مشاهدة النسخة كاملة : الاستقلال : ميلاد أمة


أبو فاطمة
11-11-2010, 03:40 PM
الاستقلال : ميلاد أمة
بقلم الأستاذ أحمد يسلم ولد المختار *
تخلد بلادنا خلال الأيام القادمة ذكرى نصف قرن من الاستقلال و هي مناسبة سعيدة تجعلنا نستشعر عظم الحدث، و نتذكر ألئك الأبطال الذين ضحوا بأرواحهم الطاهرة ذودا عن الدين و الأرض و العرض ليعيش غيرهم في حرية و هناء.
و قبل أن أتناول موضوع الاستقلال الوطني و قيام الدولة الموريتانية المعاصرة أعرج قليلا لأحدد مفهوم كلمة الاستقلال و ماذا تعني من حيث المدلول.
يتحدد مفهوم الاستقلال السياسي في المعنيين التاليين:
1- عدم خضوع البلاد لأي استعمار بالمرة و لذلك يقال: (إن هذه البلاد لم تخضع في يوم ما لسلطة الاستعمار فهي مستقلة منذ القدم، و مثل هذه الحالة لا ينطبق على بلادنا.) و لا على مثيلاتها.
2- تحرر البلاد المستعمرة من نيران الاستعمار يقال: (هذه البلاد كانت مستعمرة للامبراطورية الاستعمارية كذا ثم تحررت منها و أخذت استقلالها و أصبحت تتمتع بالسيادة.) و هو ما ينطبق على بلادنا موريتانيا و التي عانت قرابة 60 سنة من الاحتلال الفرنسي الذي بدأت طلائعه مع مطلع القرن العشرين و تحديدا سنة 1903م.
ذلك المحتل الذي ما إن وطئت قدماه أرض الوطن حتى اندفعت كتائب المجاهدين من كل صوب و حدب لتسد المنفذ و تقطع الطريق على المستعمر و لسان حالها يقول:
لا تطمعوا أن تهينونا و نكرمكم
الله يعلم أنا لا نحبكم
و أن نكف الأذى عنكم و تؤذونا
و لا نلومكم إن لم تحبونا

و انتشرت المقاومة فعمت السهل و التل و الجبل، مبارزة بالرصاص حينا و متأبطة اللوح حينا آخر و جانحة إلى السلم أوقاتا أخر.
و بذلك تكون المقاومة الوطنية تقسم إلى:
1- المقاومة المسلحة: اعتمدت المقاومة الوطنية في طورها العسكري أساليب مختلفة تمثلت في الصدام مع العدو تارة والإعراض عنه تارة أخرى و اتخذت أساليب تعتمد الكر و الفر و الاشتباك المباشر و تسميم الآبار و نصب الكمائن، و لم تثنها قوة الفرنسيين و لا العدة و لا العتاد، بل كانت ندا قويا و خصما لدودا رغم قلة التموين و شح الوسائل، و تقسم هذه المرحلة من المقاومة إلى مراحل كان لكل منها طابعها الخاص و مميزاتها و هذه المراحل هي:
ا- مرحلة الصدام من 1902م – 1905م
ب- مرحلة اشتداد المقاومة من 1905 – 1912م
ج- مرحلة الانبعاث من 1912- 1934م
تميزت المقاومة المسلحة بالتصدي للزحف الفرنسي القادم نحو البلاد، و بما أن الاستعمار دخل من الجنوب فإن البداية ستكون فيه لكونه نال السبق في الدفاع عن الوطن، و هكذا كان للمجاهدين على ضفاف النهر معارك بطولية رائعة مع الغزاة و بعد استكمال احتلال المناطق الجنوبية المحاذية للنهر و التي توجد بها أكبر نسبة من السكان دفع الغرور بالاستعماري (اكزا في كبولاني) إلى الزحف شمالا في اتجاه تجكجة التي قتل فيها بعد عشرة أيام من وصوله في وقت كان يستعد فيه لغزو آدرار.
