مشاهدة النسخة كاملة : الرئيس الموريتاني بين قبرين ومشروعين


أبو فاطمة
01-30-2010, 10:33 AM
الرئيس الموريتاني "بين قبرين ومشروعين"



أحمد ولد محمد المصطفى ولد الندى
Ahmedou0086@gmail.com
أنهي الرئيس الموريتاني جولته التي شملت دولة تركيا وإيران، وهي بالطبع جولة غير مسبوقة في تاريخ الرؤساء الموريتانيين، وهي كذلك –ربما- جولة غير مسبوقة في الجمع بين الدولتين في سياق واحد نظرا لاختلافهما التاريخي، وإن كانت الأشهر الأخيرة خففت منه بعد تبادل الزيارات بين البلدين.
ولعل من اللافت في هذه الجولة أن الرئيس الموريتاني فيها كان "حاملا" لإكليل زهور كرمز ترحم، في كلتا الدولتين، فقد زار الرئيس الموريتاني في محطة تركيا قبر "أب الأتراك" كما يلقبونه، وقد نال هذا اللقب بعد تصويت في البرلمان التركي في العام 1942 بعد خمس سنوات من وفاته، ورأى البرلمان أن هذا اللقب يأتي "اعتزازا بما قام به أتاتورك وتخليدا له"، وزار في الثانية قبر "أب الثورة الإسلامية" ومرشدها المؤسس.

أتاتورك أبرز الرجال في القرن الماضي...

الجنرال الموريتاني "الاحتياطي" يقدم إكليلَ الزهور للنقيب التركي والذي نال رتبتة العسكرية في العام الذي احتلت فيه موريتانيا 1905، واعتبره في "شهادته التي كتبها في سجل الزوار من "أبرز الرجال في القرن الماضي، حيث قاد المقاومة ضد الاستعمار ومهد الطريق أمام ما تشهده تركيا اليوم من تقدم ونمو في كافة المجالات"، كما أثنت عليه الوكالة الرسمية في موريتانيا باعتباره "رئيس الدولة التركية الحديثة حيث أعطى حرية التعبير والتصويت للمرأة، وعكف على عصرنة تركيا من خلال إصدار مدونة مدنية وإدارية وقضائية جديدة".
ومع أن ميراث أتاتورك –كما يعلم الجميع- محل خلاف كبير –الآن- بين الأتراك أنفسهم، حيث ألغى الخلافة الإسلامية، وحكم بتغيير أشكال الناس، من خلال "منع بعض المظاهر" كمنع اعتمار الطربوش والعمامة، ومنع المدارس الدينية وإلغاء المحاكم الشرعية، وإزالة التكايا والأضرحة وإلغاء الألقاب المذهبية والدينية، وتبنى قوانين مستوحاة من الدستور السويسري، وفي عام 1928 ألغى استخدام الحرف العربي في الكتابة وأمر باستخدام الحرف اللاتيني في محاولة لقطع ارتباط تركيا بالشرق والعالم الإسلامي.
وخلال خمسة عشر عاما من حكم مصطفى كمال تغيرت تركيا بشكل جوهري، ينظر له أنصاره من الأتراك أنه جعل من تركيا دولة قوية وحديثة، حيث ربط تقدم البلاد وتطورها بالتخلي عن الهوية الإسلامية تاريخا وممارسة، فعلمانيتة لم تكتف بفصل الدين عن الدولة بل إنها سيطرت على الممارسة الدينية ومنعت كل مظاهر التدين بإجراءات قانونية تحميها مؤسسات الدولة وأبرزها الجيش، أما خصومه فيشددون على أنه لم يكتف بإزالة آخر دول الخلافة الإسلامية بل إنه حارب الدين والتدين من خلال النظام العلماني الذي شرعه في تركيا.
وبعيدا عن خلاف الأتراك حول زعيمهم يبدو الرئيس الموريتاني وكأنه لم يحسم –خياراته- بشكل نهائي، فهو يثني على زمر العلمانية بشكل قد يكون فيه –تركياً- أكثر من الأتراك أنفسهم، فأغلب الأتراك الآن لهم موقف واضح من التركة "الكمالية" وقد قالوها بشكل قاطع في الانتخابات المتتالية في أكثر من محطة، وبين دولة حكم الفقيه، وسيطرة "الملالي" على جميع السلطات، واعتمادهم كمرجعية في كل القرارات.


