مشاهدة النسخة كاملة : تجليات الانكفاء لدى المثقفين وقادة الرأي!


أبو فاطمة
11-10-2010, 01:37 PM
تجليات الانكفاء لدى المثقفين وقادة الرأي!

لمى خاطر
في الحالة الفلسطينية التي تجسدها سلطة أوسلو بنسختها الأكثر رداءة ثمة ظاهرة غير مسبوقة تدعو للعجب والاشمئزاز في آن واحد على صعيد تجميل الموبقات (أخلاقياً ووطنياً) والتهوين من بشاعتها في عيون الرأي العام الواقف على مسافة افتراق شاسعة في قناعاته ووعيه عن خطاب ولغة السياسة والإعلام الرسميتين!
أن ينبري قادة وناطقو السلطة وفتح والأجهزة الأمنية لتجميل مسلكيات نهج التنسيق الأمني مع الاحتلال فهذا يبدو طبيعياً ومألوفا، وأن ينشغل هؤلاء باختلاق الأكاذيب حول مشروع المقاومة في غزة والادعاء أنهم وإياه ينتهجون السياسات ذاتها فهو أمر ليس شاذاً عن العرف الفتحاوي غير السوي والقائم أصلاً على الفوضى الفكرية والتناقض الفج ما بين الاعتقاد والسلوك، ومغالطة المنطق والتنكر لحقيقة الانحدار وانتكاس المسير وصولاً إلى عملية تحويل كاملة في استراتيجية الحركة التي ما عاد يربطها بالمنشأ وأهداف التكوين والانطلاق أدنى صلة أو وجه تشابه.
كل هذا يبدو طبيعياً لتفسير السلوك المتخبط الذي يحاول جاهداً المواءمة بين شعارات (الوطنية) وبين حقيقة التجنّد لخدمة أهداف الاحتلال بشكل مباشر، لكن الطارئ على المشهد السياسي والإعلامي بعموميته حجم التوظيف على صعيد المثقفين والإعلاميين لصالح مشروع السقوط الوطني، ومدى التفاني في تضليل الرأي العام الذي ينتهجه قسم غير قليل من هذه الشريحة في الوقت الذي يقدم فيه نفسه كطرف محايد أو مستقل.
أحداث جسام مرّت على فلسطين خلال السنوات الأخيرة، وكان دور المثقف التقليدي إزاءها متواضع ومتخلف وواهن، باستثناء نسبة قليلة للغاية كان عليها أن تدفع غالياً ثمن احترامها لذاتها ولضميرها أولاً ثم لمواقفها المتقدمة في الصدح بالحقيقة ولفت الأنظار إلى الجوانب المستورة التي يراد لها أن تظل مغيبة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل مردّ ذلك أن لدينا مشكلة في الوعي والفهم وإدراك الحقائق المغيبة وخلفيات مختلف السياسات؟ أم أن سياسة تحييد دور قادة الرأي والفكر قد آتت أكلها بالترغيب أو الترهيب؟ ولماذا تبدو غالبية هذه الشريحة شجاعة في مقارعة منطق الاحتلال وفضح سياساته، وواهنة في التصدي – ولو بالكلام – لنهج وممارسات سياسية وأمنية شاذة على صعيد الوضع الداخلي، وأمام القبضة الأمنية وعربدتها وحطّها من كل قيم الحرية وحقوق الإنسان وكرامته؟! رغم أن هذه الممارسات لا تشكل أبداً حالات تجاوز فردية ولا تحتمل تصنيفها في خانة الممارسة الخاطئة، بل هي نهج ذميم وعقيدة حديدية لم يعد التراجع عنها ممكنا.