و هكذا شهدت سنة 1905 أكبر حدث في تاريخ المقاومة الوطنية راح ضحيته العقل المدبر و المنفذ لاحتلال موريتانيا ففي 12 مايو 1905 تقرب الشهيد سيدي ولد مولاي الزين إلى الله سبحانه و تعالى بروح هذا الطاغية كبولاني، تلك العملية الرائعة التي قام بها فريق استشهادي بقيادة هذا الشريف و ضم نيفا و عشرين فردا من بينهم محمد ولد الصفره و محمد ولد اعميره ولد اباه و محمد ولد الكيلاص و موسى ولد بوبيط و البكاي بن بلال و محمد ولد هنون...
أخذت هذه المجموعة طريقها إلى تجكجة و حين بلغت مشارفها مكثت يومين و أرسلت محمد ولد اعميره و هو أصغر الجماعة سنا إلى المدينة يستطلع الاحوال و يعرف الطرق و بعد يومين في تجكجة استطاع خلالهما أن يجمع كل المعلومات المتعلقة بالجيش الفرنسي و مواقعه عاد إلى مجموعته ليتوجهوا مباشرة إلى الثكنات العسكرية الفرنسية و عند مشارفها استوقفهم الحارس و دار بينه معهم حوار حاولوا من خلاله إقناعه أنهم رعاة يحملون اللبن للضابط و ألحوا عليه أن يتركهم يدخلون فرفض أن يترك سوى اثنين فقط. و بما أن العملية تتطلب مشاركة جماعية قرروا التخلص منه عندما ارتمى عليه محمد ولد الصفره و شده إليه فأخرج سيد ولد مولاي الزين سيفه و ضربه فمات دون أن يشعر الفرنسيون و فور مقتله دخل الثوار إلى الثكنات و توجهوا مباشرة إلى قبة بيضاء موجودة في الوسط و بها كبولاني و حين اقتربوا منها استوقفهم الحارس الخاص فما كان منهم إلا أن قتلوه و عند سماع إطلاق النار خرج الجنود الفرنسيون مذعورين و توجهوا إلى القبة و أثناء موجة الذعر دخل الثوار و قتلوا كبولاني، و حول القبة دارت معركة عنيفة بين الطرفين استشهد فيها سيد ولد مولاي الزين و موسى ولد بوبيط و محمد ولد الكيلاص و محمد ولد هنون و جرح المجاهد ولد أعميره، أما بقية الثوار فقد انسحبت بعد تنفيذ عمليتها و بمقتل كبولاني تكون المقاومة الوطنية حققت هدفا معنويا كانت في أمس الحاجة إليه خاصة بعد الخسارة الكبيرة التي لحقت بالوطن باستشهاد بكار ولد اسويد أحمد في ابريل من سنة 1905م في معركة بوكادوم في رأس الفيل.
و حول معركة تجكجة يذكر افرير جاه و هو أحد العسكريين الفرنسيين الذين حضروا المعركة و خلف كبولاني بعد موته يذكر الهلع الذي أصاب الفرنسيين و الخسارة التي تكبدوها و أنه لولا الدراعة التي كان يلبسها شخصيا و التي خرج متخفيا فيها لكان مصيره نفس مصير قائده.
و بمقتل كبولاني كادت فرنسا أن تراجع حساباتها و أن تعلن انسحابها من موريتانيا، لكن وجدت في الأمر مسا بالسيادة الفرنسية و خوفا من أن يؤول الأمر في مستعمراتها الإفريقية إلى ما آل إليه في موريتانيا إذا اتخذت القرار فتمسكت باحتلال البلد صونا لماء الوجه رغم هول الصدمة و جلل الحدث.
و لم تكن معركة تجكجة هذه سوى معركة واحدة من بين 97 معركة دارت رحاها في كل أنحاء الوطن بين المقاومة و المحتل، فاعتمدت ذكرها من باب التنويه، و كونها حققت إنجازا تاريخيا عظيما و مميزا بكل المقاييس، و خلال ثلاثين سنة هي عمر المقاومة المسلحة –و لو نظريا- تمكنت المقاومة من مقتل نحو 672فرنسيا بين إداري و عسكري فيما بلغ عدد شهداء المقاومة نحو 1062 شهيدا كان لعلية القوم النصيب الوافر (بكار ولد اسويد أحمد، سيدي ولد مولاي الزين، الشيخ ماء العينين، سيد أحمد عيده...).
