مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيا تجرّ مالي إلى حرب الصحراء


ابن تيارت
11-13-2010, 12:15 PM
موريتانيا تجرّ مالي إلى حرب الصحراء




تميز الأسبوع الحالي في موريتانيا بارتفاع حدة السجال بين الحزب الحاكم وحزب اليسار، على خلفية الحرب على الإرهاب، وتعطيل الحوار السياسي، و”سخّن” النواب ألسنتهم مع الدخول في آخر جولات معركة البرلمان هذه السنة، فيما باشر الحزب الحاكم بالفعل معركته الانتخابية المبكرة .

نبدأ بالموضوع الجديد، فقد نجح الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في جر دولة مالي المجاورة للمشاركة في الحرب على القاعدة في منطقة الساحل، بعد أن بدأت يوم السبت الماضي أول دوريات عسكرية مشتركة بين جيشي البلدين تجوب صحراء شمال مالي لمحاربة كتائب “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، فقد التحقت وحدات من الجيش المالي بالوحدات العسكرية الموريتانية المرابطة منذ يوليو/تموز الماضي في حدود “تمبكتو” (300 كلم من الحدود الموريتانية) .



وبذلك لا يتوفر فقط للقوات الموريتانية سند عسكري ولوجستي فحسب، وإنما يتوفر”الغطاء الشرعي” للتواجد العسكري الموريتاني على الأراضي المالية بعد أن كان محل نقد كبير من طرف المعارضة الموريتانية الراديكالية التي رأت في ذلك التواجد مساساً بسيادة دولة صديقة ومجاورة .



كما لم تعد القوات الموريتانية وحدها في الحرب على الإرهاب في “الصحراء الكبرى”، الأمر الذي كان أيضا محل استفهام من المعارضة الموريتانية .



ولا يزال الوقت مبكراً على تقييم هذه الخطوة وتداعياتها الإقليمية، خاصة وأن النظام في مالي ظل ولفترة طويلة يرفض الدخول في حرب مفتوحة ضد القاعدة متعللا بنقص الإمكانيات وضرورة مشاركة كل دول المنطقة دفعة واحدة في المجهود العسكري لمواجهة القاعدة .



ويجزم المحلل السياسي الموريتاني أحمد ولد المامون أن قيام الحكومة المالية بهذه الخطوة “لم يكن ممكناً من دون ضغط فرنسي وليبي مشترك” . مشيراً إلى مدى نفوذ البلدين (فرنسا وليبيا) على نظام توماني توري .



يبقى السؤال هنا، هل تمت هذه الخطوة بالتنسيق مع الجزائر القوة الإقليمية الأكبر في المنطقة والمعني الرئيسي بمكافحة الإرهاب في الساحل، أي هل تمت ضمن مخططات القيادة المشتركة لأركان جيوش الساحل التي تأسست مؤخراً في “تيمنراست” (الجزائر) والتي يتولى رئاستها حالياً قائد أركان الجيش المالي، أم تمت بمعزل عن الجزائر وفي محور مضاد يتردد بقوة أن فرنسا تسعى لإقامته للسيطرة على ثروات المنطقة . أم أن الماليين شعروا بمدى الفوائد التي حققتها موريتانيا من عملياتها العسكرية الأخيرة ضد القاعدة في الصحراء؟ حيث بدأ الدعم السياسي والمالي والعسكري والاستخباراتي (الدولي) يضخ “محلوله السحري” في شرايين نظام الرئيس عزيز، وبالتالي أراد الماليون الاستفادة من الكعكة التي تصنع في مطبخهم وفوق أراضيهم، خاصة بعد أن تأكد الماليون أن الفرع المغاربي للقاعدة ليس بالقوة التي صورته بها وسائل الإعلام بعد الخسائر الفادحة التي ألحقها الجيش الموريتاني بالتنظيم على الأرض ما دفع مقاتلي التنظيم إلى نقل قواعدهم إلى مسافات بعيدة داخل الصحراء .



