مشاهدة النسخة كاملة : كتاب استهواني فقرأته


أبو فاطمة
11-14-2010, 12:41 PM
عند ما يصبح التاريخ مادة علمية وليس مزعا من الآراء والأساطير!
كتاب استهواني فقرأته
هذا العنوان:؛" كتاب استهواني فقرأته"؛ سيكون نافذة جديدة أطل منها على بعض المؤلفات التي تستحق - في نظري المتواضع- أن تقرأ، وتنقد وتمحص، وينوه بالمستوى العلمي أو الإبداعي الذي عبرت عنه.. فقبل هذا كنت قد نثرت بعض الانطباعات تحت هذا العنوان عن كتاب استهواني فعلا هو كتاب " الوزير" لمؤلفه عميد الصحافة، والدبلوماسي المتألق، والمترجم الفذ محمد محمود ولد ودادى.
ولم أشأ حينها ، أولم يتسن لي أن أفرغ شحنة الانطباعات التي خلفتها قراءة كتاب الوزير لدي، وإن كنت عبرت عن بعضها دون أن أعطي الكتاب وكاتبه أكثر مما ولدته لدي تجربة القراءة، حينها كان التعبير أوسع مجرى، والتناول أرحب مدى، لأن هناك مسافة في المعرفة والتجربة بيني والمؤلف كفلت المدى الذي يعطيني أفقا للنظر أرحب، ومجالا للتحرى أضفى، من حالي اليوم وأنا أتناول كتابا جديدا استهواني فقرأته وأعدت قراءته هو كتاب تاريخ موريتانيا بجزئيه "القديم والوسيط"، و"الحديث"..لمؤلفه الأستاذ الباحث والكاتب الأديب الحسين ولد محنض..سأتناوله وأنا أتمنى أن لا أظلمه إلا بمقدار،فأعطي كتابه القدر الذي يستحق من نقد وملاحظات دون أن يستهويني ما أعرفه في مؤلفه من نباهة، ودقة ملاحظة، وتحر صبور، وروح بحث لاغبار عليها،بالإضافة إلى ذكائه المتوقد ، وولعه بالمغامرة الفكرية وجرأته على الاستنتاج..
أقول هذا لأن صاحب الكتاب هو صديق وزميل مميز، وقد جمعتنا في العقدين الماضيين تجربة " النضال" من أجل حرية الإعلام والتعبير، وعملنا محررين في صحف كبيرة مثل البيان والقلم والحرية، صحبة فريق رائع من الكتاب الموهوبين : فاطمة بنت عبد الوهاب، محمد فال ولد سيدي ميله، عبد الله ممدو با، عيشه بنت بزيد، أحمد السيد، أحمد الولي، عيسى ولد هالي..محمدى ولد الطلبه، بعضهم هجر الكتابة، وأودع أسيافه ودروعه في يوم قائظ لشمس الظهيرة،وبعضهم مازال يلعق صدأ الحروف ويقضم فتات الورق، ويتنسم السَّموم بحثا عن نسمة حارة تدفئ أوصاله المثلوجة..
هذه الزمالة ستقلص الأبعاد التي تعطي أفقا أوسع للنقد والدراسة، لكنها مع ذلك توجد ما يسد به هذا " النقص" من خلال معرفتك الجيدة بالكاتب، الذي تستطيع أن تميز بسهولة لماذا أثبت هذه الفرضية، وتجاهل تلك، كما تفهم عنه، كيف اختار هذا الرأي ورجحه على غيره، لأنه أراد أن يؤسس أو يعيد التأسيس..
التاريخ لا يكتب فقط، وإنما يؤسس، ويعاد تأسيسه!
لحد الآن لم يكتب "وجيز" في التاريخ الموريتاني؛ يتضمن أهم المراحل التاريخية التي مرت بهذا البلد، ولم يصنف في التاريخ الشامل إلا بعض من لمحات تطبعها الموسوعية عادة، والخصوصية في أغلب الأحيان، وعليه فلا وجود لتاريخ لما يمكن أن نسميه اليوم بلاد موريتانيا، وأنما هناك تاريخ إمارات وقبائل، وتأريخا لأحداث عرفتها هذه الربوع، لهذا نجد أن التاريخ القديم والوسيط نصف غائبين، والتاريخ الحديث يطبع تدوينه الاضطراب واختلاف الروايات وأهواء المؤلفين، وسعي البعض إلى إعادة تأسيس تاريخ لصالح مجموعته التي ينتمي إليها، وعموما ما كتب عن هذا التاريخ إنما هو مزع من الأراء والأساطير والمعلومات التي قد تصل حد المعلومة التاريخية ، وقد تتقاصر عن ذلك..
