مشاهدة النسخة كاملة : ديكتاتورية الجغرافيا


أبو فاطمة
01-28-2010, 03:44 PM
مصر وفلسطين و«ديكتاتورية الجغرافيا»
[ 28/01/2010 - 09:02 ص ]
عريب الرنتاوي



توقفت مطولاً أمام ما نُسب إلى الرئيس الفلسطيني من تصريحات تشكو الضغوط المصرية عليه وعلى أركان السلطة، وتتبرم بالمواقف المتسمة بـ"الضيق والعصبية والنرفزة" التي يقابل بها المسؤولون المصريون نظراءهم الفلسطينيين، وأكثر ما لفت انتباهي في واقع الأمر، تهديد القيادة المصرية المتكرر برفع اليد عن القضية الفلسطينية، إن لم يصدع عباس لأمر القاهرة (أو بالأحرى لأمر واشنطن)، ويلتحق بمائدة المفاوضات، "لاحساً" شرط تجميد الاستيطان، وإن لم تركع حماس على قدميها وهي توقع من دون قيد أو شرط أو تحفظ، الورقة المصرية للمصالحة الفلسطينية.

لقد سبق للوزير عمر سليمان أن لوّح بالاستقالة ومغادرة عرينه الحصين، على أن يسمح لحماس بأن "تمشّي كلامها على مصر"، متعهداً بتدفيع خالد مشعل "ثمناً باهظاً" لتمرده على دور مصر وتطاوله على هيبتها، ولا أدري من الذي سيفعلها هذه المرة، فيضع استقالته في كفة، وعودة عباس إلى مائدة المفاوضات في كفة ثانية، وما "الثمن الباهظ" الذي سيتعين على الرئيس الفلسطيني دفعه، إن هو فكّر في أن "يمشّي كلمته على مصر".

ما الذي سيحدث للفلسطينيين وقضيتهم، لمفاوضاتهم ومقاومتهم، إن رفعت مصر يدها عنهم؟ سؤال لم يخطر ببالي من قبل، ولكنه داهمني بقوة هذه الأيام، وأعترف بأنني ترددت في تناوله، إذ هل يعقل أن تُطرح للنقاش العام، قضية من هذا النوع، وبهذا الحجم، وعلى هذا القدر من الحساسية، قضية أُخذت لسنوات وعقود على محمل "البديهيات"؟ لكنني سرعان ما التقطت أنفاسي، عندما تذكرت أن مصر رفعت يدها عن القضية الفلسطينية قولاً وفعلاً، لما يقرب من عشرين سنة أعقبت زيارة السادات ل"إسرائيل"، بل وخرجت من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي، وقبلها أعلنت حرب أكتوبر آخر الحروب، وبعدها تبنت خطاب "مصر أولاً"، فما الذي سيتغير على الشعب الفلسطيني، وهل يمكن أن يدفع ثمناً أكبر من الأثمان الباهظة التي دفعها من قبل؟.

منذ "آخر الحروب" العربية الإسرائيلية، واجه الشعب الفلسطيني حرب الاجتياح في آذار 1978، بعد أشهر قليلة من الزيارة "التاريخية" للقدس وخطاب الكنيست... وفي صيف عام 1982 اجتاحت "إسرائيل" لبنان وحاصرت العاصمة بيروت وأخرجت المقاومة منها واقترفت مجزرة صبرا وشاتيلا، الأبشع من بين جميع مجازرها حتى ذلك الوقت، كل هذا ولمّا يجف حبر معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.. لم يمت الشعب الفلسطيني، ولم تذو قضيته، وانتقل بمقاومته ومفاوضاته وسلطته وقضيته وانتفاضاته إلى داخل فلسطين.

اندلعت انتفاضتان، وشنت "إسرائيل" حرب السور الواقي على الضفة الغربية، حاصرت عرفات وقتلته، وانتهت إلى الرصاص المسكوب على قطاع غزة، ومقارفة أبشع جرائم العصر ضد الأطفال والشيوخ والنساء، وفرضت حصاراً جائراً على الفلسطينيين، من دون أن "يبرد" سلام مصر مع "إسرائيل"، ومن دون أن "تبرد همة" الشعب الفلسطيني أو تخمد نار المقاومة والانتفاضة لديه، بدلالة أن حديث "الانتفاضة الثالثة" و"العصيان المدني" هو الأكثر رواجاً هذه الأيام.