لن تكون إجابات هذه الأسئلة جاهزة في المدى القريب، كونها، وبطبيعتها، مطمورة على عمق كبير تحت جدار سميك من السرية، ويدل نقل المحادثات العسكرية الموريتانية- المالية إلى مدينة “انواذيبو” في الشمال بعيدا من الآذان والعيون على أن ما يجري التحضير له هو دراسة التفاصيل وليس وضع العناوين .

وعلى ضوء هذه المستجدات، مرة أخرى طرح في كواليس نواكشوط السؤال المحير: ما الذي يدفع ولد عبد العزيز إلى كل هذا الإصرار على حرب على “القاعدة” في منطقة الصحراء الكبرى، وتحديدا صحراء “أزواد” (شمال مالي) .

من السهل الإجابة بأن ذلك وليد الضغط الفرنسي، ولكن يدرك العارفون بخبايا الأمور أن السياسة الفرنسية إزاء ملف الإرهاب في الساحل لا تزال “مرتبكة”، وتعترف فرنسا نفسها بأنه من المستحيل تطهير الساحل من الإرهاب من دون مشاركة الجزائر، وقبل أسابيع تبرأت فرنسا من دعوة الدول الثماني الكبرى للاجتماع في “باماكو”، واختارت باريس وزيرتها القوية “ميشال أليو ماري” لتقول من الجزائر إن موريتانيا هي من دعت وتقف وراء الاجتماع .

لقد اتضح ل”الخليج” من دوائر بالغة الاطلاع أن الرئيس عزيز قرر الذهاب بعيداً في سياسة محاربة الإرهاب للتغطية على هدف أكبر وهو بناء الجيش من جديد وتقوية قدراته القتالية وتسليحه، ووراء هذا الهدف الخفي شعار واحد هو الخروج بالبلاد من صفة “الحلقة الأضعف” في المنطقة في مواجهة متغيرات متعددة بالمنطقة بينها ما هو “حتمي” وما هو “محتمل” .

يأتي هذا السيناريو على ثلاثة أدلة: أولها الاحتمال المطروح منذ ثلاث سنوات بالعودة للحرب في الصحراء الغربية مع تهديد البوليساريو باستئناف القتال . و”الحرب القادمة”، كما توصف، لن تكون كسابقاتها ويستحيل فيها “الحياد الإيجابي” . وقد تغير أهدافها ومساراتها في أي وقت، خاصة وأن موريتانيا تحتفظ بجزء من الصحراء الغربية (لكويرة) كخط دفاع متقدم عن مناجم الحديد في الشمال لحين البت النهائي في النزاع .

وثانيها: ملف الإرهاب في منطقة الساحل والذي يفرض على النظام تأمين البلاد من أجل استغلال الثروات المعدنية القائمة (الحديد، والذهب، النفط، الغاز . .) .

وثالثها: المسلمة الرائجة “قوة النظام من قوة جيشه” والتي تحيل إلى قناعة بضرورة وجود جيش جمهوري قوي لتأمين بقاء النظام بعد أن بات التحكم سهلا نسبيا في آلية الانتخابات .

دلالة كل ذلك هو أن النظام بات يرهن أحلامه بوجود جيش قوي، الهدف الذي ظلت أنظمة نواكشوط تتمناه وتخافه في نفس الوقت .

حرب “لينين” وماو

دخل حزب (الاتحاد من أجل الجمهورية) الحاكم في معركة إعلامية وسياسية مع حزب “اتحاد قوى التقدم” (اليسار) الموريتاني على خلفية تصدر الحزب للمعارضة الراديكالية وخطابه القوي ضد سياسات النظام وضد الحرب على الإرهاب .

اتهم الحزب اليساري نظام الرئيس عزيز بخوض حرب بالوكالة عن فرنسا، والزج بالبلاد في معركة خاسرة مع القاعدة، ورفض الحوار مع المعارضة على أساس اتفاق دكار، والمسؤولية عن ارتفاع الأسعار والفشل في سياسات الإسكان وخاصة ملف القضاء على ظاهرة الأحياء العشوائية .

