مشاهدة النسخة كاملة : التطرف والإرهاب الفكري { فاطمة بنت شيخنا }


ابن تيارت
11-12-2010, 09:49 AM
التطرف والإرهاب الفكري/ فاطمة بنت شيخنا


« Tout excès est nuisible » مثل مثير للانتباه لما يتضمنه من معني عميق لخطورة الإفراط مهما كان نوعه ومجاله، أن تفرط مثلا في استغلال حريتك غالبا ما ينتهي بك الأمر متشردا وإذا تعلق الأمر بالفلسفة ينتهي الأمر بالجنون أحيانا ، أما التزمت والتشدد فالي التطرف لا محالة ثم ممارسة الإرهاب إما علي شخصك لا شعوريا أو علي كل وسطك بطريقة أو بأخرى، وهنا فخ المصيدة، وخطورة المال النفسي والعضوي حتما.
من المسلم سلفا أن العقل البشري يتخاطب مع المرء حسب وعيه وعقائده و قناعاته ومستواه الفكري، فكيف إذن لم يزكي هذه الهبات الكريمة بإعطائها حق الحياة والحوار والتمعن ، أن يعي أهمية الكلمة والفعل ودورهم في عالم الأمر والنهي مهما كان نوعه وحيزه ؟
إن من يجد نفسه عاجزا عن استثمار عقله ووعيه وفكره استثمارا سليما لن يعتمد مبدئي الانفتاح والاستفادة من ثقافة وتجارب الآخرين، وهذا في حد ذاته نوع من ممارسة التطرف وترهيب النفس ومنعها حق التعلم والاكتشاف، كيف لا وطلب العلم بشتى تجلياته يتطلب فكرا حرا وغير شاذ بالضرورة ولا متطرف أو معقد ومنغلق ،بل انسيابي ومنفتح ، متقبل للآخر بأي شكل من الأشكال ، بعيدا عن الحساسيات والتزمت والأحكام ا المسبقة، ناهيك عن التطرف فكرا وممارسة شكلا ومضمونا.
كثيرون هم من اكتشفوا خطورة نتائج إشاعة أو ممارسة ثقافة العنف التي تؤدي غالبا ما إلي حالات التطرف النفسي وهي حالات مرضية حرجة وخطرة جدا وتقود في أغلبية الأحوال المصاب بها، إما إلي حالات الاكتئاب والانزواء الشديد أو ممارسة الأعمال المخالفة للأخلاق الاجتماعية العامة (حالات التمرد ) أو الانهيار بشكل أو بآخر .
من هذا المنطلق يمكننا القول إن التطرف ثقافة أو ممارسة يعتبر في حد ذاته نوع من غياب المنطق هذا الأخير الذي يعتبر حالة من حالات غياب العقل السليم وبالتالي فان كل هذه الظواهر لا تخرج في حد ذاتها عن حيز الظروف المشجعة علي استغلال المرئ كعنصر إرهابي بطرق تختلف اختلاف أهلها وأغراضهم .
إن حقيقة الإرهاب الفكري لا تتجاوز كونها احدي الطرق الحديثة والدقيقة لممارسة تلك الجريمة الشنعاء في حق النفس البشرية، هي إثارة ذلك الإحساس بالخوف الشديد لدي الإنسان من خطر ما بأي صورة أو طريقة ، هو ذلك الشيء الرهيب الذي ينتزع من الإنسان أبسط الحقوق في التمتع بزهرة الدنيا ، هو تأصيل الرعب في النفس البشرية وتوصيله عن طريق بث الترهيب والتخويف ابتداء بالتنشئة وانتهاء بالقناعة والممارسة ،هي بكل اختصار أن يفضل المرء أحيانا الموت مرة واحدة عوض قتله في كل يوم مرة بسلاح فتاك يبيح العبث بعقله ويحرمه حق الطمأنينة والعيش المستقر .
ذاك هو أحد الأوجه الأخرى للجريمة الإرهابية المنظمة التي تفضل أن تقتاد فريستها طوعا، عن وعي أو عن غير وعي للدخول به في متاهات عالمها و لينتهي به الأمر في مرحلته الحتمية الأخيرة بالإساءة إلي النفس بأبشع الأحوال وأخطرها في مشهد رهيب، وحشي، ومشوه، بعيد كل البعد عن الشكل الصحي لنتائج قرارات العقل الإنساني المسلم خصوصا والطبيعي عموما ، ولا أظنني خرجت عن الموضوع كثيرا إذا ترجمت قناعتي المطلقة رغم احترامي للقارئ وديانته عموما، بأن ثقافة وفكر دين الإسلام السمح والوسطي ، تعتبر مغايرة ومناقضة لكل ما من شأنه اغتصاب الكرامة الإنسانية ، ناهيك عن إباحة مبدأ استقلالها و الإساءة إليها مهما كانت الذرائع والأهداف .
إن الإسلام دينا وثقافة، تدعوا إلي تطهير النفس وتحكيم العقل عن طريق المخاطبة و الإعجاز بتحديد الحقائق والدلالات مهما طال بعد وعمق سفر الباحث عن الحقيقة وتجلياتها .
إن حقيقة الفكر الإسلامي لا تنبذ فقط التطرف و الإرهاب بكل أشكاله، بل تعكس أيضا بشكل جلي وصحي قابلية السمو والانفتاح الذي فطر عليه العقل الآدمي من طرف الخالق جل وعلا بكل جمال و إبداع ، فكفي إساءة إلي الإسلام وفكره النبيل، فلخلل كامن ومشتد العود في المناهج التربوية والاجتماعية أحيانا، وفي الاستراتيجيات المتبعة للسعي وراء المصالح أحيانا أخري، أو لنقل ببساطة واختصار بأن الخلل فينا حتما لا فيه، وعلي العموم فلنا ولبلدنا قيادة وشعبا وللعالم نتمنى الاستقرار والأمان .

"""عن تقدمي"""