مشاهدة النسخة كاملة : وأخيرا تبدأ الحياة


ام خديجة
11-13-2010, 10:53 AM
وأخيرا تبدأ الحياة

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=180w__abd.razg.jpg

عبد الرزاق ولد سيدي محمد

﴿ فتح أحمد عينه في الصباح ، وأستيقظ في فتور، ثم استوي في فراشه جالسا، وكأنما لمع في ذهنه خاطرا فجأة.
و ألقي نظرة سريعة إلي ساعته فوجدها تشير إلي الحادي عشر تماما! الحادية عشر تماما لقد تأخرت كثيرا هذا اليوم، ماذا سيقول عني العمال وقد تعود أن يضبطوا ساعاتهم علي موعد مجيئ في تمام الساعة التاسعة! لا يهم يوم واحد أتأخر فيه منذ ثلاثين سنة لايهم ! يا لها من مدة طويلة، ثلاث عقود من الزمن! كيف مرت كل هذه السنين و أنا لا أكاد أحس بها! كيف لا أحس بها؟!
و أراح أحمد رأسه على كفه وسرح بعيدا:
لقد كافحت مدة طويلة ومشيت على الصخور وفوق الشوك و أمشي و أتعثر، أتسلق و أقفز حتي وصلت ما أنا فيه والحمد الله : أنا مالك مؤسسة كبيرة للصناعة، ويعمل عندي مئات الموظفين كلهم من ذوو شهادات عالية، أنا لا أوظف إلا أ صحاب الشهادات العالية،مع أنني لم أحصل علي شهادة.
ليس مهما حصولك على الشهادة لكي تنفذ في الحياة، المهم أن تمون لديك القوة و العزيمة و الرغبة في أن تكون شيئا.

قطع والدي رحلة حياته فجأة وأنا في سن مبكرة من عمري أي في السادسة من عمري وتركتني أمي بعد شهور في منزل جدتي وذهبت لتجرب حياة جديدة بعيدا عنا.

تألمت كثيرا لذلك لم أكن أظن أن يحل رجل آخر محل أبي، وكنت أتمني أن تعتمد أمي علي أنا، أنا ابنها الصغير، ولكنها سخرت مني، وأردت أن أثبت لها أني أستطيع أن أكون شيئا. فاندفعت للعمل أعمل كل شيء و لا أستنكف من شيء مادام يضمن لي المال. وتعلمت تعلمت الكثير في مدرسة الحياة ، هكذا يسمونها! لابد أن أصحاب التمسية مثلي ممن لم يحصلوا على أي شهادة قط ولم يدخلوا أي مدرسة، وكنت أدخر معظم ماكان يتجمع عندي من المال ولا أنفق منه إلا القليل، ولكنه كان كافيا بالنسبة لحاجتي المتواضعة، و حاجة جدتي التي كانت دون جاجتي بكثير جدا،وكان يأتي لجدتي شيئ من المال عن طريق أمي، متسربا من مال زوجها بطبيعة الحال و كانت أمي تأتي لزيارتنا كلما لاحت الفر صة، ولكننا لم نزرها قط ، لا هي دعتنا و لا نحن ذهبنا إلي بيتها، ولا حتي نحن وجدنا الرغبة الملحة في زيارتها بل أني كنت أتعذر بالمعاذير لمغادرة البيت كلما جاءتنا .

لقد جرحتني في أعماقي بزاوجها ولن أغفر لها ذلك قط، وتباعدت زيارتها لنا على مر الأيام بعد أن ملأت بيت زوجها أولادا، ما فكرت في رؤية وجوههم السيئة.