وعاد الحزب إلى مفردات “النظام الزبوني”، و”الانقلابي” و”غير الشرعي”، و”الرئيس الذي حل محل الدولة” . وسرعان ما تبارى قادة الحزب الحاكم، والذي يسيطر عليه الإخوان والناصريون، في “معركة تشويه” ضد اليسار وقائده محمد ولد مولود .

وهكذا اعتبر قادة الحزب الحاكم أن حزب “التقدم” لا يريد للبلد التقدم “لأن ذلك يمس مصالحه الخاصة فالنور يضر بالخفافيش”، على حد تعبير القيادية عيشه فال، في تجمع جماهيري، فيما أعلن عمر ولد معط الله الأمين العام للحزب استغرابه لسعى بعض قادة المعارضة إلى الترويج لأفكار “ماو”، و”لينين” و”اتروسكي” . مؤكدا أن حزبه على عكس قوى المعارضة تلك يحدد سياسته انطلاقا من الهم الوطني .

وفي نفس النهج الاستنكاري لقادة الحزب الحاكم ما سموه “الخطاب الإيديولوجي لرئيس حزب اتحاد قوى التقدم” الذي اعتبروه “نابعا من حقائق شعوب أخرى” .

وقال المهندس أحمد جدو ولد الزين، فدرالي الحزب في نواكشوط “إن الإيديولوجية التي يدافع عنها ولد مولود قد فشلت حتى في الشعوب والدول التي انطلقت منها”، متسائلا “عن سر تمسك حزب اتحاد قوى التقدم بهذا الخطاب التي يعود لأربعينيات القرن الماضي” .

وفي سابقة من نوعها، عمد الحزب إلى إصدار بيان خصصه للهجوم على رئيس اليسار قائلاً “إن ولد مولود جرياً على عادته في التغريد خارج السرب، يأبى أن يفوت أي فرصة لتجديد استهتاره بأمن وسلامة البلاد، وبالمثل الديمقراطية والقيم الوطنية”، واتهمه باجترار “المفردات النشاز” التي طالما اتخذ منها مجدافاً في سباحته المتواصلة ضد تيار المجتمع والأمة، منذ خسارته الماحقة- هو ورفاق دربه- في الانتخابات الرئاسية الماضية .

وأكد الحزب أنه “يدرك تماماً، أن محاولات الرجل اليائسة لكسر إرادة أمة بأكملها، ومعاقبة شعب كامل على خياراته الديمقراطية، لن تتوقف بتبدل المواقع، فالغاية عند أمثاله - ومهما كانت بعيدة المنال- تبرر استعمال مختلف الوسائل، أياً كانت طبيعتها، كما ندرك أن مبعث اليأس لدى الرجل هو ما لمسه من تصميم الشعب الموريتاني على المضي قدما في دعم مسيرة مظفرة انتشلته من أوحال الفقر والبأساء والضراء، وجعلته يعيش نهضة حقيقية على كافة المستويات، يلمس أثرها في واقعه اليومي المعيش سكنا، وصحة، وماء وكهرباء، وتعليماً، وأمناً ورخاءً وطمأنينة على المستقبل” .

وصوب الحزب هجومه على رئيس اليسار مؤكداً أنه “أخطأ حين تجاهل حق الوطن والمواطن، وتحدث باستفاضة عن حقوق الجار، وحين بالغ في تهويل مخاطر الحرب ومنظمات الإرهاب، وشدد الهجوم على من يضطلع بواجب التصدي لها، وحين افترى على الأمة الارتهان للخارج، وغض الطرف عن تاريخ كامل من الارتهان الحركي والأيديولوجي، كان وما زال وسيظل، صناعة خالصة للقوى الخارجية” .

هذا السجال مرشح للسخونة مع افتتاح الدورة البرلمانية الأخيرة لهذه السنة ،2010 إذ تحولت كل دورات البرلمان الحالي إلى “معارك” سياسية وإعلامية وقانونية من خلالها حاول نواب المعارضة محاكمة النظام وأحزابه، وحاولت الأغلبية الرد .