و من أهم المعارك التي خاضتها المقاومة و كبدت الاحتلال فيها خسائر فادحة في الأرواح و المؤن و المعدات هي:
مكان المعركة قائد المعركة تاريخها
ألاك أحمدو ولد سيدي أعل 1902
ميْتْ بكار بن اسويد أحمد 1903
بوكادوم بكار ولد اسويد أحمد 1905
تجكجة سيدي ولد مولاي الزين 1905
كيدي ماغا فاضلي جاكلي 1907
سراك لبراكنه ولد عساس 1907
يغرف سيد أحمد عيده 1908
لكويشيش أحمد ولد الديد 1908
افام لخذيرات أحمدسالم ولد احجور 1911
كدية أهل عبدوك الشيخ بن عبدوك 1916
مجيك أعل ولد مياره 1923
كدية الجل محمد تقي الله ولد أعل الشيخ 1923
اجريف وجاهه 1923
وديان الخروب سيد أحمد عيده 1932

2-المقاومة الثقافية: على غرار المقاومة العسكرية التي قام بها السكان ، قامت كذلك مقاومة ثقافية لا تقل أهمية خاصة و أن الموريتانيين معروفون بتشبثهم بقيمهم الروحية و ارتباطهم بأصالتهم و لذلك كانوا ينظرون إلى المدرسة الاستعمارية باعتبارها أداة تربوية عدائية تستهدف بالدرجة الأولى التعليم المحظري من جهة و السلطة التقليدية من جهة أخرى.
و لهذا فقد كان التوجه الاجتماعي العام يميل إلى الرفض المطلق لكل ما له علاقة بالمحتل و ذلك من خلال التمسك بالتعليم الإسلامي و منع الأطفال من الإقبال على تعليم النصارى الذي يؤدي حسب الاعتقاد السائد إلى تنصيرهم و تجريدهم من هويتهم.
و لهذا كانت هذه المقاومة الثقافية قبل كل شيء متميزة بطابعها الديني. فالقبول بالتعليم الفرنسي من حيث المبدإ هو القبول بطباع الفرنسيين و ثقافتهم و معتقداتهم و من أجل ذلك قامت الزعامات الروحية و الشيوخ القبليون بمقاطعة الفرنسيين و رفض لغتهم و رفعوا شعار الآية.
و لم تثنهم سياسة الترغيب و الترهيب التي انتهجها المحتل فقد رفض شيوخ المحاظر الهبات و المنح المادية التي فرضها المستعمر. ففي 12 يونيو 1906 صدر مرسوم استعماري يقضي بصرف 3000 افرنك قديم (60أوقية) منحة تشجيعية شهرية لكل شيخ محظرة يأمر طلابه للتفرغ ساعتين أسبوعيا لتعلم اللغة الفرنسية، و لكن يبدو أن أيا من شيوخ المحاظر لم يتقدم للاستفادة من هذه المنحة المغرية آنذاك. و بذلك يدرك الفرنسيون أن إجراءات الرقابة و الإغراءات المادية غير كافية لزعزعة أركان الجامعات الأهلية (المحاظر) التي كانت في مجابهة مظفرة مع المستعمر الذي دعا و هو يشعر بخيبة أمله إلى فرض اللغة الفرنسية بأي ثمن... فقد ورد في تعميم استعماري هذه التعليمات الصارمة (...ينبغي أن تفرض اللغة الفرنسية على أكثر عدد ممكن من السكان المحليين لتكون لغة الاتصال و أداة التفاهم على امتداد الإقليم...و من غير المقبول بعد أربعين سنة من الاحتلال أن يكون جميع الشيوخ غير قادرين على التحدث معنا مباشرة دون ترجمان. يجب نشر اللغة الفرنسية.. أن اللغة الفرنسية هي اللغة الوحيدة التي ينبغي أن نعتني بها و يتعين علينا نشرها)
و في تقرير له يشير رئيس مصلحة التعليم الابتدائي إلى إخفاق المدرسة الفرنسية قائلا: (إن البيظان المسلمين منذ قرون كان لهم و مازال علماء و فقهاء و أدباء معروفون في جميع البلاد الناطقة بالعربية و نحن نتفهم غيرتهم على ماضيهم فهم لا ينظرون إلى حاضرنا بحماس إن الثقة منعدمة بيننا الآن)
و يعتذر الحاكم الفرنسي (ليغرت) عن إحباطه و مدى استجابة السكان لمقاطعة المدارس الفرنسية بقوله: (لقد عالجنا مشكلة التعليم فور دخولنا موريتانيا و لكن مشكلة حادة.. لقد وجدنا أنفسنا في مستعمرات أخرى في ساحة فارغة أمام شعوب متلهفة إلى محاكاتنا. أما موريتانيا فإن المقاومة التي ينمو نفوذها عن طريق التعليم المحظري بدت مقاومة صعبة)
و بعد فرض التعليم الإجباري على أبناء النبلاء من المجتمع و بوصف لا يخلو من الطرافة يعلق أحد الفرنسيين أنه خلال عدة سنوات لم تسجل ولادة ذكر واحد و أن الحالة أشبه بأيام فرعون التي كان الناس يتكتمون فيها على ولادة الذكور.