وبالفعل فإن من كتبوا تاريخنا قديما ووسيطا وحديثا، لم يكن همهم الكبير هو تأسيس تاريخ مشترك لهذا البلد، وإنما كان الهاجس الذي يرفد عملهم؛في أحسن الأحوال؛ هو الحصول على أكثر المعلومات دقة وأقربها إلى الموضوعية، أو إلى إقناع المتلقى، ومن هنا كانت معظم الدراسات والبحوث التي صدرت - لحد الآن- عن المنشغلين بالتاريخ الموريتاني، إنما هي سعي إلى انتشال هذا التاريخ من براثين الضياع، أولا، وتقديم الرواية الأقرب إلى الموضوعية ثانيا.. وقد طبعت هذه الأعمال سواء كانت ذات طبيعة موسوعية، أو كانت تاريخا لقبائل وأحداث كبرى، جملة من الملامح المشتركة من أهمها:
- اضطراب المرجعيات المفهومية، فهل نكتب عن تاريخ لبلاد التكرور، أم بلاد الفترة، أو المنكب البرزخي أوبلاد شنقيط، وأزعم هنا – على غير إحاطة، ومع الاعتراف بقصر النظر إزاء الموضوع- أن هذا الاضطراب خلق لدى الباحث في تاريخ البلد نوعا من التشيئ في النظر إلى التاريخ المشترك.
- يجد كل باحث أمامه ألف رواية مروية، وألف تاريخ محكي، وفي كل رواية وحكاية تتقاطع آلاف الحواجز، مع عشرات إشارة المنع، إذ لكل محمية اجتماعية تاريخها الذي ترويه، مؤسسا،أو بعد إعادة تأسيسه، والويل لمن تجاوز الخطوط الحمراء التي تلون معظم مساحة المعطيات، أو اقترب من الخطوط الصفراء.. من هنا طبعت كل الأعمال التاريخية بميزة غريبة، وهي أن مساحة المسكوت عنه أعظم بكثير مما تم تدوينه..
- سيادة مفهوم "النبذة" فمعظم المؤرخين لجأوا إلى هذه الحيلة، على طريقة الذين حققوا دواوين لشعراء جل إنتاجهم هجاء، فأصدروا دواوين باسم "الجزء الأول" أو تحت عنوان غرض آخر لتجنب نشر هجاء قد يثير حفيظة هذه المحمية الاجتماعية أو تلك، ويقود إلى ما لا تحمد عقباه من شر مستطير...
ومن الواضح أن هذه الحالة المقلقة هي التي دعت بعض الباحثين الجادين إلى تجاوز كل العقبات و العمل المتواصل في البحث ليقدموا لنا تاريخا مشتركا يلخص أهم مراحل التاريخ الموريتاني بجزئية القديم والحديث، ويحدد بشكل قاطع، وبمنهجية "مقنعة" المحطات الكبرى لتاريخ هذا البلد.. ويروادني إحساس عارم بأن الكتاب الذي قدمه الأستاذ الباحث والأديب المبدع الزميل الحسين ولد محنض للمكتبة الموريتانية بعنوان "تاريخ موريتانيا" قديما ووسيطا وحديثا، يضع اللبنة والأساس لهذا التوثيق المنهجي لتاريخ موريتانيا... قلت يراودني إحساس عارم لأنني لا أميل إلى الشطط والمبالغة في الأحكام، ولا أتوخى من وراء ما أكتب إرضاء من أكتب عنهم، كما أنني- وحكم الشخص على نفسه محل نظر- لا أتخوف من وجدهم علي ما كتبت؛ لحطة الكتابة على الأقل..