وتنقلت من بلد إلي آخر بعد وفاة جدتي و أحسست أني أريد الهروب من الماضي بكل ما فيه من أسباب تشدني إلى الهاوية وتشعرني بالخجل في فقري وجهلي و زواج أمي، و أولادها من هذا الرجل الغريب.
الحياة فسحية أمامي، والمال يتدفق بين يدي كل شيء أصبح ميسورا عندي والحمد الله ، و لكنني لم أكن سعيدا، كنت دائم الحزن في أعماقي، و كان العمل ملعاي الوحيد أغرف فيه بعيدا عن الهموم،و كان لذتي ويومي و غدي، لم أسترح يوما، حتي يوم الجمعة كنت أذهب فيه لأغرق في العمل فما بالي اليوم؟ هل أنا مريض؟
وقام أحمد من فراشه وأتجه إلي المرأة في ركن الغرفة الفسيحة الفاخرة الأثاث، و نظر إلي وجهه طويلا: لا ، لا، لست مريضا في وجهي شيء من الأصفرار والذبول، لا بأس ، لعله إرهاق العمل، لكن مابال هذه التجاعيد التي بدأت ترتسم على وجهي ؟ أنني لم أرها قبل اليوم.

ويحى،لقد تغيرت كثيرا، لم أرى نفسي في المرآة منذ زمن طويل، لا وقت عندي للنظر في المرآة، هذا عمل النساء، نعم عمل النساء، أنا أكره النساء، ولم أفكر في الزواج قط، كنت أخاف أن أموت صغيرا كوالدي و تذهب زوجتي إلي رجل آخر، و يقاسي أولادي ما قاسيت.

كانت عيون أطفال أمي من زوجتي إلي رجل آخر تلاحقني وتصيبني بالأشمئزاز والسخط، عجبا، ما هذا البياض الذي في شعري، أنني لم أكبر حتي أشيب.. أنني لم اتجاوز...لم أتجاوز ماذا؟ ماهو تاريخ اليوم؟ 31 من ديسمبر؟! عجيب إنه يوم ولاتي ، لقد نسيت ذلك تماما كم هو عمري اليوم؟ عشرون ، ثلاثون، خمسون ، نعم بالضبط هذا هو عامي الخمسون في الحياة! خمسون؟ نصف قرن؟ و أظن أني لم أكبر و أن الشيب أسرع إلي ما أشد غفلتي أعمل وأعمل وأعمل... و أجمع المال والمال، ثم ماذا بعد؟ ما الهدف بعد ذلك؟ عندي كل شيء و ليس عندي الكثير عندي كل شيء . عندي الكثير ولا أري إلا القليل منه لقد ظلمت نفسي بظلمي للمرأة، أعيش بأحقادي ومخاوفي الصبيانية؟ ليتني تزوجت ليتني أنجبت لو أنني ما رست حقي في الحياة لكان أولادي الأن في الجامعة الحيقة وليست جامعة الحياة العملية الوهمية.. ليتني، ليتني، ليتني، وهل تنفع ليت ولماذا لا تنفع؟
وسمع أحمد طرقا على الباب فصاح قائلا:
ـــ تفضل بالدخول.
و فتح الباب وظهر خادمه وعلى وجهه علامات الحيرة والدهشة و الإستغراب.
ـــ سيدي، لقد خفت عليك، تأخرت كثيرا في النوم على غير عادتك، لقد أعددت لك الإفطار منذ الصباح الباكر، و أتصل موظفو المؤسسة لسؤال عنك عدة مرات.
وقال أحمد في هدوء:
ـــ قل لهم: لا عمل اليوم، اليوم عطلة!
ورد الخادم وقد اتسعت دهشته:
ـــ عطلة؟ أي عطلة يا سيدي؟
و قال أحمد وهو يبتسم:
ـــ أعطيت نفسي هذه العطلة! أليس من حقي ذلك يا خادم؟
ـــ نعم، نعم يا سيدي، لا شك في ذلك، ولكن...
و وضع أحمد يده على كتف خادمه وهو يقول:
ـــ ولكن ماذا أيها الخادم؟ أسرع إلي بالطعام، و أخيرا، و أخيرا تبدأ الحياة!﴾.

نقلا عن الأخبار