وعلمت “الخليج” أن الكتل البرلمانية المعارضة وبالخصوص “كتلة اتحاد قوى التقدم” (اليسار) بدأت التنسيق والمشاورات بين أعضائها لدراسة السبل الكفيلة بالظهور هذه المرة ب”أداء ممتاز” كما جرت العادة .

وسيكون العبء كبيراً على كتلة الأغلبية التي نالت التوبيخ أكثر من مرة عن أدائها البرلماني في مواجهة الأداء المتفوق لنواب المعارضة .

أما أبرز ملفات هذه الدورة فهي المصادقة على ميزانية السنة القادمة (2011)، واستجواب أعضاء الحكومة عن كل الملفات المطروحة على الساحة، وخاصة ملف الإرهاب، والأسعار، والصحة، والسكن .

الحزب الحاكم

دخل “حزب الاتحاد من أجل الجهورية” الحاكم في موريتانيا “معركة انتخابية مبكرة” تحضيرات للانتخابات التشريعية (النيابية والبلدية) القادمة، وذلك من خلال حملة تحسيس للقواعد الشعبية في مختلف مناطق البلاد اختتمت يوم السبت الماضي . ليعود قادة الحزب بأكبر “مكتبة تقارير” عن وضع قواعدهم والتوجهات السياسية لسكان الداخل .

وقد حاول زعماء الحزب خلال الحملة التحسيسية التأكيد على نيتهم بناء حزب قوي و”مترجم أمين لنبض الجماهير”، محاولين زرع فكرة أن الحزب الجديد لن يكون نسخة مكررة من الأحزاب الحاكمة السابقة سيئة الذكر .

الحزب الذي ألقى بثقله في “الحملة التحسيسية” التي تصدرها الوزراء والمسؤولين الكبار تباهى بوصول عدد منتسبيه إلى 800 ألف منتسب أي إلى ثلثي اللائحة الانتخابية (2 .1 مليون ناخب)، وهذه هي المرة الأولى التي يصل فيها عدد منتسبي أحد أحزاب البلاد إلى هذا الرقم، المشكوك فيه من طرف المعارضة .

إلا أن الحزب يدرك أن عدد المنتسبين لا يساوي عدد الناخبين، فكثير من المواطنين ينتسب للحزب الحاكم “خوفاً من شره” و”طمعاً في خيره الوفير” لكنه يصوت لاعتبارات أخرى أولها العامل القبلي والجهوي والعرقي والمنافع الخاصة من “المال الانتخابي” .

وإذا كانت كل معطيات الميدان تشير إلى أن الحزب الحاكم سيحقق “فوزا مريحا” في الانتخابات القادمة، فإن الإعداد المبكر للحملة الانتخابية ينطلق فيما يبدو من عوامل غير معلنة لعل من أهمها إلحاق “هزيمة منكرة” ببعض مكونات المعارضة وخاصة حزبي “التقدم” و”التحالف” الذين يمثلان المعارضة الراديكالية، ويعتبر وجودهما في كتل برلمانية قوية وعلى رأس عشرات البلديات الهامة في البلاد أمرا بالغ الإزعاج للنظام، يضاف لذلك سد الباب أمام قوى سياسية جديدة ك”تيار أنصار العقيد ولد فال” وغيرهم من قوى حزبية في المعارضة والموالاة معا، وهي القوى التي ولدت بعد الانتخابات الماضية، ولا يمكن تقدير قوتها الانتخابية اعتمادا على المظاهر .
ولا يخفي قادة بارزون في الحزب إدراكهم أن معركة الانتخابات التشريعية القادمة هي بمثابة تزكية جديدة للنظام، خاصة بعد ما شاب الانتخابات الرئاسية الماضية من شد وجذب .

وتؤكد “الجلبة” الحالية في الحزب أن نجاحه لا يتمثل في تأمين الأغلبية و”معركة إثبات الذات”، بل في “معركة كسر عظم” مؤلمة وصعبة .

"""عن الخليج"""