ويعرب مفتش تعليم فرنسي سنة 1950م عن خيبة أمله في استعداد السكان لقبول المدرسة الاستعمارية:
و عموما يمكن القول بأن المقاومة الثقافية كانت ناجحة بكل المقاييس إذ أنها لم تنثني و لم تستجب لضغوط المستعمر.
و لم تقتصر المقاومة الثقافية على دور الرجل فقط بل شملت مساهمة المرأة بشكل فعال فتسترت على الأبناء و أخفتهم عن عيون المحتل و أعوانه الذين يتربصون بهم الدوائر كلما سمحت لهم الفرصة، مما ساهم في مقاطعة شاملة للمدارس الفرنسية و لو إلى حين.
3- المقاومة السياسية: شهدت مستعمرات فرنسا في إفريقيا منتصف خمسينات القرن الماضي تطورات هامة أفرزتها ظروف دولية و محلية كان أهمها بعض الصلاحيات التي منحتها فرنسا لمستعمراتها بموجب دستور 1946م. بالإضافة إلى قلاقل و مشاكل داخلية لفرنسا تمثلت في صراع الأحزاب السياسية الفرنسية و تعارض برامجها و عدم وجود أغلبية مساندة للحكومة، بالإضافة قانون الإطار الذي يعني المستعمرات بشكل خاص، فكانت المرحلة الواقعة بين 1956م و 1960م مرحلة العمل المستقل و الانفصال النهائي عن التنظيمات الفرنسية.
فقد تميزت سنة 1956م ببدء أولى الخطوات الفعلية لإعطاء "الكيان الموريتاني" وجودا متميزا و تم ذلك بمباركة الدولة المستعمِرة و في حدود ما يقره "القانون الإطاري" فتم في مارس 1957م انتخاب الجمعية الإقليمية و التي حصل الحزب التقدمي الموريتاني على الأغلبية الساحقة من مقاعدها (23 من أصل 24) فتكونت أول حكومة موريتانية عهد إلى المختار ولد داداه بمنصب نائب رئيسها.
و عقدت الحكومة أولى جلساتها يوم 24 مايو 1957 تحت رئاسة الوالي موراك.
و في 12 يوليو عقد أول اجتماع لها في أرض الوطن و ذلك تحت خيمة في لكصر و خلال هذه الجلسة تدارست الحكومة الخطوات التي ينبغي اتخاذها للتسريع بوتيرة الاستقلال، و أصدرت في 24 يوليو 1957 مرسوما يقضي بنقل عاصمة الإقليم من "سان لويس" السنغالية إلى نواكشوط و في ذلك يقول الرئيس المرحوم المختار ولد داداه (عدت يوم 30 يوليو 1957م حاملا معي مرسوم نقل العاصمة و الواقع أنه يوجد فرق شاسع بين الحصول على هذه الورقة و بناء العاصمة الذي يتطلب عملا ضخما يتعين علينا القيام به، و تعترضه مشاكل لا حصر لها تنتظر منا الحل، فكأنما كانت كل المصاعب بأشكالها و أنواعها عل موعد مع العاصمة الجديدة، ولم تكن نواكشوط يومها سوى قلعة إدارية صغيرة و "اكصر" "قُرَيَة" لا يتجاوز عدد سكانها ما بين 200 و 300نسمة، فكان علينا أن ننشئ من العدم عاصمة تكون رمزا لإرادتنا الصلبة، و تكون إقامتها في هذا المكان بذرة لاستقلالنا الوطني.)