هل يبدو طبيعياً أن يصمت عموم المثقفين والمحللين والإعلاميين عن نهج محاربة المقاومة نيابة عن الاحتلال في الضفة؟ وهل ظل هناك من الشواهد ما لم يجسد هذه الحقيقة البشعة؟ هل يبدو طبيعياً سيادة تلك الأنانية الجبانة في التعاطي مع حالات الاعتقال السياسي والتعذيب والحرمان من الوظيفة أو إكمال التعليم وسيادة منطق الخوف والترهيب دون مجابهة ملموسة من رموز المجتمع والمفكرين والأكاديميين وناشطي حقوق الإنسان وغيرهم من أصحاب المراكز الحساسة والقادرة على التغيير؟ لماذا يجبن – على سبيل المثال - رؤساء أكبر جامعات الضفة عن انتقاد التدخل الأمني السافر في الجامعات، بل وحتى إدانة اعتقال أساتذة وطلاب جامعاتهم أو التضامن معهم، وتجد الواحد منهم إذا ظهر في لقاء إعلامي منصرفاً عن تشخيص الداء ومركزاً جهده على تبرئة صفحة الأجهزة الأمنية أو لنقل (اتقاء شرها)؟!
أما المثال الأكثر حدّة في تعبيره عن هذه الحالة المهيمنة على واقع الضفة فهو تعليق رئيس تحرير وكالة (معاً)، أو (معاهم) -على حد تعبير جمهور الساخطين على سياستها الإعلامية والساخرين من حياديتها المصطنعة- على الخبر المتعلق بإعلان الاحتلال خلو شمال الضفة (ولأول مرة في تاريخها) من المطلوبين له، أي المقاومين المطاردين المطلوبين للتصفية، فرئيس التحرير الهمام ينفي أن يكون ذلك بسبب التنسيق الأمني مع أجهزة السلطة، والتي يقول واقع ممارساتها إنها مستعدة لتعذيب أي مقاوم معتقل لديها حتى الموت ما لم يسلّم سلاحه لها، بل ويقفز الرجل إلى مسافة أبعد من ذلك حين يقرر أن ما تقدمه حماس من أمن للاحتلال في غزة يفوق ما تقدمه له فتح في الضفة! هكذا ببساطة يلخص رئيس تحرير الوكالة المشهورة والضيف الدائم على الفضائيات الفلسطينية على اختلاف أطيافها الحكاية في فلسطين، ويحاول تزويق الجريمة بوضعها في سياق مقارنة مع وضع حماس في غزة بأسلوب تسطيحي ساذج يدرك هو جيداً قبل غيره مدى هشاشته وركاكة منطقه. وكأن غزة ليست مصنفة لدى حكومة الاحتلال كعدو وقنبلة موقوتة في خاصرة الكيان، بينما سلطة الضفة تعامل كشريك صار يتقاطع مع حكومة الاحتلال في أدق تفاصيل الأهداف من ملاحقة المقاومة وفي المصالح المشتركة من إضعافها، بل وحتى في وسائل مواجهتها. ولا نود إنعاش ذاكرة (الإعلامي الفذّ) بتصريحاته القديمة التي بلغت حدّ الهوس بسياسة مقاتلي القسام في غزة من خلال ما أبرزته رسالة شاليط الأولى المسجلة ثم شريطه المصور الثاني! كما لا نودّ إحراجه بتذكيره بما يُدلي به عند ظهوره على قناة المنار وتحليلاته (بنَفَس حماسيّ منحاز بالكامل لحزب الله) للتقارير الإسرائيلية المتعلقة بخطر الحزب على الكيان وتنامي قدراته العسكرية (رغم أن الحزب يعيش في حالة تهدئة أيضاً على جبهته)، وكيف أن الرجل يزهد بقراءة صحيحة لتقارير من النوع نفسه متعلقة بحماس في غزة!
ليس مطلوباً من شريحة المثقفين والإعلاميين ومن يصنفون أنفسهم كقادة رأي الانتصار لطرف فلسطيني على حساب آخر ولا التصفيق الدائم لسياسات جهة بعينها، المطلوب فقط امتلاك أدوات المصداقية والنزاهة الإعلامية، ولو بأدنى درجاتها، وعدم استمراء الولوغ في لجج التضليل والزيف والتنكر للحقائق ورؤيتها بالصورة التي تكفل لهم كفّ قبضة التهديد أو الملاحقة الأمنية عنهم، وهو أمر ليس صعباً ولا عسيراً بطبيعة الحال، لكنه يصبح كذلك فقط عند معايشة مرحلة شاذة وطارئة بكل تجلياتها وإفرازاتها، تماماً كما هو الحال اليوم!

نقلا عن المركز الفلسطيني