يرواودني هذا الأمل لأن ما كتبه الأستاذ الحسين عن التاريخ الموريتاني يمتاز بثلاث ميزات خلا منها كل عمل نشر قبله أو صاحبه- مع الاعتراف بتعذر الإحاطة-
الميزة الأولى: أن العمل غطى كافة مراحل التاريخ الطبيعي والبشري لهذا الأفق؛ من البدايات الأولى المتخيلة، وحتى دخول الاستعمار، هذا الأفق الذي عرف أكبر تفاعل بشري وثقافي غير مدون، دفنت الصحراء الكبرى أكثر تفاصيله، وطمر النسيان جل بقيته، وقد اعتمد الكاتب في تناوله لهذا التاريخ الأسلوب الخبري الجازم، وبهذا فقد قفز بنا شوطا كبيرا إلى الأمام في تدوين هذا التاريخ؛ فالمعطيات موضوعية كانت أو مبنية على فرضيات وترجيحات، أصبحت في متناول الدارس تصحيحا وتحويرا وإضافة، ومن الواضح أن هذه الخطوة ستزيل الكثير من العوائق الابستمولوجية التي ظلت تلقى بظلالها المربكة على تأسيس ناصع للتاريخ الموريتاني الحديث، فقد أصبح من المتاح الآن ونحن نعيد صياغة تاريخنا ونكتبه أن نضيف إليه لبنة، ونملأ فراغا هنا، ونضيف لبنة هناك.. وفي هذا السياق فإنه من الغريب أن تغيب الدولة عن كتابة تاريخها، فكل الجهود التي تمت إنما كانت بجهود باحثين بذلوا المستحيل ليكتبوا تاريخا، تستحيل كتابته دون مجهود من الدولة..
الميزة الثانية: ثراء المصادر والمراجع وتنوعها وغزارتها،مما يعطي الانطباع بالجهد الهائل الذي بذله الباحث للحصول على أكبر قدر من المعلومات، وهنا أسجل ملاحظة أراها هامة وهي أن صاحب الكتاب وفق بين مختلف الروايات بأسلوب يصعب أن يتفق لباحث في موضوع شائك ومعقد؛ شأن التاريخ البشري بشقيه الاجتماعي والطبيعي
الميزة الثالثة: اتباع منهج في الاستقراء والتركيب والتعاطي مع المصادر يصعب عليك تصنيفه، فتارة تجزم بأنه يتبع منهجا جدليا (ادياليكتيك) في صياغة التاريخ، وأخرى يحيلك إلى المنهج الاجتماعي، وهكذا دواليك.. لكن هذه المراوغة المنهجية؛ قصدها أم لم يقصدها؛ أعطت للباحث فرصة للالتفاف على كل المصادرات، فأعطى "لكل ذي حق حقه" دون أن يعطي لأحد حقه الذي يتطلع إليه..هذا مع التسليم بأن "الناس مصدقون على أنسابهم"، وهي مصادرة يبدو أن الباحث وجد فيها مخلصا من المئازق التي لا حصر لها، رغم ما تثيره من تحفظات وحنق بعض الذين يعرفون أن تلك الأنساب هي في معظمها محل نظر، دون أن ننسى فعلا أن عملية إعادة التأسيس القبلي التي نشطت بعد أن وضعت (شرببه) الثانية- كما أسماها الباحث- أوزارها، كانت طبيعية باعتبار أن الصراع بين الغالب في تلك الحرب والمنهزم فيها تحول إلى صراع "انتماء" للحضارة العربية الإسلامية، وكن من السهل أن تكون "الأصول" أول رافد يُفكّر فيه، فنشطت حركة إعادة التأسيس، ليربط الطرف المهزوم نفسه بأصول تتجاوز أصول المنتصرين، صوب أعتاب الشجرة النبوية والخلفاء الراشدين، والعشرة المبشرين بالجنة، ثم القبائل التي لا تشترك في أي أصل مع قبائل المعقل..
قصدت من البداية أن لا أغوص في العمل قبل أن أشير إلى بعض القضايا التي استثارتني أثناء قراءته، وبعد إعادة هذه القراءة..