و في 5 مارس 1958م كان وضع حجر الأساس لمدينة نواكشوط من طرف المرحوم المختار ولد داداه، و الرئيس الفرنسي شارل ديكول وسط صحراء وحشية جرداء ذات كثبان رملية كثيفة تعمرها الذئاب أكثر مما يعمرها الإنسان، لكنها أرض وطنية بها تم الاستقلال و منها رأت الدولة الموريتانية المعاصرة النور.
و في 2 مايو 1958م عقد مؤتمر ألاك الذي حضره جمع غفير من مختلف مناطق موريتانيا بل و من الصحراء، فكان المؤتمر يهدف إلى توطيد الوحدة الوطنية و الدفاع عن سيادة الإقليم الموريتاني، و طالب أغلب المتدخلين بالاستقلال الذاتي، فيما كان دعاة الاستقلال التام يعدون على أصابع اليد.
و في 28 سبتمبر 1958 تم الاستفتاء الذي نادى به شارل ديكول و الذي عرف محليا باسم (وينو) فتم التصويت بنعم على بقاء موريتانيا تحت لواء الجماعة الفرنسية، و نالت بموجبه الاستقلال الداخلي (الذاتي).
* المكاسب السياسية في ظل الاستقلال الذاتي:
و تتلخص فيما يلي:
- في 28 نوفمبر 1958م أعلنت الجمعية الإقليمية في اجتماعها المنعقد لأول مرة في نواكشوط النظام الجمهوري للجمهورية الإسلامية الموريتانية التي كانت تسميتها (بالإسلامية) مثار جدل بين مختلف الفرقاء، كما أثارت ردود أفعال مختلفة من طرف مختلف الشرائح القومية على حد سواء، في رده على الاتجاهين دافع واضع التسمية المرحوم المختار ولد داداه عن خياره قائلا: (إن الدين الإسلامي يشكل أول منابع الديمقراطية الموريتانية و إننا شعب مسلم مائة بالمائة (...) إن هذه التسمية تطابق الواقع، فلا رابطة بين ساكني هذا البلد تجمع بينهم أقوى من الإسلام فهو يجسد عامل الوحدة الوطنية.)
- في 21 مارس 1959م ظهر أول دستور للجمهورية الإسلامية الموريتانية تمت صياغته بإشراف مباشر من طرف الرئيس المختار ولد داداه، و جاء في ديباجة هذا الدستور . و قد نص هذا الدستور على أن الإسلام دين الدولة و الشعب، و أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية للبلاد و أن شعار الدولة هو: الشرف، الإخاء، العدالة
- إنشاء العلم الوطني الذي يعد رمز المجد و السمو و التضحية و النضال و رمز الاستقلال، و يتكون العلم الوطني من لون أخضر تتوسطه نجمة و هلال ذهبيان، و قد رفرف العلم الوطني لأول مرة في تاريخ البلاد يوم 22 مارس 1959م، حيث يعلق الرئيس المرحوم المختار ولد داداه قائلا: (كان الطقس في هذا اليوم مواتيا، كأنما يشاطرنا الفرحة بهذا الحدث التاريخي، فقد هب نسيم بحري كأنه يريد لهذا العلم أن يرفرف بعزة و كبرياء في سماء عاصمتنا الفتية)
- في الرابع عشر من أكتوبر سنة 1960 بدأت في باريس سلسلة مفاوضات توجت بمعاهدة 19 اكتوبر 1960 التي خرجت موريتانيا بموجبها من الجماعة الفرنسية لتنال الاستقلال التام و قد وقع الاتفاقية عن الجانب الموريتاني رئيس الحكومة المختار ولد داداه و عن الجانب الفرنسي ميشيل دبرى رئيس الحكومة الفرنسية. و صادقت الجمعية الوطنية على المعاهدة و بالتالي كان الثامن و العشرين من نوفمبر 1960م أول يوم في الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
* إعـلان الاستقلال التام:
حصلت موريتانيا على استقلالها صبيحة الثامن و العشرين من نوفمبر 1960م بعد احتلال دام أكثر من 57 سنة، فبزغت شمس الحرية في ذلك اليوم و أصبح العلم الأخضر ذو الهلال و النجمة الذهبيين يرفرف خفاقا في سماء العاصمة الفتية، و قد اعترفت 44 دولة باستقلال الدولة الموريتانية، و كان في مقدمتها تونس، فرنسا، المانيا الغربية، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، و بمناسبة الاحتفالات التي أقيمت بهذه المناسبة العظيمة حضر أكثر من عشرة رؤساء إضافة إلى رئيس الوزراء الفرنسي، و وزير الأشغال التونسي الذي لم يحضر من العرب سواه. و بذات المناسبة خاطب الرئيس المختار ولد داداه الحاضرين قائلا: (ها قد تحقق الحلم الذي طال ما راود كل موريتاني و موريتانية، و في هذه العاصمة الوليدة أدعوكم إلى الاعتراف برمز الإرادة لشعب كله ثقة بمستقبله)
إن آلام الولادة التي أحاطت بنشأة الدولة الموريتانية جعلت منها مثالا فريدا من نوعه فهي دولة تولد على التعددية السياسية العمياء، و القبلية التي تخنق تطلعاتها للوحدة الوطنية. دولة تولد على التخلف الشامل و الأطماع الخارجية، كل هذا بالإضافة إلى أرض شاسعة المساحة، و سكان رحل و جهاز إداري و تعليمي ضعيف –إن لم يكن معدوما- (490) معلما لنحو (8248) تلميذا في المرحلة الابتدائية، و أربعة أساتذة لنحو (528) تلميذا في المرحلة الثانوية، و عشرة طلاب جامعيين و خمسة خريجين.
• موريتانيا و معركة الاعتراف الدولي:
بعد استقلالها في 28 نوفمبر 1960 طالبت موريتانيا بالانضمام إلى الأمم المتحدة، لكن المغرب عد يوم إعلان استقلال موريتانيا يوم حداد رسمي، و وصف الاستقلال بأنه صوري، كانت لها بالمرصاد و نجح في صد كل الأبواب في وجه موريتانيا، و استخدم "الفيتو" السوفياتي لأول مرة. لمنعها من دخول الأمم المتحدة، و كان ذلك بمباركة عربية.
و مع ذلك برهنت موريتانيا على مواقفها الداعمة للقضايا العربية العادلة كالثورة الجزائرية و القضية الفلسطينية، و لا أدل على ذلك من قول الرئيس المرحوم المختار ولد داداه: (إن موريتانيا المستقلة سوف تظل متمسكة بعروبتها، و ستقف في طليعة العرب في كل قضية و في كل ميدان. سواء قاطعها العرب أم وصلوها.. فنحن من العرب و مع العرب و إلى العرب.) ثم أورد البيتين التاليين:
و إن الذي بيني و بين بني أبي و بين بني عمي لمختلف جــدا
فإن أكلوا لحمي و فرت لحومهم و إن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
و لم يثني كل هذا موريتانيا عن طموحها و قضيتها العادلة ، فوجدت دعم الأغلبية الساحقة في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 19 ابريل 1961م بقبول دخول موريتانيا فيها، و توج المسار بقبول موريتانيا عضوا في هيئة الأمم المتحدة يوم 27 اكتوبر 1961م. كما دخلت موريتانيا منظمة الصحة العالمية 7 فبراير 1961م و اللجنة الاقتصادية لإفريقيا 8 فبراير 1961م، و المنظمة الدولية للشغل 20 يونيو 1961م.
و بذلك تحقق حلم الرجال فكان ميلاد الأمة الموريتانية.
* النص في الأصل محاضرة ألقيت في دار المرأة بمدينة روصو يوم الأربعاء 10/11/2010

نقلا عن السراج الإخباري