مشاهدة النسخة كاملة : الهوية الوطنية وتحديات الاختراق الثقافي


ابو نسيبة
11-10-2010, 03:16 PM
الهوية الوطنية وتحديات الاختراق الثقافي
د/ محمدو بن محمد
ربما يفترض هذا العنوان أن الموريتانيين باتوا على اتفاق حول هوية وطنية جامعة بينهم، وأن هذه الهوية الوطنية المفترضة باتت تتعرض لاختراق ثقافي، أو هي مهددة بفعل الكثير من العوامل الطارئة وفي مقدمتها الخطر لفرانكفوني وتيار العولمة الجارف، الذي يقوم على المزيد من اختراق الحدود والتنميط الثقافي وعلى دعم سبل التواصل بين الشعوب وتدفق المعلومات والأفكار في عالم يحلو لبعض مفكري أمريكا وصفه بالمسطح، في إشارة إلى عدم وجود كوابح حقيقية تعيق هيمنة بعض الثقافات على بعضها .
ولكن هل يمتلك الموريتانيون تصورا مشتركا حول هويتهم الوطنية، وخاصة في بعدها الثقافي؟، وما هي هذه الهوية إن وجدت؟، ثم ما طبيعة الاختراق الثقافي الذي يتهددها ؟ وما هي مصادره. لاشك أن الإجابة على هذه التساؤلات ليست ميسورة في سطور قليلة كتلك التي نحن بصدد عرضها في هذه الورقة الموجزة، ولكن حسبنا أن نسلط بعض الضوء على هذا الموضوع الشائك شعورا بمخاطر جهله وأملا في لفت اهتمام الباحثين في موريتانيا إليه. وإلى ما يتهدد الهوية العربية الثقافة للبلاد من مخاطر الاختراق الفرانفكوني بعد أن تراكم فعله على امتداد العقود الماضية من عمر الدولة الوطنية ، وبعد أن تمكن وعبر مسار طويل منذ الحقبة الاستعمارية مطلع القرن الماضي من خلق طبقة فاعلة ومؤثرة من الإتباع والمتغربين ومكن لها في مختلف المفاصل الإدارية والاقتصادية والسياسية للدولة الناشئة .
أولا : مفهوم الهوية الوطنية ومشكلاتها في موريتانيا
1- مفهوم الهوية الوطنية :
لعله من الصعوبة بمكان تقديم مفهوم محدد وناجز للهوية الوطنية، ففضلا عن صعوبة تحديد المفاهيم في العلوم الاجتماعية والإنسانية ، فإن هذا المفهوم بقدر ما هو ضروري فهو غامض ويصعب تحديده في نظر البعض، بل إنه قد يستعصى على حد تعبير المفكر الأمريكي الشهير "هنتكتون" على طرق القياس العادية ، كما أنه عند أبرز باحثي الهوية في القرن العشرين "اريك أريكسون" مفهوم متعارف عليه تماما ولكنه غامض ولا يسبر له غور .
ومهما يكن فإن معظم التعريفات التي قدمها الباحثون للهوية ترتد إلى أصل مشترك يجعلها تعني: شعور الفرد أو الجماعة بذاتها ، فهي نتاج وعينا بذواتنا أو بكوننا نشعر باختلافنا عن الآخر، وبأننا نمتلك من الخصائص ما يجعلنا نشعر حتى بتميز كل واحد منا واختلافه عن الغير ، ولعل هذا ما يجعل لكل منا هويته الخاصة التي قد لا يدركها بنفسه فورا بمجرد ولادته، ولكنها أي هذه الهوية الشخصية الإرادية أحيانا واللاإرادية أحيانا أخرى - لكونها تتحدد لحظة مولد كل واحد منا ، وذلك من خلال : الاسم والجنس والأبوين والمواطنة - تبقى حقيقة واقعية ، بل ضرورة لا بد منها .
الهوية على هذا النحو ورغم غموضها تبدو أمرا ضروريا ولا مناص سواء للفرد أو الجماعة من حسمها ، لأنها هي التي تجعلنا نحدد نقاط الشبه والاختلاف بيننا والآخرين، ويعتقد دارسوها والباحثون في موضوعاتها المختلفة أن لها خصائص ومصادر نوجز أهمها فيما يلي:
خصائص الهوية الوطنية :
- كونها ذات خاصية فردية وجماعية، وإذا كان الفرد يستطيع من حين لآخر إعادة تحديد هويته الإرادية أو الاختيارية، فإن قدرة الجماعة على ذلك تبدو أقل بكثير .