الخميني: صفحة جليلة...

لكن التناقض الأكثر هو زيارة الرئيس الموريتاني لضريح الخميني ليقدم له إكليلا من الزهور، ويعتبره –كتابة في سجل الزوار- "فتح صفحة من أجل صفحات التاريخ الإسلامي المعاصر يوم أنجز ثورته الإسلامية المجيدة التي مكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشقيقة من تحقيق ما تنعم به من تقدم ورفعة، وأسهمت في الذود عن وحدة وكرامة الأمة الإسلامية جمعاء"، ومع أن التناقض بين الرجلين جليُُ يكفي فيه أن الخميني مكث أحد عشر شهرا في بداية منفاه بتركيا مجبراً على خلع عمامته وردائه "الديني"، بموجب القوانين التي وضعها كمال أتاتورك والتي تمنع لبس العباءة أو العمامة، وكان الخميني في هذه الفترة يقيم في شارع كمال أتاتورك، وقد أخذت له في هذه الفترة صورة، ببالطو طويل وكوفية حول الرقبة وبنطلون ورأس عار، وفي تركيا ألف الخيمني كتابه "تحرير الوسيلة" في الفقه السياسي إلا أن رؤيته الثورية لم تكتمل فيه، وإنما اكتملت في محاضراته في النجف بعد ذلك، والتي حولها لاحقا إلى كتاب "حاكمية الإسلام: ولاية الفقيه"، الذي كان الأساس للدستور الإيراني بعد الثورة، وأثناء وجود الخميني في النجف تم تهريب الكتاب الذي يجمع محاضراته -أيام الشاه- إلى داخل إيران تحت عنوان "الحكومة الإسلامية: سلطة القاضي الشرعي".

تناقض مشاريع... وتنافس تاريخي

ومع التناقض البين بين المنهجين، وبعد الشقة بين مشروعي الرجلين، واستحالة "النظر لهما كقدوة واحد" إلا أن الرئيس الموريتاني، استطاع أن يفعل ذلك ولو من خلال الاحتفاء والثناء على ما قدماه لدولتيهما.
لكنه –لو نجح في تجاوز اختلاف أتاتورك والخميني، وقدم لهما أكاليل الزهور- فإنه سيجد صعوبة أخرى في تجاوز "عقبة العلاقات التاريخية بين الشعبين التركي والفرسي، إذ أن التنافس على النفوذ في المنطقة هو المسيطر على العلاقات بين الأمتين الفرسية والتركية –تاريخيا- ولا يمكن تجاهله، وخصوصا منذ القرن السادس عشر وانقسام المنطقة إلى دولة صفوية، وخلافة عثمانية، وليست –الهدنة- التي تظهرها الزيارات الأخيرة لوزير الخارجية التركي إلى طهران إلا "محاولة" لجس نبض الجارة "المشاكسة" للمجتمع الدولي" وسعيا لكسب نقاط "دبلوماسية" للدولة التركية، دون أي تغيير في "الحزازات" المتراكمة لقرون من الزمن، والتي تدفع بعض الكتاب في المنطقة إلى اعتبار نجاح المشروع النووي الإيراني يعني –بالقوة وبالفعل- وجود مشروع نووي تركي، يضمن للأتراك توازنا مع خصم تاريخي لم يتفوق، ولا ينبغي أن يتفوق.
زد على ذلك ما قد تتركه زيارة إيران من تأثير على العلاقات بما يعرف بمحور الاعتدال في الدول العربية، خصوصا السعودية التي كان ولد عبد العزيز في زيارة لها قبل أشهر.
وربما أثرت محطة "إيران" كذلك على نتائج محطة تركيا، فجاءت مليئة بالمجاملات والثناء المتبادل دون أن تشهد توقيع اتفاقيات، فالرئيس الموريتاني أكد في كلمته أنه "يرجو أن تكون الزيارة بداية لتطوير العلاقات الثنائية وترسيخها وتنويعها والارتقاء بها إلى مستوى تطلعات البلدين والشعبين، خاصة أن العلاقات بين موريتانيا وتركيا قديمة ونحن نحسب أنها ضرورية أيضا".
هذا التثمين للعلاقات، صاحبه "وعد" بالعمل على تبادل السفراء، وتأكيد على أن العلاقات يمكن –دون تأكيد- أن تشمل جميع القطاعات، مع رغبة في الاستفادة من التجربة والخبرة التركية، ووعد بتقديم تسهيلات لرجال الأعمال الأتراك، ودعم لمواقف تركيا التي وصفها بالمتماشية مع الحق والعدل، ونفس الـ"وعد" سنجده لإيران مع أن مواقفهما متناقضة وليس الملف العراقي منا ببعيد.
ولم يكن رد الرئيس التركي عبد الله كول أكثر عملية من خطاب الرئيس الموريتاني حيث أكد ثقته في أن الزيارة سترتقي بالعلاقات الثنائية، كما أنها فرصة لتقييم العلاقات الثنائية على جميع المستويات وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والثقافية، كما كشف عن نية البلدين في تعزيز العلاقات التجارية وتطويرها".
كما استعرض التعاون بين البلدين وخصوصا الشق العسكري الذي ذكر أنه يعود للعام 2002، ولم يفته –فيما يشبه التأنيب- أن يشير إلى اتفاقية تعاون وقعتها تركيا منذ العام 2005، ولم توقعها موريتانيا حتى اليوم؟؟؟.

