مشاهدة النسخة كاملة : أم المعارك


ام خديجة
11-12-2010, 03:12 AM
أم المعارك

http://www.alkhaleej.ae/Uploads/zone/198.jpg
محمد الصياد

“أم المعارك” هو التوصيف أو المصطلح الذي ابتدعه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق، والتي امتدت منذ السادس عشر من يناير/كانون الثاني عام 1990 حتى شهر إبريل/نيسان من عام ،2003 والتي تكللت بالغزو الأمريكي للعراق واحتلاله وإسقاط نظام صدام حسين واعتقال معظم قادته وعلى رأسهم صدام نفسه وإعدامه، وهي الحرب التي افترض صدام أن تكون أعظم الحروب في المنطقة وآخرها وأنها ستتكلل حسب زعمه بانتصار العراق فيها على طريقة حكايا وأساطير الأولين .

على أن “أم المعارك” التي نقصدها هنا هي تلك الحرب العظمى التي تلوح “بشائرها” منذ بعض الوقت في سماء المنطقة العربية، والتي يمتد قوس أزمتها المشدود على الآخر هذه الأيام من السودان جنوباً إلى لبنان وسوريا وإيران شمالاً .

فالإدارة الأمريكية الجديدة التي وصلت إلى سدة الرئاسة في البيت الأبيض وحصدت الأغلبية البسيطة في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، بفضل شعارها الذي زفته للأمريكيين، مبشرة إياهم بتغيير نوعي في السياسات والتوجهات على نحو يقطع مع سياسات وتوجهات الإدارة الجمهورية السابقة التي استمرت تحت قيادة الرئيس جورج بوش الابن 8 سنوات، والتي ورطت البلاد في حروب مدمرة في العراق وأفغانستان، واستنزفت مواردها في مغامرات مالية واقتصادية لا تقل عن مغامراتها العسكرية، هذه الإدارة الجديدة التي وضُع على رأسها لأول مرة في التاريخ الأمريكي رئيس من الأقلية الأمريكية السوداء هو باراك أوباما، نجدها اليوم، وبعد مرور زهاء سنتين على تنصيبها، قد ارتدّت عن كل عناوين خطاباتها الحماسية ووعودها المعسولة ذات الصلة بعلاقة الولايات المتحدة بالعالمين العربي والإسلامي، خصوصاً موقفها من الصراع العربي “الإسرائيلي”، فنكثت كل ما كانت ألزمت نفسها إياه بدءاً بالضغط على “إسرائيل” لوقف أعمالها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وليس انتهاء بإقامة الدولة الفلسطينية “الموعودة” خلال عام واحد .

فالوقائع على الأرض تدلل على حدوث انعطافة حادة في السياسة الخارجية لهذه الإدارة نحو نهج أكثر محاكاة لنهج بوش “الثوري” الحربي الذي يُغلب العصا على الجزرة، أي البوارج والمدافع والصواريخ والحصار الاقتصادي على الدبلوماسية وأدواتها الناعمة .

فلقد صار واضحاً أن مجموعات الضغط اليمينية بما فيها جماعات الضغط الصهيونية، باتت تلقي بكل ثقلها ونفوذها لدفع الرئيس أوباما وأركان إدارته نحو خيارات “الفوضى الخلاقة” في كل من السودان ولبنان .

في السودان تعمل الإدارة الأمريكية بكل ما أوتيت من قوة من أجل إنجاز مشروع فصل جنوب السودان عن الوطن الأم في يناير/كانون الثاني المقبل بأي ثمن، حتى لو كان ملايين الضحايا كما ذهب الرئيس أوباما نفسه في أحد تحذيراته الأخيرة للنظام السوداني من أن بديل الاستفتاء في موعده (يوم 9 يناير المقبل) هو ملايين الضحايا، أي ضحايا الحرب التي ستندلع وستكون واشنطن، بطبيعة الحال، طرفاً فيها .

وفي لبنان يندفع الثور الأمريكي باتجاه إيصال الأمور إلى حافة الانفجار من خلال فخ المحكمة الدولية المختصة بنظر جريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري . فتلاحق المحكمة، وتنسق مع باريس في موضوعها، من أجل التعجيل بصدور الحكم الذي فُصّل بعناية على مقاس حجم الانفجار المدوي المطلوب إحداثه في الساحة اللبنانية . وهي في كل ذلك تأمل في أن تؤدي “الفوضى الخلاقة” التي سيحدثها هذان “التفجيران” الكبيران في السودان ولبنان، إلى بعث مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كانت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة قد قالت إنه أصبح ممكن التحقيق حين كانت “إسرائيل” تشن عدوانها الشهير الواسع النطاق على لبنان في يوليو/تموز 2006 .

ولعل هذا المستوى من تطبيقات نظرية “الفوضى الخلاقة” يفوق في جنونه، تطبيقات تلك النظرية المجنونة في العراق وأفغانستان . فالشرارتان اللتان تشعلهما الآن واشنطن في السودان ولبنان ستفجران حروباً لن يبقى نطاقهما محصوراً في حيزهما الجغرافي وإنما ستمتدان إلى خارجهما، وهو ما تدركه واشنطن بالطبع، معتقدة في الوقت ذاته أنها ستبقى بمنأى عنهما وعن ارتداداتهما عليها، مراهنة في ذلك على بعدها الجغرافي عن مناطق النزاع والحروب التي عادة ما تشعل فتيلها وتلوذ بنفسها إلى دارها خلف المحيط .

بيد أن مثل هذا التوجه الحربي الذي بات يتحكم في السياسة الخارجية الأمريكية، في ظل صعود مخيف للنزعات الفاشية أملتها التداعيات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة التي تجتازها الولايات المتحدة والتي تذكر بأزمة الكساد العظيم التي هزت النظام الاقتصادي الأمريكي في ثلاثينيات القرن العشرين الماضي، حيث قدمت الأزمات الاقتصادية والضائقة المالية على مر التاريخ، المسوغات لتصديرها للخارج من خلال شن الحروب والتكسب المادي الاستيلائي من ورائها، أي إعادة الهيكلة والبناء والتراكم الرأسمالي عبر ما يسمى بالاقتصاد النهبي .

حاصل القول أن أمريكا و”إسرائيل” تلعبان بالنار في السودان ولبنان، حتى إذا ما سارتا في خطتهما التفجيرية حتى النهاية، فقد يكون ذلك إيذاناً باندلاع حريق هائل لا أحد يستطيع التكهن بمداه، وقد تكون تلك هي أم المعارك التي طالما سخرت منها واشنطن وتل أبيب .

نقلا عن الخليج