- كونها في الغالب مركبة، والأشخاص معنيون بصناعة هوياتهم التي هي: ما يعتقدون أنهم عليه أو ما يريدون أن يكونوا عليه .
- كونها متعددة سواء للفرد أو للجماعات، فقد تكون نسبية أو إقليمية أو اقتصادية أو ثقافية أو سياسية أو وطنية.
- كونها وإن كانت تتحدد بواسطة الذات، فإنها نتاج للتفاعل بين هذه الذات والآخر، فنحن لسنا دائما كما نعرف أنفسنا، وإنما كما يرانا الآخر أيضا. تركيا والغرب حاليا وموريتانيا والوطن العربي سابقا وليس الآن طبعا .
- كونها نسبية بمعنى أن هوية فرد ما أو جماعة قد ترتبط بحالة بعينها، وهنا يسوقون مثالا شهيرا بأن عالمة نفس بين عدد من علماء النفس ستميل إلى اعتبار نفسها امرأة، أما إذا كانت بين عدد من النساء غير العالمات فستميل إلى تعريف نفسها كعالمة نفس .
أما مصادر الهوية الوطنية فهي عديدة منها :
- مصادر نسبية: مثل السلالة والجنس والقرابة الاثنية وهي قرابة موسعة والعنصر
- مصادر ثقافية: مثل العشيرة، الاثنية بمعنى نمط الحياة، واللغة والدين والجنسية والحضارة .
- مصادر ترابية أو جغرافيا مثل : الجيرة والقرية والبلدة والمدينة والمحافظة والولاية والاقليم والبلد والمنطقة الجغرافية والقارة والجهة على كوكب الأرض .
- مصادر سياسية : مثل الفصيل، والجماعة، والزعيم، وجماعة المصلحة، والحركة ، والقضية، والحزب، والايديولوجية، والدولة .
- مصادر اقتصادية مثل : الوظيفة والمهنة ، والحرف أو الصنعة ، وفريق العمل ، ورب العمل ، والصناعة ، والقطاع الاقتصادي ، والرابطة المهنية ، والطبقة .
- مصادر اجتماعية مثل : الأصدقاء ، والنادي ، والفريق ، والزملاء ، وشلة الترفيه والمركز الاجتماعي .
2- مشكلات الهوية الوطنية الموريتانية :
في ضوء ما تقدم عن مفهوم وخصائص ومصادر الهوية الوطنية بصفة عامة، ربما يتأتى لنا الحديث عن هوية وطنية موريتانية، وذلك بالنظر إلى ما هو مشترك بين جميع الموريتانيين وما يميزهم عن الآخرين، وبالتالي يستطيعون في ضوئه الإجابة عن سؤال من نحن وإلى أي جهة ننتمي ؟ صحيح أن الإجابة على هذا السؤال قد تختلف بين من يرى أن موريتانيا بلد عربي قبل كل شيء أو إفريقي أو إسلامي أو كل هذه الأوصاف مجتمعة في آن واحد، ولكن رغم ذلك فسيظل هناك ما يمكن اعتباره جوازا أو مجازا ثوابت مشتركة لهذه الهوية الوطنية الموريتانية مثل: الكيان السياسي ( الدولة الوطنية ) والدين الإسلامي والموقع الجغرافي والتعدد الإثني. كما سيبقى ممكنا كذلك القول بان هذه الثوابت والمحددات والمصادر الأساسية المشتركة للهوية الوطنية بين جميع الموريتانيين ربما تحتاج قبل التسليم بها إلى بعض النقاش :
- الدولة الوطنية كثابت :
رغم واقعية هذا المصدر السياسي والقانوني للهوية الوطنية لجميع الموريتانيين الذي هو الدولة الوطنية الراهنة، فإن ظروف نشأة هذا الكيان ومدى الاتفاق حول رموزه المختلفة ( علم ، نشيد، شعارات ) ، ناهيك عن نظرة البعض إليه تارة باعتباره جزء من كل عربي أو إفريقي أو إسلامي ويجب أن يرتد إلى أصله ، وتارة ككيان قائم بذاته لا عربي ولا إفريقي بالمعنى الجينالوجي، هي أمور تضيف مزيدا من الغموض على هذا المصدر من مصادر الهوية الوطنية. فالعلاقة بين القطري والقومي والأممي وبين الأصلي والوافد وبين الانتماء الجغرافي والانتماء الثقافي ما زالت تقسم الموريتانيين حول هويتهم الدوليتية تلك .