ما الذي سيخسره الفلسطينيون إن رفعت مصر بموقعها وموقفها الحاليين، يدها عن القضية الفلسطينية؟.. وما المقصود بـ"رفع اليد"؟.. هل يعني ذلك اتخاذ موقف "عدم انحياز" وتحكيم مبدأ حسن الجوار في العلاقة مع قطاع غزة؟.. هل يعني ذلك الانتقال إلى مواقف عدائية معلنة حيال غزة وحماس، وربما استتباعاً حيال رام الله والسلطة؟.. لا ندري.

ما نعرفه تماماً أن وقوف مصر على الحياد، وتعاملها مع القضية الفلسطينية على الطريقة السويدية مثلاً (لا نقول التركية)، ربما يكون أمراً جيداً، ولن يخسر الفلسطينيون الشيء الكثير إن حصل ذلك، خصوصاً إذا ما اقترن بموقف "إنساني" حيال معبر رفح، فمصر لها مواقف سلبية جداً حيال معظم ملفات القطاع المحاصر والمجوّع، من إغلاق المعبر إلى "الجدار الفولاذي" مروراً بإعادة الإعمار.. والوساطة المصرية في ملفي شاليط والمصالحة وصلت طريقاً مسدوداً، بل وتحوّلت إلى عبء على الأطراف و"الموضوع" بدل أن تكون ذُخراً ومُيسّراً.. أما بخصوص عملية السلام والمفاوضات، فالملف برمته ليس بيد القاهرة أساساً، بل في "مطارح" أخرى.

دعونا نتحدث بصراحة وعقل بارد، ومن دون مزايدات ولا مناقصات، فلولا "ديكتاتورية الجغرافيا" لما وَجدت حماس نفسها في موقع "القابض على جمر العلاقة مع القاهرة".. ولولا هذه "الديكتاتورية" المعطوفة على الانقسام الداخلي، لما اضطر عباس لـ"شد شعر رأسه" لما يلاقيه وصحبه، من "ضغوط الشقيقة الكبرى ونزق دبلوماسييها وعصبية أمنييها".. ولولا هذه وتلك، لما مرت "صفقة شاليط" بالقناة اللوجستية المصرية، ولما كان شرم الشيخ وترتيباته الأمنية، ولما مرت خرائط إعادة الإعمار المجمد بسيناء والعريش.

هي الجغرافيا إذن، تفرض إملاءاتها على الجميع، وتدفع أمانة السر لتكذيب ما صدر عن الرئاسة، وتجبر حماس على الإصغاء دون تعليق على حفلات الردح والشتيمة، هي الجغرافيا والجغرافيا وحدها، ما يصوغ علاقة القاهرة مع فلسطينيي "التفاوض" وفلسطينيي "المقاومة"، وكلاهما يشكو ويتبرم ويتذمر من "ظلم ذوي القربى"، كلاهما يريد دوراً مصرياً في القضية الفلسطينية ولكن من بوابة الدعم والإسناد والتشجيع والتيسير، وليس من بوابة الضغط والعصبية، أو الحصار والجدران الفولاذية.

ولأن "ديكتاتوريتها" من النوع "اللئيم" الذي لا يطاق، فقد جاء القانون الدولي لينظم العلاقات بين الدول المتجاورة جغرافيا، وليَحول دون تحويلها - الجغرافيا - إلى نوع من "أسلحة الدمار الشامل"، فهناك حدود لما يمكن لأي دولة أن تفعله بـ"ميزاتها" الجغرافية، وليت أن مصر تكتفي بمنطوق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني في هذا المجال، عندها ستريح وتستريح، ويصبح "رفع اليد المصرية" عن القضية الفلسطينية، لصالح الأخيرة وليس على حسابها، وإلى أن يقضي ربك أمراً كان مفعولاً.

صحيفة الدستور الأردنية