وبعد
فقد صدر كتاب تاريخ موريتانيا عن دار الفكر في جزئين، الجزء الأول بعنوان "تاريخ موريتانيا القديم والوسيط، مما قبل التاريخ إلى الانتشار الحساني في بلاد شنقيط" (125000 ق.م- 1645م)، ولأن الكاتب صدره بعبارة "أول توثيق منهجي للتاريخ الموريتاني" فإنه كان بحاجة لتوطئة عريضة يتحدث فيها عن أهمية تحقيب جديد يأخذ بعين الاعتبار كل الأطوار التاريخية التي عاشها البلد، كما يفصح عن منهجه في التعامل مع المعلومة، واستقراء الوثائق، واعتماد مبدإ الترجيح، ثم تحدث في هذه المقدمة عن الحاجة إلى كتابة التاريخ بصفة شمولية، وموضوعية، دون أن ننساق وراء التعميم الذي طبع جل الأعمال التي تناولت تاريخ هذا البلد، ثم تأطير تاريخي أشار فيه إلى بداية التاريخ الطبيعي منذ العصور الحجرية، وما قبل التاريخ، ثم يبدأ مع التاريخ القديم بتناول الحركة السكانية النشطة التي عرفها هذا الأفق، والأعراق البشرية التي تعايشت فيه، وتاريخ المعتقدات: من وثنية وديانات كاليهودية والمسيحية ، ثم الإسلام الذي استوطن هذه الأرض في وقت مبكر على شكل فرق مذهبية كالمذهب الأباضي ومذهب الشيعة، وخلص في خاتمة هذا الجزء إلى بدايات الانتشار الحساني في الصحراء الكبرى، وأخيرا أفاض في نهايته في الحديث عن شجرات النسب لمختلف المجموعات كما تداولها المعنيون..
الجزء الثاني من الكتاب يبدأ بحركة الإمام ناصر الدين والحرب الطاحنة التي وقعت بين الزوايا وحسان، والتي انتهت بهزيمة الزوايا وسيادة بني حسان الذين استوطنوا الأرض بعد حروب طاحنة مع السكان الأصليين، ثم فيما بعد الوافدين الجدد(لمغافره) والقبائل التي سبقتهم ليتوج هذا التفاعل والصراع المحتدم بنشوء إمارات حسانية توزعت البلاد كما هو معروف،وهي إمارة أولاد أمبارك بالحوضين والعصابة ، أمارة البراكنة في الوسط، إمارة الترارزة، في الجنوب الغربي، إمارة أحي بن عثمان بآدرار والشمال، بالإضافة إلى إمارة إدوعيش بتكانت وهي الإمارة الوحيدة التي قاومت المد المغفري، ثم الإمارات التي الزنجية في الجنوب والجنوب الشرقي، والمشيخات في الشمال والشرق، يتحث عن هذا التفاعل الكبير دون أن يهمل "شاردة" ولا " واردة " ذكرها المؤرخون إلا وأشار إليها؛ إما تفصيلا أو بإيجاز غير مخل..
الكتاب بجزئيه صدر في طبعة أنيقة عن دار الفكر، عدد صفحاته تتجاوز الستمائة صفحة. ..
ويصعب أن نحصر في هذه العجالة كل ما ورد في الكتاب لثرائه وتنوعه، وثراء المصادر التي أخذ عنها أو توكأ عليها في بعض المواقف التاريخية المثيرة للجدل..
وعلى أية حال فأنا أتصور كما أشرت عرضا إلى ذلك أن هذا الكتاب يشكل إسهاما جادا في كتابة تاريخ جمعي لموريتانيا هي في أمس الحاجة إليه، كما أتصور أنه ثمرة لجهد مخلص لأنك تستطيع أن تقرأه من ألفه إلى يائه، وأنت تحس بالحاجة للمزيد. فشكرا للباحث الكبير والمؤرخ اللامع الحسين على جهده المتميز...
في النهاية أشير إلى أنه تولدت لدي ملاحظة في عرض الحديث عن هذا الكتاب، لابد من ذكرها، ومقترح لا محيد عن التنويه به، فمن الغريب أن تهمل دولة لديها وزارة للثقافة، ووزارة للتعليم، كتابة تاريخ الأمة التي هي مسؤولة عنها وتترك لباحثين لايملكون الوسائل، وإنما تحفزهم الغيرة على تاريخ بلدهم يتجرعون مرارة البحث، ويتعرضون للضغوط الاجتماعية والنفسية،دون نصير.. مهمة كتابة تاريخ المجتمع والدولة واجب على الدولة، وأقول الدولة، ولاأعني حكومة بعينها ولا مسؤولا بعينه، وأنتهز الفرصة لأطالب الجهات المسؤولة، أن تنشئ هيئة لإعادة كتابة تاريخ هذا المجتمع، وتوفر لها الوسائل الضرورية، وأن تنشأ من المهتمين والباحثين الجادين، وتترك بمنأى عن السياسة، وأن تكون ميزانيتها في يد غيرها لئلا يتكالب عليها الأدعياء والمتزلفون فيحيدون بهدفها النبيل عن مساره.. وأتمنى على رئيس الجمهورية أن يعلن عن هذه الهيئة في خمسينية الاستقلال الوطني..

والله من وراء القصد.

نقلا عن السراج الإخباري