- الدين الإسلامي :
يحلو للكثير من الموريتانيين اعتبار الدين الإسلامي المقوم الأساسي الأول من مقومات الهوية الوطنية في موريتانيا، على اعتبار أن جل إن لم نقل كل الموريتانيين يتقاسمون هذا المعتقد، ولكن إذا كان لهذا المقوم أهميته الخاصة في بلد كباكستان المسلمة في مواجهة الهند الهندوسية وفي إيران للتأكيد على خصوصية الثورة الإيرانية ذات التوجه الإسلامي الشيعي تحديدا ، إلا أن التسليم بهذا المقوم قد يطرح تساؤلات كثيرة هو الآخر؟ ففضلا عن طبيعة النظام السياسي الوضعي حتى لا نقول العلماني ، فإن الاختلاف حول مضمونه كبير ، بل قد وصل أحيانا إلى حد رفض - ولفترة طويلة- قيام كيان سياسي (حزب سياسي) يرفع شعار الإسلام ويدعي العمل على تطبيق جميع مضامين الدين الإسلامي في الحياة العامة .
الأمر الذي جعل البعض يصف ذلك بخوصصة غير مقبولة للإسلام ، ناهيك عما يثيره من إشكال في حالة ما إذا لم يعد هذا الدين جامعا بين أبناء الشعب الموريتاني، كما هو حاصل في ظل الحديث عن حملة تنصير كبيرة تتعرض لها بعض البلدان ومنها موريتانيا، بمعنى أن الانتماء إلى الهوية الموريتانية قد يفترض دوام اعتناق الدين الإسلامي ، كما قد يقتضي ولمجرد اعتناق الإسلام إمكانية أن يصبح الشخص موريتانيا من حيث هذا الثابت من ثوابت الهوية الوطنية على الأقل .
- الموقع الجغرافي :
بما أن الموقع الجغرافي هو أحد ثوابت الهوية الوطنية، فإن وجود الإقليم الموريتاني بين فضاءين عربي شمال إفريقي (المغرب العربي) وزنجي غرب افريقي يحتم بناء العلاقات الجيوستراتيجة في ضوء تلك الاعتبارات وعدم الاعتراض على تفعيل أي منها. بصرف النظر عن اعتبارات المفاضلة أحيانا بناء على معايير موضوعية اقتصادية أو سياسية أو واقعية مصلحيه .
- التسليم بواقع التنوع الإثني :
يسلم الموريتانيون اليوم بأنهم بلد متعدد الأعراق والإثنيات، تتعايش فيه أغلبية عربية واضحة على الأقل بالمعنى الثقافي( تتشارك هذه الأغلبية اللغة والقيم والزي والعادات والتاريخ ) وأقليات زنجية بولارية وتكرورية وولفية لكل منها مميزاتها الخاصة وإن كانت تتقاسم مع مجموع الموريتانيين الدين والبلد والتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك ، فضلا عن الكثير من القواسم الحضارية الأخرى .
بيد أن هذه القواسم الحضارية والوشائج الاجتماعية التاريخية التي ظلت تفرض على الموريتانيين وعبر العصور - خاصة من حيث المضمونه الثقافي للحضارة- حتمية التعايش والتواصل الثقافي بين عربه وزنوجه ومن خلال اللغة العربية أساسا واللغات الوطنية للأقليات الزنجية المكتوبة بالحرف العربي، باتت تتهددها تحديات كثيرة في مقدماتها التحدي الفرانكفوني الذي أصبح يعيق هذا التفاعل الثقافي التاريخي والمصيري بين ابناء البلد الواحد، وذلك برغم ما يفترض من الأخوة الدينية والوطنية، ومن واجب التأكيد على حق الجميع في مواطنة كاملة وصادقة تحفظ الحقوق وتؤدي الواجبات بصرف النظر عن أي اعتبارات لونية أو عرقية أو لغوية أو فئوية أو جهوية أو سياسية طبعا أو غيرها .