دعم سخي... ومشاريع بالجملة

وعكس المحطة التركية نجد الإيرانيين متحمسين للمشاركة في كل المجالات المتصورة فمن النقل والطرق إلى الصحة والطاقة... وهو دعم قد يجد ولد عبد العزيز –نصيحة من الجيران الشماليين- بالنظر إليه بريبة، سيما وأنه لا يكون وحده في الغالب، وإنما تصحبه "حملات تبشيرية" تكون بحجمه، وتضمن عدم ضياعه، وعموما فقد تضمنت الزيارة إعلان الرئيس الموريتاني عزم حكومته فتح سفارة لها في طهران خلال وقت قريب، كما وجه دعوة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد لزيارة موريتانيا، وهو ما غاب في زيارة تركيا، وذلك بعد توقيع جملة من الاتفاقيات بين البلدين، من بينها اتفاقية بدعم عدد من المشاريع التنموية في موريتانيا من خلال توفير اعتماد مالي خاص بذلك، وأخرى للتعاون في المجال الجيولوجي، وثالثة بالتعاون في المجال المصرفي، كما أن من بين المشاريع التي قرر الإيرانيون دعمها في موريتانيا، مشروعا استعجاليا لحل مشكل النقل الحضري في نواكشوط خلال ثلاثة أشهر من خلال منح موريتانيا سبعمائة سيارة من بينها مائتان وخمسون باصا، إضافة إلى بناء ميناء للصيد وتشييد طريق يربط النعمة بباسكنو أقصى الشرق الموريتاني.


ختامها... تساؤلات

ويعود الرئيس الموريتاني إلى بلاده بعد جولة بين متشاكسين تاريخيا متناقضين واقعيا، وإرضاء أحدهما قد يغضب الآخر، حتى ولو لم يعلنها، لكن حجم المشاريع ونتائج الزيارة تكشف ذلك، فالصراع بينهما "تجاوز" منطقتهما وأصبح له بعد اقتصادي في المنطقة الإفريقية، فهل قررت تركيا ترك الساحة الموريتانية للإيرانيين، بناء على سبقهم إليها ودخولهم القوي كبديل عن الإسرائيليين في المشاريع التي أقاموها في موريتانيا، ورأوا في تأخر موريتانيا عن توقيع اتفاقية تعاون مضت خمس سنوات على توقيع تركيا عليها تفضيلا للخصم التاريخي.
هي تساؤلات مشروعة ترِدُ على جولة غير مسبوقة لرجلِِ أوجدَ الكثير من الجدل، ووردَت على تصرفاته –داخليا وخارجيا- الكثير من الأسئلة، ربما يكون الزمن وحده القادر على تقديم إجابات مقنعة عليها.


نقلا عن الأخبار