مخلة للشرف اقترفها، بل دخله وهو عالي الجبين مرفوع الرأس لأنه أُسر وهو يذود عن شرف الأمة وحمى الوطن،يقارع كتائب مدججة وهو شبه أعزل إلا من حزام من نوع خاص، أو قطعة سلاح فردي ابتاعها من حلي زوجته وقوت أولاده، أن الأباة عندما تتجرع أمتهم الهوان ويدنس عدوهم الأوطان وتتوانى الشهادة ويتأخر عنهم النصر ويكون الأسر يقول كل واحد منهم :" رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ " فيدخله غير نادم ولا هياب:

قالوا: حُبستَ، فقلتُ: ليس بضائرِيْ حبسيْ، وأيُّ مهنَّدٍ لا يُغمَدُ؟!

أوَ ما رأيتَ اللَّيثَ يأْلفُ غِيْلَهُ كبراً، وأوباشَ السِّباعِ تردَّدُ؟

والحبسُ - ما لمْ تغْشَهُ لدَنِيّةٍ تُزريْ - فنعم المنزلُ المتورَّدُ

إننا نعرفكم جيدا مع أننا لم نعرف أسمائكم ولا أنسابكم، لأننا عرفنا صفاتكم وجهادكم وعملياتكم وإثخانكم في العدو، وقد وصفكم لنا الفارس المغوار أبو فراس وصفاً دقيقاً وكأننا ننظر إليكم ونشاهد بطولاتكم وأنتم تخوضون غمار المعارك فيصفكم لمن لا يعرفكم فيقول:

و يا ربَ دارٍ لم تخفني منيعة طلعتُ عليها بالردى أنا و الفجرُ

أُسرت و ما صحبي بعزل لدى الوغى ولا فرسي مهر و لا ربُهُ غمرُ

وقال أُصيحابي الفِرارُ أو الردى؟ فقلت: هما أمرانِ أحلاهما مرُ

ولكنني أمضي لما لا يعيبني و حسبُكَ من أمرين خيرهم الأسرُ

ولا خير في دفع الردى بمذلة كما ردها يوما بسوءته عمرو

سيذكرني قومي إذا جد جدهم و في الليلة الظلماء يفتقد البدرُ

فإن عشت فالطعن الذي يعرفونه و تلك القنا و البيض و الضُمّر الشُقرُ

و نحن أناسٌ لا توسطَ عندنا لنا (النصرُ) دون العالمينَ أو القبرُ

تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغلها المهرُ

أعز بني الدنيا و أعلى ذوي العُلا و أكرمُ من فوق التراب ولا فخر.

و العجب العجاب أن من يخرج منكم من سجنه يخرج أمضى من السيف، وأكبر من مغريات الدنيا، يراه من ينظر إليه عالي الهامة شامخ الأنف، غير نادم على تضحياته بزهرة شبابه يقدمها عربون صدق وضريبة وفاء لوطنه وهو ينشد:

خَرَجْنا مِن السِّجْن شُمَّ الأُنُوفِ كما تخرُجُ الأُسْدُ مِن غابِها
نَمُرُّ على شَفَرَاتِ السّيوفِ ونأتِي المنيّةَ مِن بابِها
ونأْبَى الحياةَ إذَا دُنِّسَتْ بِعَسْفِ الطُّغاةِ وإرهابِها
ونحتقِرُ الحادثاتِ الكِبارَ إذا اعترَضَتْنَا بأَتْعَابِها
سَتعلمُ أمّتُنا أنّنا ركبْنا الخطوبَ حناناً بِها
فإنْ نحنُ فزْنا فيا طالَما تذلُّ الصِّعابُ لطلاّبِها
وإنْ نلْقَ حتفاً فيا حبّذا ال مَنايا تَجِيءُ لخطّابِها

اعذرونا فأنتم في سجن واحد صغير و نحن من حولكم في سجون كثيرة كبيرة تحيط بنا من كل مكان، فإذا كان الله قد ابتلاكم بسجن واحد و سجان فإن بلاوينا في حدود بين الأوطان، و تسلط الرويبضة و الجبان، و تحكمت فينا الشهوات و النسوان...
إنكم أهل الصبر و المروءات فلم نجد أشد منكم شكيمة ولا أقوى منكم عزيمة، كيف لا و أنتم تقودون الأمة من سجونكم، وتخرجون الوثائق الحكيمة التي أجمع عليها الطلقاء من الرفاق.
أما الحرائر الحرات وهن أسيرات، فلهن حديث آخر يليق بمقامهن، ويرقى إلى درجة تضحياتهن، التي عجز عنها الكثير من الذكور، فقد جرحن رجولة الرجال، و خدشن مروءة أهل المروءات،وكأن الشاعر عناهن بقوله:
ولو كان النساء كمن (أُسرنا) لفضلت النساء على الرجال

وما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال
وأما أولئك الأشبال الغطارفة الذين غدوا أساتذة يلقنون الرجال الكبار دروس الثبات والتضحية والفداء فنرجو أن نوفق وتسعفنا اللغة فنكتب لههم لعلهم يسمعون من خلال كتابتنا أنات قلوبنا وزفرات صدورنا فيلتمسوا لنا بواسع فضلهم بعض العذر، مع أنه لا عذر لأحد في نصرتهم.

نقلا عن المركز الفلسطيني