ثانيا : التحدي الفرانكفوني للهوية الثقافية في موريتانيا
خضعت موريتانيا مع مطلع القرن الماضي(1902) للسيطرة الاستعمارية الفرنسية، ومن هنا بدأت مشكلاتها الراهنة مع الاختراق الثقافي الفرانكفوني أو الفرنسي ، حيث عمد الفرنسيون منذ احتلالهم موريتانيا وكعادتهم على تكريس أسلوبهم المعروف في الاستعمار وهو الأسلوب الثقافي. ولئن كان الموريتانيون الأوائل لم يدخروا جهدا ولا حيلة في المقاومة الثقافية لهذا الأسلوب ، حيث قاطعوا المدارس الفرنسية واعتبروا التعلم فيها مخرج من الملة الإسلامية، وظل هذا ديدنهم طيلة السنين الستين للاستعمار .
إلا أن المستعمر الفرنسي رغم ذلك لم يعدم الوسيلة لكسر هذا الحصار الثقافي الأهلي ، حين وجد أولا فيما استوردهم من الإخوة الزنوج للعمل الإداري والسيطرة الأمنية على البلاد وثانيا في مدارس المترجمين ومدارس أبناء شيوخ القبائل بعد إغرائهم بأن الأمر سيفضي إلى استمرار نفوذهم وسيطرتهم على المجتمع حتى بعد رحيل المستعمر ، وجد في هؤلاء جميعا مدخلا مقبولا لكسر ذلك الحصار الثقافي . وهكذا سوف يتكرس هذا الاختراق الثقافي لفرانكفوني بعد رحيل الاستعمار وتسليمه البلد لقلة قليلة من أبناء المترجمين والوافدين من الزنوج ، وطبعا ليعمل الجميع على تأكيد ولائهم وتبعيتهم الثقافية لصاحب الفضل فرنسا من خلال دسترة اللغة الفرنسية بالنص في أول دستور ( 1961 ) على أن اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلد .
ومنذ ذلك الحين عكست النظم التربوية الوطنية للبلد هذه الحقيقة ، وكلما سعت جهود وطنية غيورة إلى إعادة الدور الطبيعي للثقافة العربية وبالتالي للغة العربية جوبهت بشتى الأساليب تارة تحت شعار عدم الاستغناء عن اللغة الفرنسية بوصفها لغة العمل، وتارة لغة تواصل بين مكونات الشعب الموريتاني، وتارة ثالثة لغة العلم والتقدم. ومحصلة كل ذلك هو تكريس امتيازات استثنائية ظل تحظى بها تلك القلة من المتفرنسون زنوجا وعربا رغم قلتهم ومحدودية نسبتهم إلى المؤهلين اليوم باللغة العربية .
وهكذا يمكن القول أن السياسة الفرانكفونية لفرنسا كأي سياسية استعمارية قد تمكنت بالفعل من وضع اللغة الفرنسية في مكانة سامية في موريتانيا ، وذلك لمعرفتها بأن اللغة وسيلة لأهداف متعددة أهمها الربط الثقافي والفكري للمستعمرين السابقين ومنهم الموريتانيون بالدولة الفرنسية، لهذا نفهم بوضوح مكانة اللغة الفرنسية اليوم في موريتانيا وفي غيرها من البلدان التي خضعت للاستعمار الفرنسي وكيف أنها هي لغة العمل في الإدارات الرسمية ولغة التعامل مع العالم الخارجي ، كما أنها اللغة الثقافة للكثير من المتعلمين تعليما عصريا من أبناء الشعب الموريتاني وغيرهم، حتى أنه وربما من المفارقات القدرية العجيبة أن بعض التيارات السياسية والشخصيات الوطنية حتى غير المتعلمة أصلا باللغة الفرنسية ، بل وذات التوجه الأصولي أصبحت تدافع عن مكانة اللغة الفرنسية في البلاد على الأقل كلغة للتواصل بين مكونات الشعب الموريتاني العربية وغير العربية ، وذلك تجنبا ربما للمواجهة السياسية مع فرنسا وإتباعها ، أو خطبا لودهم بحثا عن أصواتهم ودعمهم في المناسبات الانتخابية.
وبهذا تكون فرنسا التي استماتت وتستميت في سبيل نشر اللغة الفرنسية ، حيث تمثل منظمة الفرانكفونية (الصوت الفرنسي) التي هي في الحقيقة ليست منظمة ثقافية فحسب، بل سياسية أيضا ، فهي بمثابة الكمنولث الفرنسي، قد تمكنت من تعويض القوة الإمبراطورية التي خسرتها بفعل بروز قوى دولية أخرى، فالسلاح هنا وعبر هذه المنظمة المهددة للثقافة العربية في إفريقيا هو اللغة والثقافة الفرنسية . لم لا وقد قامت الخارجية الفرنسية علي وضع ميثاق لها يقول بغير التباس أن الهدف من المنظمة الجديدة هو تجميع الدول المتكلمة باللغة الفرنسية حتى تعمل معا في مجالات تطوير الثقافة والتعليم، والعلوم والتكنولوجيا، إلي جانب آخر جدير التعبير عنه بأسلوب شاعري وهو أن تكون المنظمة حارسا للغة الفرنسية، بل إن الرئيس الفرنسي السابق" فرانسوا ميتران" يقول مؤكدا هذا المعنى" إن الفرانكفونية ليست هي اللغة الفرنسية وحسب، إذا لم نتوصل إلي الاقتناع بأن الانتماء إلي العالم الفرانكفوني، سياسيا واقتصاديا وثقافيا يمثل إضافة ، فإننا سنكون قد فشلنا في العمل الذي بدأناه منذ سنوات " .
وفي موريتانيا يمكن القول اليوم أن التحديات التي تواجهها الثقافة العربية في البلاد بفعل الاختراق الثقافي لفرانكفوني كثيرة ومتنوعة ، حيث يمثل استمرار سياسة التغريب عبر المدارس الحرة الفرنسية أو المتفرنسة أحد أوجه ها الاختراق بعد أن بات ينظر إلى التعليم فيها نظرة إعجاب خاصة ، في حين يتم تحقير التعليم في المدارس الوطنية الرسمية وغير الرسمية ، بسبب مناهجها العربية أو نصف العربية ، ما جعل أولياء الأمور في الدولة وميسوري الحال يفضلون توجيه أبنائهم إلى تلك المدارس غير عابئين بخطرها على هوياهم الثقافية وعلى دينهم . وغير مدركين أن الحفاط على اللغة الأم ، يأتي في مقدمة كل المظاهر التي تحفظ أصالة الثقافة لأي مجتمع ، وهذا ما ينطبق على اللغة العربية ليس لأنها لغة الدين الإسلامي فحسب ، بل لأنها لغة جل الموريتانيين على المستوى الديني والثقافي والتعامل اليومي ...وحتى على مستوى المشاعر العميقة .
كما أن في تحويل كتابة اللغات الإفريقية ومنها اللغات الوطنية الثلاثة : البولارية والولفية والسنوكية إلى الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية، وهو ما تقرر في أحد اجتماعات اليونسكو في باماكو عام 1976 ، ما يدل على مدى تراجع دور اللغة العربية في البلد ، بل إنه ورغم التسليم بخطورة هذا القرار وابعاده المستقبلية يقول أحد الباحثين ، فان الدول العربية والهيئات الدينية والإسلامية لم تقم بالجهد اللازم لمواجهة ذلك . لقد جعل هذا الوضع معظم أبناء الأقليات الوطنية في البلاد ينظرون إلى اللغة العربية نظرة ازدراء فيصفونها بالتخلف وبالعجز عن مواكبة التطور والتقدم العالميين، بل منهم من بات ينظر إليها نظرة عنصرية باعتبارها لغة سياسية ترتبط بالأغلبية العربية. في نفي واضح لقدسيتها بعد أن كرمها الله بأن جعلها لغة القرآن وقالبا حيا لروح الحضارية العربية والاسلامية .
يبقى أن نشير إلى أن الدولة الموريتانية وإن كانت قد حسمت منذ عقود مسألة ترسيم اللغة العربية ، حيث نص دستورها النافذ وهو دستور 20 من يولية 1991 على أن اللغة الرمية للبلاد هي اللغة العربية ، إلا أن هذا النص الدستوري ما زال يعاني من التعطيل العملي ، حيث لا تزال كما سبقت الإشارة اللغة الفرنسية تحل مكان الصدارة في العمل العام وفي الاقتصاد والإدارة والعلاقات الخارجية وغيرها .وهذا ما يعكس بوضوح حجم التحديات التي ما زالت تواجهها الهوية الثقافية للبلد .
نقلا عن الأخبار